|

|
|
التربس دواء مر لا يشفي من سقم
|
حان
وقت الجد ولم تَعُد هناك فرصة للتصريحات
الوردية التي كان يطلقها مسئولو وزارة الصحة
في الدول النامية للتأكيد على أن التربس
سيكون تأثيرها محدودًا على سوق الأدوية.. فمع
بدء تنفيذ الاتفاقية أوائل يناير 2005 عقب
انتهاء فترة السنوات العشر للسماح التي
أعطتها منظمة التجارة العالمية للدول
النامية لتوفيق أوضاعها طغت الأزمات على سطح
سوق الدواء؛ لتعلن عن عدو كاسر لا يهمه إلا
تحقيق مصالحه المادية وهو "التربس"،
اتفاقية الجوانب التجارية الخاصة بحقوق
الملكية الفكرية والمعروفة اختصارًا باسم
"التربس".. وهي اتفاقية ملحقة باتفاقية
التجارة العالمية "الجات".
ونرصد
هنا تجربة مصر -كدولة من دول العالم النامي- مع
هذه الأزمة التي بدأت بقضية رفعتها إحدى
شركات الدواء العالمية في مصر على شركة مصرية
تطالبها بوقف إنتاج أحد الأدوية الحيوية
وتعويض قدره 6 ملايين جنيه، ولم تكد السوق
المصرية تفيق من هذه الأزمة حتى ظهرت أزمة
أخرى وهي محاولة لوبي هيئة بحوث وتصنيع
الدواء الأمريكي "فارما" وقف تسجيل 500
دواء أنتجتها الشركة المصرية خلال فترة
السماح؛ فما هو تأثير تلك الأزمات على سوق
الدواء المصرية؟ ذلك ما سنحاول رصده في
السطور التالية.
المعلومات
سبب أزمة الكولسترول!
نبدأ
أولا بعرض تفاصيل هذه الأزمات؛ لأنها
ستساعدنا على فهم بنود الاتفاقية.. فعن تفاصيل
الأزمة الأولى التي تدور أحداثها بين شركتين
إحداهما مصرية والأخرى عالمية يحكي د.أحمد
برهان رئيس الشركة المصرية أن الخلاف يتعلق
بأحد الأدوية المخفضة لنسبة الكولسترول
بالدم، والتي نجحت الشركة المصرية في إنتاجها
بعد حصولنا على موافقة وزارة الصحة بناء على
معلومات وبيانات عن الدواء قدمناها للوزارة
في ملف التسجيل.
لكننا
فوجئنا بمكتب الشركة الأمريكية المنتجة لنفس
الدواء بمصر يتهمنا بأننا استخدمنا نفس
المعلومات الخاصة بدوائهم فيما يُعَدّ خرقًا
لمبدأ حماية المعلومات غير المفصح عنها ببنود
اتفاقية التربس، والذي ينص على أنه خلال فترة
السماح التي منحتها منظمة التجارة العالمية
للدول النامية تكون السلطات الصحية بكل دولة
ملزمة بإنشاء صندوق خاص تودع فيه المعلومات
الخاصة بأي دواء جديد تبغي أي شركة أجنبية في
تسويقه بمصر.
وتتمثل
هذه المعلومات في التجارب المعملية للدواء
وتركيبه وكل ما يدل على الجهد المبذول في سبيل
الوصول بالمنتج لوضعه الحالي، وتكون السلطات
الصحية ملتزمة بألا تفصح عن هذه المعلومات
لأي جهة، وألا تصرح للغير بتسويق منتج مماثل
إلا إذا قدم المعلومات غير المفصح عنها
الخاصة به.. وبناء عليه تقدمت الشركة الأجنبية
للقضاء تطالبنا بوقف إنتاج الدواء، والتعويض
بمبلغ 6 ملايين جنيه مصري عن الأضرار التي
لحقت بها.
ولكن
الحقيقة -والكلام للدكتور برهان- أننا لم نأخذ
معلومات الدواء من الشركة الأجنبية، بل
أخذناها من دول أخرى؛ حيث إن الدواء ليس
جديدًا، ومسجل في عشرين دولة، ومعلوماته
موجودة على الإنترنت أيضًا، وبالتالي يحق لنا
خلال فترة السماح التي أعطتها الاتفاقية أن
ننتج هذا الدواء.
ويؤكد
د.برهان أن الهدف الذي تسعى إليه هذه الشركة
من خلال القضية هو احتكار السوق بدوائها
مرتفع السعر؛ فبينما يصل سعر الدواء المصري
إلى 16 جنيهًا مصريًّا (2.75 دولارًا أمريكيًّا)
يرتفع نظيره الأجنبي إلى 40 جنيهًا (6.9 دولارات)؛
وهو ما يعتبر حرمانًا للفقراء من هذا الدواء.
حملة
الضغط من الشركات العالمية
ولم
تكد السوق المصرية تستقبل هذه الأزمة حتى
فوجئت بأزمة أخرى، تداعياتها أخطر كما يقول د.زكريا
جاد نقيب الصيادلة؛ لأنها لا تتعلق بدواء
واحد كما بالأزمة السابقة، ولكنها تشمل 500
دواء تم تسجيلها خلال فترة السماح، وتهدف
الشركات العالمية من خلال الضغط بلوبي هيئة
بحوث وتصنيع الدواء الأمريكية "فارما"
الممثل التجاري الأمريكي بمصر.. إلى وقف
تسجيلها استنادًا إلى نفس الحجة التي استندت
إليها الشركة العالمية في أزمة دواء
الكولسترول، وهو اختراق مبدأ سرية المعلومات
الخاصة بهذه الأدوية.
