|
مسرح
للأشباح ليس بإمكان الجماهير مغادرته..
لأنهم سكانه.. يلعب الموت فيه كل ليلة
دور البطولة المطلقة.. هكذا أصبح الواقع
البيئي في العراق.. فالموت مذاب في مياه
الأنهار، مختلط بحبيبات التربة، ذائع
في ذرات الهواء.
المصابون نتيجة لتلوث
المياه في كافة أنحاء العراق في حالة
تزايد مستمر وفقاً لتقارير "المركز
الوثائقي لحقوق الإنسان في العراق"،
حيث إن حوالي 90 % من إجمالي سكان العراق
لا يحصلون على احتياجاتهم من الماء
الصالح للشرب، كما يؤدي تلوث الهواء في
المدن والقرى إلى انخفاض كفاءة الجهاز
المناعي لجسم الإنسان وانتشار مرض
السرطان بمعدلات غير مسبوقة. أضف إلى
ذلك أن تربة
العراق ملوثة للغاية باليورانيوم
المنضب الذي استخدمت قوات التحالف
حوالي 300 طن منه في حرب الخليج عام 1991.
شربة
ماء نقية.. أصبحت حلمًا
تشير
الإحصاءات التي أثبتتها "دائرة
الرقابة الوطنية العراقية"، و"وزارة
الصحة العراقية"، و"شبكة إعلام
العراق" إلى تناقص حصة الفرد من
المياه في العراق بشكل ملحوظ منذ عام 1991،
ففي مجال تأمين المياه الصالحة للشرب أو
الاستهلاك البشري كان عدد مشاريع
ومجمعات ترشيح المياه في العراق 1500
مشروع ومجمع مائي حتى عام 1990، وكانت
تغطي حوالي 90 % من حاجة السكان في
المناطق الحضرية والريفية، ووصلت
الطاقة الكلية للتصفية في تلك المشاريع
إلى حوالي 7 ملايين متر مكعب في اليوم
الواحد، وبلغت حصة الفرد الواحد من
المياه حوالي 416 لتراً يوميًّا، وهي
أعلى حصة للفرد الواحد مقارنة بنظيره في
أكثر الدول المتقدمة التي يبلغ المعدل
فيها 250 لتراً في اليوم. بعد قصف العراق
في عام 1991، وخلال سنوات الحصار
الاقتصادي توقفت مشاريع تصفية مياه
الشرب بنسبة 70% أو أكثر، وأصبحت الطاقة
الإنتاجية للمشاريع القائمة أقل من 1.5
مليون متر مكعب في اليوم.
كما
أثبتت دراسة علمية حديثة في مطلع عام 2002
أعدها الباحثون في جامعة بغداد أن
المستشفيات أصبحت من أهم مصادر تلوث
المياه في العراق. فمن مجموع 126 مستشفى
في العراق يضم 25 منها فقط وحدات معالجة
مياه خاصة، بينما يوجد 33 مستشفى مرتبطاً
بشبكة مجاري، لكن الشبكة نفسها غير
منتهية بوحدة معالجة المياه، أما الـ 68
مستشفى الأخرى فلا يتوافر فيها أي شكل
من أشكال المياه، وتصرف 31 منها مياهها
إلى نهر دجلة، و25 تصرف مياهها إلى نهر
الفرات، و8 تصرف إلى نهر ديالي، و4
أخريات تصرف إلى شط العرب!
وتؤكد تقارير
وزارة الصحة العراقية أن هناك ما يتراوح
من 250 إلى 300 طن من المواد الصلبة غير
المعالجة تصرف في الأنهار العراقية
بصورة يومية! حتى صارت
مياه النهر تميل إلى الخضرة والزرقة
الداكنة من التلوث، هذا بخلاف المصانع
التي تقوم بصرف المخلفات الصناعية
الناتجة عنها في مياه النهر، وهو ما
يزيده تلوثاً على تلوث!
وحول
نوعية مياه الشرب المجهزة للمواطنين في
عموم محافظات العراق، يشير تقرير مهم
لوزارة
الصحة العراقية
إلى وجود حالات فادحة من التلوث في
المياه، ويلخص الأسباب الأساسية لحدوث
هذا التلوث فيما يلي:
أولاً:
قِدم شبكات نقل مياه الشرب ووجود أعطاب
في العديد من المناطق، وهو ما يؤدي إلى
انتقال الملوثات إليها، وحدوث التلوث
البكتيريولوجي، وتحدث تلك الأعطاب
نتيجة لتخلخل الضغط داخل الأنابيب التي
ينقطع عنها الماء وذلك في الحالات
التالية:
1
- انقطاع التيار الكهربائي عن محطات
ومجمعات مياه الشرب وعدم إمكانية
تجهيزها بالكهرباء طيلة اليوم.
2
- استخدام نظام المراشنة (التناوب)، أي
توفير المياه لإحدى المناطق في يوم
والتحول إلى منطقة أخرى بديلة في اليوم
التالي وهكذا. ويتم استخدام هذه الطريقة
لتغطية الندرة في المياه الصالحة للشرب
للمناطق المخدومة.
