English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

الجسر

أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط


دماء على الطريق.. خبرة ملف

داليا يوسف

26 /07/2001 

 مهداة إلى ضمير المجتمع

ليس هذا عنوانًا لفيلم مثير أو رواية تستدر العطف، وإنما مشهد حياتي انعكست أحد تجلياته فيما ساقه لنا الكاتب أ/ فهمي هويدي في مقال نشر له بجريدة الأهرام المصرية في 24-4-2001م ليروي لنا عن صبي مجهول لم يجد مكانًا يبيت فيه ليلته إلا تحت شاحنة نقل كبيرة بأحد شوارع محافظة الجيزة المصرية، شاء حظه أن يجيء سائق السيارة بينما هو لا يزال نائمًا فيدس مفتاحه فيها ويتحرك متجهًا إلى عمله، لكنه لم يكد يسير أمتارًا قليلة حتى فوجئ بصياح بعض المارة الذين نبَّهوه إلى أن السيارة دهست الصبي الذي تحول إلى جثة هامدة، كل ما عرف عن الصبي المجهول أنه ابن 13 عامًا كان يرتدي ثيابًا رثَّة وحافي القدمين، ولم يكن هناك شيء يستر جسده النحيل؛ ولذلك التصق بعجلات السيارة الكبيرة لكي يحتمي بها من لسعة برد آخر الليل.

ويعلق أ/ هويدي قائلاً: "هزَّتني ملابسات مصرع الصبي فهتفت على الفور: إن دمه في رقابتنا جميعًا، وإننا ينبغي أن نخجل من أنفسنا ما ظل بيننا أناس يعيشون بهذه الطريقة، وتنتهي حياتهم بتلك الفجيعة، استهولت الموقف حين تمثلت الحديث النبوي الذي يقول: "أيَّما أهل عرصة (منطقة) أو (محلة) أصبح بينهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى".

وقلت: إنه إذا كان ذلك شأن من بات بينهم إنسان جائع، فأي لعنة تحل بالمجتمع الذي أصبح الإنسان بينهم قتيلاً؟!".

انتهى كلام أ/ فهمي هويدي، وإذا كان الغرض الذي استهدفته في بداية الإعداد للملف هو خلق شعور بالرحمة تجاه هؤلاء الأطفال ومن في مثل حالهم، فسنكتشف سويًّا شيئًا فشيئًا أن الوعي بقضية هؤلاء هو الرحمة والحماية لأبنائنا ذوي أرحامنا وأصلابنا لا لهؤلاء الأطفال فقط. فإذا كان هؤلاء قد أصبحوا جماعات من النمل الفارسي تحرقهم قسوة المجتمع فإن الدخان المنبعث من محارق النمل يسمم المجتمع القاسي الصامت.

لا داعي للإسقاط

كنت قد تذكرت في أثناء الجمع للملف القصة القصيرة التي درسناها في المرحلة الإعدادية للكاتب المصري يوسف إدريس عن الخادمة الصغيرة والتي رسم لها صورة قلمية تجسد معاناتها: ذلك الجسد النحيل، والعينان اللتان تظهران كرأسي دبوس، والأرجل التي تبدو كمسمارين، والقدم الحافية، والرأس الذي يرزح تحت حمل تنقله الصغيرة إلى بيت مخدومتها، دفعني التأثر بهذا الوصف لأن أراقب خادمة جيراننا في البناية المجاورة عبر شرفة منزلنا وكانت صغيرة السن أيضًا لأسقط عليها إمارات المعاناة التي ذكرها إدريس في قصته القصيرة، ولكن... وفي غضون عدة سنوات لم أعد في حاجة إلى بذل أي مجهود في المراقبة أو الإسقاط، فقد امتلأت شوارع المدينة بأشكال وألوان من معاناة الصغار التي تراكمت على وجهوهم حتى صرنا نتشكك في أن تحت هذا الركام من الملامح الملطخة والملابس الرثة.. أطفالاً تسري في عروقهم دماء وفي أجسادهم أرواح، والدليل أن هذه الأرواح تزهق دون التفات من أحد.

