|
الفدائي
الصغير
سمر
دويدار
|
وجهه..
وجه طفل فلسطيني مثل مئات
الأطفال الفلسطينيين الذين
نشاهدهم يوميًّا على شاشات
التليفزيون في نشرات الأخبار،
لكن هذا الوجه بهذه الملامح
البريئة والتي تتبدل إلى ملامح
قوة بمجرد البدء في الحديث عن
الوطن وهذه الأيدي الصغيرة
الرقيقة التي لا تعرف الخوف.. هي
حقيقة أراها أمامي الآن وليست
على شاشة التليفزيون أو في صورة
بجريدة، بل طفل حقيقي من قلب
الوطن الجريح،
ورؤية هذا الطفل الجميل
تملؤني قوة وغضبًا وأملاً...
وليد..يحكي
لنا
|
فهذا
الوجه وهذه الأيدي هي للطفل
الفلسطيني الجريح "وليد مشهور"
ذو الأحد عشر عامًا، والذي يرقد في
مستشفى بالقاهرة للعلاج هو وآخرون من
الجرحى الفلسطينيين.. عندما دخلت
غرفته داخل المستشفى كان قد انتهى
الأطباء حالاً من فك عدد كبير من
الغرز في بطنه مكان إصابته، وعلى
الرغم من صغر سنه وحداثة عهده
بالنضال، إلا أنه بدا لي شابًّا
قويًّا وسيمًا يحاول أن يخفف عني
الألم البادي على ملامحي، رغم
ابتسامة أحاول أن أخفي بها هذا الألم،
وأصرَّ "وليد" على الحديث وألا
أتركه ليستريح..
"يوم
إصابتي كان إضرابًا، فلم نذهب
للمدرسة في ذلك اليوم.. وكنت وشباب
آخرون نعلق أعلام فلسطين على الحدود
بينا وبين سيناء ، وكان الجنود
الإسرائيليون مختبئين، ثم ضربوا
علينا الرصاص دون أن نشعر، وأصبت أول
ما نزلت بعدما علَّقت العلم.. هذه هي
المرة الثانية التي أرمي فيها حجارة
وأحاول تعليق العلم، عندما أعود إلى
"رفح" سأرمي الحجارة مرة أخرى
وسأرفع العلم ولن أستسلم... أنا لا
أنتظر مساعدة من أحد لتحرير فلسطين..
بلادنا يجب أن نرجعها بكدِّنا وتعبنا..".
هذه
هي كلمات الطفل الفلسطيني الجريح "وليد
مشهور" التي عبَّر بها عن إحساسه،
وتلك هي روايته لما حدث له في الأراضي
الفلسطينية المحتلة في الأسبوع
الماضي، وقبل أن يتم نقله للقاهرة
للعلاج بها.
"وليد
مشهور" يبلغ من العمر 11 عامًا. طالب
متفوق في الصف السادس الابتدائي،
وكان الأول على مدرسته عام 1999م، وقد
أصيب إصابة بالغة في البطن برصاص
الاحتلال بعد أن نجح في رفع علم
فلسطين على الأسلاك الشائكة على
الحدود المصرية الفلسطينية في "رفح".
صغار
..ولكن تاريخ في النضال
وقد
كان مع "وليد" طفل آخر يحاول رفع
العلم ويرشق جنود الاحتلال بالحجارة
هو "إبراهيم أبو مور" 8.5 سنوات في
الصف الثالث الابتدائي. أصيب إبراهيم
أيضًا في ذلك اليوم إصابة بالغة تحت
عينه اليسرى، وبالرغم من صغر سنه إلا
أنها لم تكن المرة الأولى التي يخرج
فيها الطفل إبراهيم لمواجهة المحتل،
لقد شارك في عدة مسيرات ومظاهرات
سلمية وفي مواجهات المسجد الأقصى.
وبسؤاله عمّا حدث، جاء صوته خافتًا
متألمًا من جراحه، أما كلماته فكانت
على بساطتها مشرقة تبث القوة فيمن
يسمعها وتحثه على الفعل الجاد لتحرير
فلسطين "، كنت بزت (أضرب) على اليهود
حجارة، وكان هناك يهودي يقف بعيدًا
عني، وقنص عليّ بالقناصة، طخني (وأصابني)
تحت العين، كنت عند السلك في "رفح"
مع "وليد" وأصبنا سوا (معًا)،
وملحقتش (لم أستطع) أعلق العلم؛ لأني
كنت بزت (أضرب) عليهم الحجارة.. لما
أرجع راح أضربهم مرة ثانية بالحجارة
حتى يرحلوا عن بلادنا فلسطين".
في المستشفي: الزي المدرسي ..الورود..الهدايا
سرير
"وليد" وسرير "إبراهيم"
عليهما عدد كبير جدَّا من الدمى
والهدايا البسيطة الجميلة والورود
التي تملأ المكان بهجة، الزوار عددهم
لا نهائيَّ وهم لا ينقطعون صباح مساء.
عند باب المستشفى مواطن مصري عادي
طلبت منه ابنته ذات الستة عشرعامًا أن
تذهب؛ لتتبرع بالدم من أجل إخوانها في
فلسطين، وبسبب إقامتهم خارج القاهرة
فقد أخذ الأب إجازة من عمله ليستطيع
أن يصطحب ابنته لتتبرع بالدم.
