|

|
|
في العراق .. الحياة تسير رغم الحصار
|
شعب
اعتاد على تلبية معظم احتياجاته
بالاستيراد.. دارت به عجلة الحياة ما
يزيد على أحد عشر عاماً تحت حصار
اقتصادي قاس.. كيف استطاع العراق الذي
قارب عدد سكانه خمسة وعشرين مليون نسمة
أن يحافظ على بقائه!! يبدو أن العراقيين
قد اختاروا خياراً آخر، فبدلا من أن
يلعنوا ظلام الحصار أشعلوا شيئاً ما
شبيهاً بالشمعة!
في
الظلام أشعل.. "لالة"
لقد
أدى النقص الكبير الذي يعاني منه العراق
في توليد الطاقة الكهربية إلى عدم توفر
الكهرباء في معظم المدن لفترات طويلة في
اليوم الواحد، وهو أمر دفع المواطن
العراقي إلى تغيير الكثير مما اعتاد
عليه؛ ففي الليل تجد الكثير من البدائل
التي يمكن أن تبدد الظلام، حيث يلجأ
الكثير من العراقيين إلى ما يسمونه بالـ
(لالة)، وهي عبارة عن زجاجتين منفصلتين
تحوي السفلية منها النفط كوقود ويعلوها
الفتيلة المشتعلة التي تغطيها زجاجة
علوية لدفع الدخان الناتج من الاحتراق
إلى الخارج.
أما
الذين لا يستطيعون شراء هذه اللالة
فإنهم يلجئون إلى طريقة مبتكرة لإضاءة
منازلهم ليلاً؛ فهم يستعينون بتمرة
يقومون بتفريغها من النواة، ثم يمررون
من الثقب الطولي الناتج فتيلة من القماش
يوضع طرفها الطويل في زجاجة كزجاجات
المياه الغازية تكون مليئة بالنفط فيما
تثبت التمرة على قمة الزجاجة لتضيء طيلة
الليل رغم الدخان المتصاعد منها.
وفي
فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة التي
تصل إلى 50 درجة مئوية في الظل، فإن
البيوت العراقية تتحول إلى أفران عند
انقطاع الكهرباء خاصة تلك التي بنيت
باستخدام الإسمنت المسلح الذي يحتفظ
بالحرارة داخل المباني؛ لذا لا يكون
أمام سكان تلك البيوت سوى اللجوء إلى
"المهفة" ذلك البديل القديم الجديد
الذي كان يستعمله أجدادهم؛ ليبعدوا
عنهم شبح الحر الذي يكاد يخنق أنفاسهم
من شدته.
والمهفة
عبارة عن أداة يدوية مصنوعة من خوص
النخيل تعطي نسيما هوائياً عندما يتم
تحريكها يدوياً. وبات من الطبيعي أن تجد
الكثير من العراقيين يغط في نوم عميق
بينما يحرك بيده تلك الآلة التي باتت لا
تفارق البيت العراقي.
المساكن..
عودة إلى الجص
كان
العراقيون قد اعتادوا في سبعينيات
القرن الماضي وفي خضم الرخاء الاقتصادي
الذي أعقب تأميم النفط على بناء مساكنهم
بالإسمنت والطابوق (الطوب) والأسقف من
الإسمنت المسلح المتكون من مادة
الإسمنت مضافاً إليها الحديد والحصى..
لكن الأمور تغيرت بسبب الحصار لا سيما
أن كثيراً من معامل إنتاج الإسمنت قد
توقفت عن العمل بسبب عدم توفر قطع
الغيار اللازمة لتشغيلها، فما كان من
العراقيين إلا أن يلجئوا إلى البدائل.
فبدأوا
يستعملون مادة الجص التي كانت تستخدم في
بناء المساكن قبل ظهور الإسمنت، كما
استبدلوا الأسقف الإسمنتية بطريقة
عراقية قديمة مسماة بالعقادة، تتضمن
تسقيف المنزل بواسطة الطابوق الذي يرص
على شكل قوس بعد إضافة شيءٍ من الجص بين
طابوقة وأخرى.
والمعروف
علمياً أن البناء بالجص يقلل الحاجة إلى
أجهزة التبريد والتدفئة ذات القدرات
العالية لما يتمتع به الجص من مواصفات
جيدة من ناحية العزل الحراري على عكس
البناء بالإسمنت المسلح.
سيارات..
بدون ماركات
 |
|
سيارات فقدت ماركاتها |
وبسبب
ندرة وغلاء إطارات السيارات نتيجة
الحصار برزت مهن لم يكن لها وجود، ولا
أعتقد أن لها وجودا في أي بلد آخر.
فالعراقي الذي يصعب عليه تبديل إطار
سيارته المتهالكة أو الذي تآكل جزء منه
يلجأ إلى خياطته! ولكي يفعل ذلك ما عليه
سوى أخذه لـ"فني مختص" في خياطة
الإطارات الذي يقوم بوضع رقعة في المكان
المتآكل من داخل الإطار، ويقوم بخياطة
أطرافه ليعود الإطار إلى سابق عهده وكأن
شيئاً لم يكن.
أما
إذا تعرضت سيارة إلى حادث تصادم أدى إلى
تغيير الكثير من معالمها فإن ورش
السمكرة هنا تعمل الأعاجيب. فما أن تصل
السيارة حتى يتولى السمكري عملية الفحص
وتقدير الأضرار ليقرر استخدام الصفائح
المناسبة؛ فقطع الغيار يندر إن لم يستحل
الحصول عليها؛ لذا يشكل الصفيح بطريقة
معينة وحسب نوع السيارة لينتج ذات الجزء
الذي تعرض للاصطدام.
ولهذا
السبب ربما يكون الحصار قد أضر بالشركات
العالمية قبل أن يضر العراقيين لا سيما
أن العراقيين قد تعلموا الآن كيفية صنع
البدائل لمعظم أجزاء السيارات. بل إنه
لم يعد في العراق بعد الآن شيء في عالم
السيارات اسمه ماركة ألمانية أو
يابانية أو أمريكية أو غيرها؛ فكل قطع
الغيار من جميع الماركات تتلاءم مع
بعضها البعض بإجراء القليل من التحوير
الذي يوافق عليه صاحب السيارة برحابة
صدر، لا سيما أن ذلك يجنبه مستقبلاً
فواتير ضخمة.
"الحصار"..
أم الاختراع
ولم
يقف الحصار حائلاً أمام إبداعات
المهندس العراقي الذي رفع شعار "الحصار
أم الاختراع"، فتمكن من تصميم وتشغيل
برامج كمبيوتر متطورة باستخدام أجهزة
كمبيوتر تعود إلى فترة الثمانينيات،
وهو شيء يعد من قبيل المستحيلات. وقد
أشار مراسل لمجلة الثقافة الجديدة
اليمنية عام 1998 إلى تجمهر المتخصصين على
الجناح العراقي في أحد معارض البرمجيات
بلندن لمشاهدة البرامج العراقية
المبتكرة.
من
المؤكد أن إبداع العقل العراقي هو واحد
من أسباب إطالة أمد الحصار الذي يبدو
أنه لم يعد يفي بالغرض؛ لذلك تخطط
الولايات المتحدة لشن هجوم على العراق
لعلها توقف تطور العقل العراقي الذي لم
يثبط همته عمليات القصف المتكررة
والحصار المتواصل.
اقرأ
أيضًا:
**
صحفي متخصص في الشئون العلمية- بغداد
|