وربما صرنا نتجاهل وجودهم فلا نراهم إلا فراغًا غير مذكور، فإذا ما ثار لدينا أي شعور بتواجدهم فيكون إما بالعطف فنخرج من جيوبنا بعض القروش أو الجنيهات على أقصى تقدير أو بالاستياء والاشمئزاز بأن يكون على هذا الأرض مثل هذه المخلوقات، ولكن وجودهم بدأ يفرض نفسه، ولم نَعُد مخيَّرين بين أي من ردود الأفعال السابقة، وكما ذكر باهر السليمي (القاهرة) في تقريره "فلم يَعُد الأمر عاديًّا، وكأننا نتحدث عن شأن يحدث على كوكب آخر وعن مخلوقات غريبة عنا، فاليوم صار الخطر يحيط بنا، لقد صار الشارع وما يحويه من أطفال ضالين مشردين مفرخًا للجرائم بكافة أنواعها وأشكالها من سرقة، واتجار في المخدرات، والاستغلال الجنسي لهم… إلخ".

إنما يعني استمرار تجاهلنا استفحال الداء، وتعملق القزم كما ذكرت ناهد إمام (الكويت) في تقريرها عن أطفال (البدون) "تلك الظاهرة - التي تلفت الانتباه بقوة في بلد واقعه هو ارتفاع المستوى الاقتصادي والوفرة النفطية".

واتضحت معالم خطورة الظاهرة مع رصدنا لواقع هؤلاء الأطفال واستغلالهم من "استقطاب المجموعات الإجرامية لهم؛ إذ تتخذ منهم أدوات سهلة رخيصة للأنشطة غير المشروعة، سواء باستخدامهم كأدوات مساعدة في الترويج والتوزيع للممنوعات، أو إحداث الاضطرابات والعنف، واستغلالهم في الأعمال المتصلة بالدعارة، وقد تعرَّض هؤلاء الأطفال لأنواع جديدة من المخاطر ارتبطت بالتطورات المجتمعية الحديثة كانتشار النشاط السياحي والاستهلاكي".

في مثل هذا الحال لا يجد هؤلاء التائهون إلا الانضمام لطابور المدمنين الصغار والتخبط بينهم كما ذكرت هدى (13) عامًا لمراسلنا باهر السليمي "مع بعض العيال تعلمت شم الكلة والبنزين، وأخيرًا المبيدات الحشرية حتى أدوخ وأفقد الوعي وأنسى حالي".

وعلى ذكر "هدى" لم تَعُد الظاهرة تقتصر على الذكور، بل طالت الإناث أيضًا والذين ذكر د/ أحمد المجدوب - في أحد التحقيقات الصحفية - أنهن أكثر عنفًا؛ نظرًا لتعرضهن للاعتداء والاستغلال الجنسي، وفقدانهن أدنى شعور بالحماية.

التعلق بآخر الخيوط

أما الطرق الشديد لفتح أبواب النقاش وطرح حلول للظاهرة فإنما نعزوه - في جانب كبير منه - للصفة الاستعجالية كما نبَّه نور الدين بن مالك (المغرب) في تقريره من أن الخطر يكمن في كون هؤلاء الأطفال يجتازون مرحلة حاسمة في تكوين شخصيتهم، كما أن نسبة هامة منهم تعيش فترة المراهقة وما ترتبط بها من تغيرات فسيولوجية واضطرابات نفسية، وبالتالي فإن أي تأخير في مواجهة الظاهرة ستجعل الحلول مستقبلاً غير ممكنة أو على الأقل تتطلب مجهودات مضاعفة.

وربما تذوب الدعاوى التي قد تتردد في محافل دولية أو إقليمية - عن تحجيم دور الأسرة أمام هذه الظاهرة وما يصاحبها من التشديد على خطورة غيابها كما ينقل لنا وحيد تاجا (سوريا) عن ذلك: "تبدأ أسباب التشرد بالأسرة التي تقع على مسؤوليتها تقديم الرعاية اللازمة لأفردها، ونظرًا إلى التغيرات الكثيرة فقدت الأسرة العديد من وظائفها والمكانة التي تمنحها لأفرادها".

جاء هذا في نظام الأسرة الحديثة (النووية) بعد أن غاب إلى حد كبير ظل الأسرة التقليدية (الممتدة) التي ربما مارست دورًا في درء مخاطر هذه الظاهرة، كما طرح د. القرضاوي في رسالة الدكتوراة التي أعدها عن "الزكاة"، فكانت الثانية ضمن أربعة حلول كفلها الإسلام لمواجهة الفقر فجاء ت بعد الأصل "أن كل إنسان مطالب بأن يعمل ما دام قادرًا"، بينما تجلى أمر الأسرة الممتدة في كفالة الموسرين والأقارب، حيث قال تعالى: "وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله"، وهو الأمر الذي تثبته مشاهد الظاهرة، فأطفال الشوارع لا يكادون يظهرون في المجتمعات التقليدية والقرى، حيث تزول إلى حد كبير ملامح الفردية، وتلعب العائلة أو القبيلة دورًا كبيرًا في تقدير شؤون أفرادها.