أطفال
بالزي المدرسي من مراحل تعليمية
مختلفة من الابتدائي والإعدادي
والثانوي من مدارس خاصة ومدارس عامة،
يجمعهم الشعور بأن العدوان على أطفال
فلسطين هو عدوان عليهم، وأن هذا الظلم
لا بد من إيقافه ومواجهته.
دعوة
لم يتخلف عنها أحد
هبة هي طالبة بالصف الثاني
الإعدادي (14 عام)، أتت مع فصلها المكون
من 31 طالبًا وطالبة بعد أن اقترح
عليهم مدرس اللغة الإنجليزية زيارة
جرحى فلسطين، فقالت: إن أحدًا لم
يتخلَّف عن هذه الدعوة، وأنه بالأمس
قد جاء فصل من نفس المدرسة وهو الصف
الثالث الإعدادي وفي يد كل منهم زهرة؛
ليقدموها إلى هؤلاء الجرحى
ويدعون لهم بالسلامة، وأضافت زميلة
لها "أن الظلم لا بد له من نهاية".
هذه
البراعم بهذا الألم الذي تراه في
عيونهم وهذا الحماس والصدق في كلامهم
أعطاني أملاً في غد أفضل… شباب
وشابات من الجامعة أيضًا لا ينقطعون
عن الزيارة يتحدثون مع الجرحى
للتخفيف عنهم، وليشعروهم بأن قاربًا
واحدًا يجمعهم في تلك المحنة.. حتى
ربات البيوت رأيتهم هناك يتبرعن
بالدم ويرغبن في مشاركة الجرحى
آلامهم حتى لا يشعروا بأنهم وحدهم في
تلك المحنة "؛ وذلك لأن قضيتنا
واحدة".. الجميع يتبرعون بالدم
ويدخلون لمؤازة الجرحى..
بقيت
في المستشفى لمدة 3 ساعات لم تتوقف
الزيارات ولم يتوقف التبرع بالدم..
والأحاديث لا تنتهي عن العدو
الصهيوني الغاشم وعن السبيل للخلاص
من الاحتلال، وشباب يملؤه الوعي فليس
ممن رأيتهم هناك ممثلون لأحزاب أو ما
شابه، بل هم أبناء مصر الذين لا
يقبلون الظلم ولن يسكتوا عنه..
حالتهم
الصحية
وبسؤال
الدكتور "أحمد هاني" داخل معهد
ناصر بالقاهرة- وهو الطبيب المشرف على
علاج الجرحى الفلسطينيين - عن إصابة
وليد وإبراهيم، فأجاب بأن طاقمًا
طبيًّا مكون من 18 طبيبًا مصريًّا من
مختلف التخصصات كان قد سافر إلى غزة
في بداية أحداث العنف الأخيرة مع وزير
الصحة المصري الدكتور "إسماعيل
سلام"؛ وذلك لتقديم الإسعافات
الأولية وإجراء ما يمكن من عمليات أو
أي خدمات طبية ممكنة، وبالفعل فإن "إبراهيم"
و"وليد" قد تم فحصهم وإجراء
الإسعافات الأولية لهم داخل الأراضي
المحتلة.
وعند
وصول "وليد مشهور" مصر كانت
إصابته عبارة عن طلق ناري في البطن،
أدى إلى تهتك في جزء من الأمعاء
الدقيقة، وقد تم التدخل الجراحي
لإزالة الجزء المتهتك وإعادة توصيل
الأمعاء مرة أخرى، وإن الحالة مستقرة
ولكن لا بد من وجوده بالمستشفى
لمتابعة الحالة والتأكد من تمام
الشفاء.
أما
"إبراهيم أبو مور" فإصابته هي
طلق ناري في عظام الوجه أسفل العين من
الناحية اليسرى، وأكد أن حالته أيضًا
مستقرة، إلا أنه ما زال تحت المراقبة
بسبب تورُّم العين، وبعد استقرار
الحالة ستتم جراحة؛ لتعويض عظام
الوجه عن الجزء الذي تفتت بسبب الطلق
الناري، إلا أنه قد أكد لي أن إبراهيم
يستطيع أن يرى، إلا أن متابعته أمر
ضروري تحسبًا لأي تطورات قد تؤثر على
العين.
قبل
ذهابي للمستشفى لزيارة "وليد" و"إبراهيم"،
كنت قد بدأت الدخول في حالة من الكآبة
والشعور بالعجز ؛
ولكن أستطيع أن أقول: إن الأمل
باقٍ من خلال هؤلاء الشباب الذين
قابلتهم اليوم، و هم بالتأكيد ليسوا
الوحيدين في الوطن العربي الذين
يشعرون بما يشعر به هؤلاء الأطفال،
ولا بد من يوم يقفون فيه جميعًا
ليأخذوا بالثأر.
أيها
الواقفون على حافة المذبحة أَشْهروا
الأسلحة
سقط
الموت وانفرط القلب كالمسبحة
اقرأ
في نفس الباب:
|