ويتزامن
ذلك مع حملات تنظمها بعض المنظمات الدولية
للتشكيك في سلامة بعض الأدوية التي نستخدمها
منذ عشرات السنين؛ وذلك للترويج للأدوية
الحديثة التي ستظهر في السوق، وتكون محمية
بموجب الاتفاقية. وللأسف يشارك بعض الأطباء
في هذه الحملات -سواء بقصد أو بدون قصد- بالحرص
على كتابة الاسم التجاري للدواء الخاص
بالشركات العالمية، رغم أنه له بدائل محلية
أرخص، وتحمل نفس المواد الفعالة.. ويؤدي ذلك
إلى التأثير على نفسية المرضى، وتتحول ثقة
المرضى عن الدواء المصري إلى نظيره الأجنبي.
ويظهر
ذلك جليًّا في دواء البنسلين المستورد وأدوية
الغدد الدرقية المستوردة التي لها بدائل
محلية كثيرة لا يقبل عليها الكثيرون.
الموت
للفقراء.. والدواء للأغنياء
 |
|
الفقراء .. شعوب الأدوية القديمة |
ولكن
ما هو تقييم الخبراء لهذه الأزمات؟ الدكتور
مجدي علبة -خبير صناعة الدواء وصاحب إحدى
شركات الدواء- يبدي قلقه من تطور هذه الأزمات
التي تثيرها الشركات العالمية بما يجعلها
تلجأ إلى وقف إنتاج المواد الخام التي
نستوردها لتصنيع الأدوية القديمة كأسلوب
احتكار لترويج الدواء الجديد.
أما
د.محمد رءوف حامد -الأستاذ بهيئة الرقابة
والبحوث الدوائية- فيفسر هذه الأزمات بأنها
مقدمة لما ستقدم عليه الدول المتقدمة خلال
الاتفاقية الإضافية للتربس والتي يجري
التفاوض عليها -حاليًّا- تحت مسمى التربس بلاس
trips Plus، والتي تسعى من خلالها الدول المتقدمة
إلى إسقاط كل الإيجابيات التي منحت للدول
النامية، ومنها إسقاط حق الدول لإصدار تراخيص
إجبارية لتصنيع بعض الأدوية التي تشملها
حماية الاتفاقية إذا وجدت الدولة أن هناك
ضرورة قصوى لذلك، كأن يكون هناك مثلا مرض يهدد
حياة المواطنين، ويكون هذا الدواء هو العلاج
الوحيد المتاح، أو انتشار وباء، وهو ما يجعل
من هذه الاتفاقية الإضافية أخطر بكثير من
الاتفاقية الأم.
شعوب
الأدوية القديمة
وإذا
كانت الأزمات السابقة تتعلق بأدوية قديمة تم
إنتاجها خلال فترة السماح؛ فإن التأثير
المباشر للاتفاقية الذي يتعلق بالأدوية
الجديدة سيضيف -كما يؤكد د. محمود عبد المقصود
أمين عام نقابة الصيادلة- بُعدًا آخر من
الخطورة؛ حيث ستكون هذه الأدوية محمية طبقًا
لبنود براءات الاختراع بالاتفاقية التي تعطي
الشركة المنتجة للعقار الحق في احتكار صناعته
وإنتاجه لمدة 20 سنة.
ويرى
د.عبد المقصود أن هذا البند بالتحديد له بالغ
التأثير على صناعة الأدوية في مصر والدول
العربية، خصوصًا في ظل قيام هذه الشركات بحجب
وتكديس مئات براءات الاختراع الخاصة بأدوية
ذات فاعلية زائدة؛ استعدادًا لطرحها في
الأسواق بأسعار خيالية مع بدء العمل
بالاتفاقية. ويؤكد أن هذا التأثير لن يظهر
حاليًّا، ولكنه سيظهر بعد نحو عامين عندما
تفرغ أكاديمية البحث العلمي من فحص طلبات
براءات الاختراع المقدمة إليها، وحينئذ لن
تتمكن الحكومة من حماية المواطنين ومحدودي
الدخل من أسعار الأدوية الجديدة؛ لتكون هناك
فجوة علاجية بين شعوب تعالج بأدوية قديمة وهي
الأدوية التي تم تسجيلها خلال فترة السماح،
وشعوب أخرى تعالج بأدوية حديثة تدخل فيها
الهندسة الوراثية وعلوم الجينات.
الرضا
بالأمر الواقع
وبعد
أن استعرضنا بعض تداعيات التربس على سوق
الدواء يثور تساؤل هام، وهو: ما مدى استعدادنا
لمواجهة هذه المخاطر؟ الإجابة على هذا
التساؤل لا أظنها سهلة؛ لأننا في الواقع لا
نملك أي إستراتيجية للمواجهة يمكن أن تلمسها
بيدك؛ فكل ما استطعنا عمله خلال سنوات السماح
العشر التي أعطتها لنا منظمة التجارة
العالمية هو تسجيل الأدوية القديمة التي
تهددنا الشركات الأجنبية بوقف تسجيلها،
ولكننا لم نفكر أبدًا في ابتكار أدوية جديدة
تكون خاصة بنا تساير آليات العلاج الحديثة.
ولن
يكون أمامنا إلا الرضا بالأمر الواقع الذي
ستفرضه الاتفاقية شئنا أم أبينا، والمحصلة في
النهاية هي حرمان المواطن العادي من أبسط
حقوقه وهو الحق في الدواء.
اقرأ
أيضًا:
|