التعلق بآخر خيوط نسيج الأسرة هو ما لفت نظري في لجوء قرية الأمل - كما جاء في تحقيق عبير صلاح الدين - القاهرة، من أن مسؤولي قرية الأمل "إذا ما أدركوا أن سبب وجود الطفل بالشارع هو فقر الأسرة فيحاولون مساعدة هذه الأسر بقروض صغيرة تساعدهم على بناء وإقامة مشروعات صغيرة جدًّا، بشرط أن يبقى الطفل في رعايتهم".

استدعاء بكافة اللغات

هذه الجمعية (أو قرية الأمل) ذكر مسؤولوها أن 73% من مواردها من تبرعات أهل الخير؛ لتؤكد على ضرورة استدعائنا لكل ما يحقق معاني الخير والتكافل في مواجهة هذه الظاهرة، وذلك بين أفراد أمة ذكرت صفحات تاريخها أنها بلغت من الرقي ما جعل من بين أبنائها من يوقف أموالاً لبناء صوامع الحب حتى يتغذى عليها الحمام الزاجل المسافر عبر سماوات الأقطار المختلفة، والتي كان على رأسها رجل كعمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه – علم أن الإبل في مصر تحمل فوق طاقتها، فكتب لواليها بأن يمنع أن يحمل عليها أكثر من 600 رطل.

وفي إطار هذا الاستدعاء علينا أن نبحث عن المشترك الإنساني النافع الجاد في تجارب الآخرين، مثلما ألقينا الضوء على تجربة "الإميزاد" تلك الجمعية التي تعمل في البرازيل، حيث تبلغ الظاهرة ذروتها بوجود نحو 45 مليون طفل شبه طليق (متشرد)، فتقر أسلوبًا جديدًا لصناعة السفر والترحال؛ لتجنيد متطوعين للمشاركة في المشروعات الخدمية على أن يندمج الأطفال الطلقاء (المشردون) في المشاريع الخاصة بهم.

كل هذا لتحقيق أحلام صغيرة كأحلام "زيد" التي ساقها لنا عطية الطيب (اليمن)، حينما سأله عما سيفعله لو كان لديه نقود؟ فأجاب: "سأدفع إيجار البيت المتأخر علينا 7 أشهر، سأشتري نيدو (حليب مجفف لأخي الصغير)، وأشتري "شبيل" (حذاء بلاستيك)، والباقي سأعطيه لأمي تأكل منه!".

متطلبات زيد البسيطة أدنى ما يتحقق به المستوى الإنساني كما ذكر ابن حزم في كتابه "المحلَّى" طعام وشراب ملائمان، كسوة للشتاء وأخرى للصيف، مسكن يليق (أي حقوق المأكل والملبس والمسكن).

فإذا لم تتحقق هذه الأحلام البسيطة وقع المحظور، وصرنا نتوقع الكثير من العنف وفقدان الأمان، نذكر هذا ونحن ندرك أن تحقيق هذا الأمر يعني خلق مناخ يزكِّيه، وأنه في مجتمع لم تَعُد وجوه المعارف والأقارب - بل وحتى الأهل - تتلاقى كثيرًا تصبح المهمة شبه مستحيلة، ولكن الأمر يستحق.

وإذا كانت الأنظمة قد شغلها الأمن السياسي دون التشديد على غيره، فعلى الأمم أن تنشغل بأمنها الاجتماعي الذي ستفتقده كثيرًا، فإن لم نفعل فعلينا ألا نصطنع الدهشة حينما نقرأ بين عشية وضحاها عن أبرياء يُقتلون على قارعة الطريق أيضًا - والدافع سرقة مبالغ مالية تافهة أو متعلقات رخيصة - على أيدي مجهولين، وقتها لا يحق لنا أن نتساءل كثيرًا عن متى وكيف تسرب هذا القدر من العنف والقسوة داخل جسد مجتمعنا؛ لأننا الآن قد عرفنا جانب من إجابة هذا السؤال.

اقرأ أيضًا:


أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع