|
 |
|
العقول الأفريقية تهجر مواطنها
|
أصبحت
ظاهرة اصطياد علماء أفارقة عن طريق الهجرة
إلى الدول الأوربية مسألة مؤرقة لوجدان
القارة السمراء والغيورين من أبنائها
والمسئولين على حد سواء، كما نالت تعاطفا
دوليا؛ فأكثر من 130 رئيسا لشركة عالمية عاملة
في مجال التكنولوجيا وعدد من وكالات هيئة
الأمم المتحدة تحمسوا لفكرة بحث هذه الظاهرة
ومناقشة أسبابها واقتراح الحلول لعلاجها،
وأسفرت المداولات والمناقشات عن إنشاء شبكة
رقمية متخصصة لعلماء أفارقة الشتات من
المبدعين المهاجرين.
دشنت
الشبكة الرقمية الخاصة
بعلماء أفارقة الشتات في شهر يوليو من عام
2002م كجزء من المبادرات الهادفة لإنعاش الواقع
العلمي والإبداعي في أفريقيا، عن طريق مراجعة
أسباب فقدان نسبة كبيرة من العقول والمهارات
من القارة الأفريقية. وكانت الإنترنت من بين
الأساليب التي لجأت إليها المبادرة للوصول
إلى قطاع عريض من هؤلاء الكفاءات لإعادة
ربطهم بوطنهم الأصلي.
عقول
أفريقيا.. تهاجر بالآلاف
ويذكر
تقرير اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة
لشؤون الهجرة والمنظمات الدولية لعام 2003م أن
حوالي 27 ألف عالم أفريقي هاجروا من مختلف
البلاد الأفريقية إلى الدول الصناعية ما بين
عامي 1960م و1975م، وأن العدد قد ارتفع في الفترة
من 1975م-1985م إلى 40 ألف، ومع مطلع التسعينيات
وصلت أعداد المهاجرين من أفريقيا إلى 20 ألف
شخص سنويا.
ويؤكد
تقرير آخر للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة
الصادر في يوليو 2003م أن ظاهرة هجرة الكوادر
والمهارات الأفريقية إلى الخارج أصبحت مسألة
مقلقة ولافتة للنظر؛ فأكثر من 60% من الأطباء
المدربين في دولة أفريقية كغانا تركوا البلاد
منذ مطلع الثمانينيات، متوجهين نحو البلاد
الأوربية والغربية؛ الشيء الذي يضع القارة
بأسرها أمام مخاطر كبيرة، وتحت وطأة معاناة
حقيقية.
وقد
أفاد التقرير أن من بين المخاطر المترتبة على
ذلك المعاناة الشديدة التي تواجهها الحكومات
والسلطات في الدول الأفريقية لسد الفراغات
التي تركتها الكفاءات الوطنية المهاجرة
للخارج، ولذا تنفق ما يقرب من 4 مليارات دولار
أمريكي سنويا لتوظيف حوالي 100 ألف خبير أجنبي
غير أفريقي.
محاولات
وقف النزيف
|

|
|
هل تجمع الشبكة الرقمية العقول الأفريقية المهاجرة؟ |
وبما
أن الوضع خطير جدا فقد رشحته تلك الخطورة
ليصبح هما مشتركا بين العلماء الأفارقة
المهاجرين أنفسهم والمسئولين في البلاد
الأفريقية، وظلوا يبحثون عن حلول جذرية
لمعالجة الوضع المتفاقم يوما بعد يوم. ومن بين
تلك الإستراتيجيات المتبعة لتقييد موجة هجرة
الكوادر سياسة زيادة سنوات التدريب لطلاب
الطب، وكذلك تكثيف الضرائب المقررة على
العلماء المهاجرين.
كما
عمدت حكومات الدول الأفريقية إلى تضييق
الخناق على الهجرة من خلال القنوات
الدبلوماسية والسياسية بتوقيع العديد من
الاتفاقيات الثنائية مع حكومات الدول
الصناعية الكبرى التي تمثل مناطق جذب لنسبة
كبيرة من العلماء الأفارقة. ونصت تلك
الاتفاقيات على "ضرورة إدراج خطاب التصريح
من الدولة للكادر المهاجر"، كما طالبت فيها
الدول الأفريقية بتخصيص مكافآت مجزية من قبل
الدول الصناعية لتشجيع الكوادر من العلماء
الأفارقة التي تلتزم بالعودة طواعية إلى
بلادها الأصلية.
وتضمنت
الاتفاقيات تعهد الدول الكبرى بالالتزام
بعدم إبقاء الكوادر والمهارات الأفريقية
للتوظيف عندها. إلا أن أكثر هذه
الإستراتيجيات فعالية والتي تحظى بشهرة
عالمية وتقدير من قبل الدول الصناعية الكبرى
من حيث الالتزام.. الإستراتيجية الخاصة
والمنظمة لعملية نقل المهارات من خلال "الشبكة
الدولية للعلماء المحترفين"،
والإستراتيجية المنظمة لفترة إخضاع المهارات
للتجربة والاختبار قبل إعادة أصحابها
لأوطانهم.
لماذا
يهجر الأفارقة أوطانهم؟
أسباب
كثيرة وعوامل متعددة تقف وراء هجرة العلماء
والكوادر للأوطان، إلا أن المتفق عليه أن تلك
الهجرة جاءت اضطرارا؛ لأسباب اقتصادية
وسياسية نجمت عن الأزمات التي تعرضت لها
القارة خلال العقود الماضية من القرن العشرين.
ففشل
السياسات الاقتصادية، وارتفاع نسبة البطالة،
وعدم احترام حقوق الإنسان، إضافة إلى
الصراعات المسلحة المنتشرة، وفقدان الخدمات
الأساسية في الحياة الاجتماعية كخدمات الصحة
والتعليم وغيرهما.. كل هذه يعد جزءًا من
الأسباب والعوامل.
وتعد
دولة جنوب أفريقيا نموذجا صارخا لظاهرة هجرة
الكوادر والعلماء رغم ما تتميز به من استقرار
سياسي ونمو اقتصادي كبير؛ فقد وصلت درجة
التضرر من الظاهرة حدا لا يمكن معه السكوت أو
الاحتمال؛ مما أثار مخاوف العلماء المهاجرين
أنفسهم، وأدى بهم إلى إطلاق مبادرة وطنية
خاصة تسمى "شبكة مهارات جنوب أفريقية" في
بلاد الغربThe South
African Net Work Of Skills، ومن خلال موقعها على شبكة
الإنترنت تبني مشروعا كبيرا بدعوة المهارات
الوطنية من علماء جنوب أفريقيين في جميع
التخصصات وجمع توقيعاتهم على تبني فكرة
العودة الطواعية إلى البلد.
ويشير
تقرير شبكة مهارات جنوب أفريقيا إلى أن أكثر
من 22 ألف عالم جنوب أفريقي من خريجي أكبر
وأشهر 5 جامعات وطنية عريقة يقيمون حاليا في
خارج البلاد، وهم مقطوعو الصلة تماما
بجامعاتهم الأصلية.
كما
يذكر التقرير أن أكثر من 60% من العلماء
والكوادر من ذوي الاحتراف والمهارة العالية
من خريجي الجامعات الوطنية يتمركزون في 6 دول
غربية هي: أستراليا، المملكة المتحدة، كندا،
ألمانيا، فرنسا، ثم الولايات المتحدة
الأمريكية التي تستحوذ على نصف هؤلاء العلماء.
كشاف
العلماء الأفارقة في الشتات
|

|
|
لماذا يهجر العلماء أفريقيا؟ |
كما
انطلقت دعوات كثيرة تطالب بوضع خريطة ملموسة
أو كشاف شامل للطاقات الأفريقية الموجودة في
بلاد الشتات، ورغم أن مشروعا كهذا يتطلب
ميزانية كبيرة من المال لإنجاز قاعدة أو
ببلوجرافية شاملة لعلماء وكوادر أفريقيا
المختلفة والمتعددة؛ فقد قطع العمل في هذا
المجال شوطا لا بأس به من قبل المنظمات
الدولية التابعة للأمم المتحدة، وقد أسفرت
المحاولات الجادة بالفعل عن بعض النتائج
وتحقيق الأهداف الجوهرية.
حيث
بدأ التنفيذ الجزئي لهذا المشروع من قبل "برنامج
إعادة دمج الكوادر الأفريقية للمنظمة
الدولية للهجرة IOM التابع
للأمم المتحدة المعروف بـ"Reintegration Of Qualified
African Nationals Program"، واستطاع هذا البرنامج
إعادة أكثر من 200 كادر أفريقي إلى 11 دولة
أفريقية بواسطة اعتماد أسلوب إعادة الدمج
والتشغيل، وذلك في الفترة ما بين عام 1983م-1999م،
غير أن بطء فاعلية هذا البرنامج جعل
المسئولين عنه يتبنون إستراتيجية جديدة
بالإضافة إلى الإستراتيجية الأولى (الإعادة
الكاملة للكوادر) بالتركيز على إعادة مؤقتة
للكوادر بدلا من الإعادة الدائمة؛ وذلك تلبية
لاحتياجات هؤلاء العلماء الذين يفضل
غالبيتهم البقاء في بلاد المهجر لفترات
مؤقتة، ويقوم البرنامج بالتنسيق بين هؤلاء
العلماء وإرسال بعثات للتخصصات التي تحتاجها
البلاد الأفريقية في مهام قصيرة أو طويلة
كخطوة ممهدة للتأقلم والتكيف مع فكرة العودة
الدائمة.
عوائق
العودة
إلا
أن التحديات لا تزال كبيرة في مواجه فكرة عودة
الكوادر والمهارات الأفريقية في بلاد
الشتات، ومن بين تلك العوائق:
-
هناك عدد من الكوادر والخبراء والعلماء
الأفارقة يرغبون في العودة إلى بلادهم
الأصلية للإقامة الدائمة مع جميع أفراد
عائلتهم، إلا أن حكوماتهم تعجز عن دفع رواتب
مناسبة أو مقاربة لما يتقاضونه في بلاد
المهجر، وتعجز عن توفير مصادر تقنية حديثة
لمتابعة ابتكاراتهم ومهاراتهم.
-
تقييد رغبات العودة للخبراء والكوادر من قبل
السلطات المعنية في بلاد المهجر؛ حيث قد يسمح
بعودة الخبير أو العالم بمفرده كشخص، وليس
بإمكانه أن يصطحب معه الشبكة المعرفية التي
ينتسب إليها (دائرة الاختصاص أو الاكتشاف
الخاص).
-
تعمد بعض التنظيمات الخاصة بالهجرة في الدول
الغربية إلى تقييد الراغبين في العودة من
الخبراء والكوادر؛ حيث تتطلب لوائح الهجرة في
بعض تلك البلدان بقاء المهاجر على أرضها
لفترات محددة، وعدم الالتزام بذلك قد يعرض
طالب الجنسية لمخاطر كفقد الجنسية أو التصريح
بالإقامة القانونية.
-
هناك تعامل سلبي من قبل بعض الدول الأفريقية
مع أبنائها المقيمين في بلاد المهجر؛ حيث لا
تعترف تلك الأنظمة بنظام ازدواجية الجنسية
الذي يتمتع به معظم المهارات والكوادر
الأفريقية في بلاد الغرب؛ الشيء الذي يعرضهم
لمشكلات كثيرة عند زيارتهم أو التفكير في
العودة لبلادهم الأم.
-
لا تزال النظرة العامة لمكانة ودرجة العلم
والعلماء والتخصصات العلمية متدنية في
الاهتمام الرسمي والشعبي في كثير من البلاد
الأفريقية، ويشير تقرير الأمم المتحدة
للتنمية لعام 2002م إلى أن مجموع استثمار دول
القارة الأفريقية بأكملها في مجال البحث
العلمي والتنمية لا يتجاوز 0.5% من مجموع
الاستثمار العالمي في هذا المجال، وأن الدول
الأفريقية لا يتجاوز إنفاقها على المنشورات
العلمية نسبة 0.8%، إضافة لافتقار العديد منها
إلى مؤسسات معنية بالتكنولوجيا والتقنيات
الحديثة.
ويبقى
التساؤل الرئيسي مثارا ومعلقا حول مدى نجاح
تلك المحاولات والمساعي الإقليمية والدولية،
والفرص المتاحة لتحقيق هذا الحلم القومي
الأفريقي، خاصة في ظل المواقف المتناقضة
للدول الصناعية الكبرى، وتزايد معدلات
الفجوة بين تلك الدول والعالم الثالث بما
فيها الدول الأفريقية في مجال العلم
والتكنولوجيا!!
اقرأ
أيضًا:
|