ثانياً:
عدم كفاءة عملية التعقيم بإضافة
الكلور، وذلك إما لعدم توفر مادة
الكلور؛ حيث إنه من المواد المحظور
استيرادها (لأنها ذات استعمال مزدوج) أو
لحدوث أعطال في أجهزة ضخ الكلورين نتيجة
عدم توفر قطع الغيار اللازمة لتصليحها.
ثالثاً:
بسبب ظروف الحصار على العراق، فقد توقف
تنفيذ العديد من المشروعات لتنقية
المياه ومعالجتها، كما أن خطط تجهيز
مياه الشرب للمواطنين بواسطة شبكات
الأنابيب في أنحاء العراق قد أوقف
تنفيذها بسبب عدم توفر الموارد
والأجهزة والأنابيب والمواد الأخرى
اللازمة للتنفيذ.
العراق..
دولة شبه صحراوية!
ويوضح
"المركز الوثائقي لحقوق الإنسان في
العراق" أن العراق قد أصبح من الدول
شبه الصحراوية، وأن مساحة الصحراء صارت
تشكل حوالي نصف إجمالي مساحة العراق على
الرغم من وجود نهري دجلة والفرات. وقد
بينت الدراسات التي أعدتها "وزارة
الصحة العراقية" أن القصف الجوي في
مختلف أنحاء العراق قد أدى إلى تخريب
الطبقة السطحية لقوام التربة والتي
كانت متماسكة أصلاً قبل القصف، وهو ما
أدى إلى زيادة التعرية وتكوين الكثبان
المتحركة وبالتالي الإسراع في عملية
التصحر، إضافة إلى تعرض الغطاء النباتي
في البيئة الصحراوية إلى التدمير الذي
تكون خلال مئات السنين.
ويعترف
وزير الزراعة العراقي أن العراق قد خسر
ما يصل إلى 70 % من محاصيله الحقلية خلال
السنة الماضية بسبب الجفاف والتصحر،
وأسهم في ذلك ما عانته الأنهار من
انخفاض في معدلات المياه؛ إذ انخفض
الماء فيها بمعدل 45 %، وتعرضت بعض
الأنهار إلى ما يقرب الجفاف مثل نهري
الخالص وديالي اللذين تعتمد عليهما
الكثير من المناطق الزراعية.
ويخشى
مسئولو وزارتي الزراعة والصحة في
العراق من مشروع السدود التركي الذي
يتضمن إنشاء 21 سدًّا على نهر الفرات
ستفقد بسببها سوريا نسبة 40 % من حصتها
المائية، في حين تكون خسارة العراق
مدعاة لمزيد من الأسى، لأنه سيخسر 90 % من
حصته المائية وهو رقم يدعو للفزع، يضاف
إليه فزع مماثل من 3 سدود تركية على نهر
دجلة.
وستؤدي تلك المشاريع مجتمعة إلى
انخفاض حصة الفرد من 3068 مترا مكعبًا
سنويًّا من الماء إلى 1025 مترًا مكعبا.
هذا
وتقول الإحصاءات إن منسوب المياه في نهر
دجلة حاليًّا يعتبر الأدنى منذ أكثر من
75 عاماً كاملة! وقد طالب باحثون في مجال
البيئة وضع خطة بالتعاون مع منظمة
الأغذية والزراعة العالمية (فاو)
وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لإنقاذ
المناطق الأخرى المرشحة للتصحر في
العراق، والعمل على إخراج مناطق أخرى من
حيز التصحر إلى حيز التنمية البيئية،
ورعاية برنامج وطني دائم للتشجير،
وبناء حزام أخضر حول مدن العراق، وذلك
في ضوء أن العراق قد أصبح بالفعل من
الدول شبه الصحراوية!
اليورانيوم..
لوث تربة العراق
وحول
تلوث التربة والمياه والمزروعات في
العراق باليورانيوم في أوائل
التسعينيات من القرن الماضي، يؤكد
تقرير لـ "دائرة
الرقابة الوطنية العراقية"
أن أمريكا وبريطانيا وقوات التحالف قد
استخدمت خلال "العدوان الثلاثيني"
عام 1991 على العراق (حرب الخليج) القذائف
الحاوية على اليورانيوم المنضب،
وأطلقت طائراتها ودباباتها أعداداً
كبيرة جدًّا من تلك القذائف ضد الأهداف
العسكرية والمدنية، وقدرت كمية
اليورانيوم المنضب المستخدمة في ساحة
العمليات فقط بـحوالي 300 طن أو350 طنًّا
حسب ما هو معلن في المصادر الأمريكية
والبريطانية.
وقد
ترك استخدام تلك القذائف المحرمة
دوليًّا آثاراً سلبية على البيئة
والإنسان في العراق، وهو ما أدى إلى
وفاة عدد كبير من المواطنين العراقيين،
وازدياد حالات التشوهات الخلقية في
المواليد الجدد، وكثرة حالات الإجهاض،
فضلاً عن تلوث البيئة العراقية، وخاصة
المنطقة الجنوبية، وكما يساهم
اليورانيوم في تلويث الهواء والماء،
فإنه يساهم في تلويث التربة، ومن ثم
المحصولات الزراعية والنباتات
والأغذية عموماً، وثمة تأكيدات على
تلوث التربة العراقية باليورانيوم بنسب
عالية.
ويعني
"تلوث التربة" -كما يقول
الباحث الدكتور حسن أحمد شحاتة في كتابه
"تلوث البيئة"-: "الفساد الذي
يصيب الأراضي الزراعية فيغير من صفاتها
وخواصها الطبيعية أو الكيميائية أو
الحيوية، أو يغير من تركيبها بشكل
يجعلها تؤثر سلباً بصورة مباشرة أو غير
مباشرة على من يعيش فوق سطحها من إنسان
وحيوان ونبات"، ويوضح
تقرير لشبكة إعلام العراق أنه لا بد من
إزالة الطبقات العليا لهذه الأراضي
الملوثة لتطهيرها من التلوث، وهذا
يتطلب تمويلاً ضخماً.
تلوث
الهواء.. منحدر الموت
وفي
مجال تلوث الهواء حدثت حالات تلوث لم
تكن موجودة سابقًا؛ إذ كانت السحب
السوداء والدخان والأبخرة الكثيفة –إبان
القصف- تغطي سماء العراق؛ وهو ما أدى إلى
صعوبة في التنفس، وخصوصاً لدى المرضى
المصابين بالحساسية والربو.
وقد
أكدت مختلف الدراسات التي قام بها خبراء
مختصون أن غالبية الإصابات بسرطان
الجلد والتي شخصت بعد حرب الخليج كانت
متأتية من تلوث الهواء خلال القصف وبعده.
وتقول
وزارة الصحة العراقية بأن حالات
الإصابة بالسرطان قد زادت من 6555 حالة في
عام 1989 إلى 10931 حالة عام 1997، وخاصة في
المناطق التي قصفتها قوة التحالف
بقيادة الولايات المتحدة خلال الحرب.
كما
أثرت الأمطار الحامضية والغازات
المتصاعدة من قصف المنشآت النفطية بشكل
مباشر على إنتاجية المساحات المزروعة
بالمحاصيل المختلفة بصورة عامة، إلى
جانب زيادة قطع الأشجار في مختلف أنحاء
العراق لاستخدامها كوقود للتدفئة
والطبخ نتيجة لتوقف الإمدادات من النفط
والغاز بسبب ضرب المنشآت النفطية.
نفوق
الأسماك والنخيل
وحول
تأثر الكائنات الحية في العراق، تفيد تقارير
مركز حقوق الإنسان العراقي بأن ظاهرة
نفوق كميات كبيرة من الأسماك تعد مشكلة
كبيرة، وترجع هذه الظاهرة إلى تلوث
المياه بالمواد السامة. وقد بلغت نسبة
الفاقد من الأسماك 100% في بعض المزارع
السمكية! وذلك نتيجة لاستخدام الأسلحة
المحظورة ضد العراق إبان حرب الخليج
وعلى رأسها اليورانيوم المنضب والمواد
السامة.
وتوضح
تقارير "شبكة إعلام العراق" أن
تكرار قصف العراق، واستمرار فرض الحصار
عليه أديا إلى حدوث حالات من الأمراض
تمس الثروة الحيوانية والنباتية لم تكن
قد سجلت من قبل أو كانت نادرة الحدوث،
فمثلاً بلغت نسبة التشوهات الجنينية في
الأغنام والأبقار في نهاية عام 1993 حوالي
10 %، وانتشر مرض
الحمى القلاعية بين قطعان الماشية
والأبقار بصورة ملحوظة. كما أدى الإضرار
بالبيئة الطبيعية إلى انخفاض أعداد
الطيور المهاجرة، وهلاك الكثير من
الأحياء من طيور كاللقالق وحيوانات
كالغزلان والجمال، كما ازدادت أعداد
الآفات الزراعية وطفيليات الحيوانات
كالقراد مثلا، وازدادت كثافة القوارض.
أما
بالنسبة لثروة العراق من النخيل، فقد
خسر العراق أكثر من 4 ملايين نخلة في
البصرة من أصل 6 ملايين ونصف المليون
خلال حرب الخليج، فيما جاءت الآفات
الزراعية الجديدة لتقلص الإنتاج إلى
أدنى مستوى. وكان العراق بلد النخيل
الأول؛ إذ كان يحتضن 32 مليون نخلة تمتد
على مساحات واسعة من أرضه، وكان يصدر 100
ألف طن من التمور مختلفة الأنواع إلى
الخارج!
اقرأ
أيضًا:
*
صحفي مصري
|