|
"أم
الأنهار" أو "نهر ميكونغ".. حلقة
جديدة في مسلسل حرب المياه.. ابتلعه
التنين الصيني.. وترك الشركاء الآخرين
يصرخون في الفراغ! ليس بمشهور عالميًّا
كالنيل والفرات ودجلة والمسيسبي.. إلا
أن الأنظار بدأت تلتفت إليه بسبب
الخلافات التي دبَّت بين الدول المطلة
عليه لتقاسم مياهه وثروته.. حتى أصبح
يطلق عليه "نهر الخلافات"، حيث
يتهدد النهر خطط ومقترحات لتشييد أكثر
من 100 سد على طوله من قبل جهات محلية
وإقليمية ودولية عديدة تترأسها الصين.
وتكمن
خطورة الخلافات في 63 مليونًا من
الآسيويين يقطنون منطقة حوض نهر ميكونغ
التي تتشعب فيها جداول النهر الفرعية،
ويعتمدون على خيراته المهددة بالنضوب.
نهر
الميكونغ هو ثاني أنهار العالم بعد
الأمازون من حيث كثرة وتنوع ثروته
السمكية، والحادي عشر بين أنهار العالم
من حيث الطول؛ حيث يمتد على طول 4800 كم
منطلقًا من إقليم كينغاي في أقصى الغرب
الصيني، ثم يمر بإقليمي التبت ويونان
الصينيين قبل أن يدخل الأراضي
الميانمارية (بورما سابقًا)، ثم يخترق
لاوس ليشكِّل حاجزًا طبيعيًّا على معظم
الحدود بينها وبين تايلاند، مخترقًا
بعدها الأراضي الكمبودية قبل أن يتجه
نحو فيتنام ليصب بعدها مياهه في بحر
الصين الجنوبي. وهو بذلك يُعَدّ أطول
أنهار جنوب شرق آسيا.
وتبلغ
مساحة حوض النهر في 4 دول 606 آلاف كم
مربع، وإذا أخذنا في الاعتبار إقليمي
يونان (تقطنه أقلية مسلمة) وميانمار،
فإن مساحته ستكون 795 ألف كم مربع، ويغطي
الحوض 86% من المساحة الكلية لكمبوديا، و97%
من مساحة لاوس، و36% من مساحة تايلاند، و20%
من مساحة فيتنام، ويعتمد 80% من قاطني
منطقة الحوض على زراعة الحبوب
والخضراوات.
التنين
يهيمن.. وسكان النهر يصرخون
 |
|
أم
الأنهار .. ابتلعه التنين الصيني |
|
وتتمحور
أبرز نقاط الخلاف بين الدول حول كون
القرارات البيئية الخاصة بالنهر يتم
اتخاذها في بكين.. رغم رفض الصين
الانضمام لهيئة نهر ميكونغ التي تضم
الدول المشتركة في مياهه وهي تايلاند
وكمبوديا ولاوس وفيتنام، التي أعيد
تأسيسها عام 1995م. كما لا توجد أي منظمة
حكومية أو بيئية تلقي الضوء بجدية على
السدود التي يتم بناؤها على روافد النهر
العليا في الصين.
ففي
الوقت الذي يعتبر فيه سكان الحوض هذا
النهر روح الحياة في منطقة دول الهند
الشرقية أو شمال منطقة جنوب شرق آسيا،
إضافة إلى كونه وسيلة مواصلات للصيادين
والمزارعين حوله؛ فإن التعديات الصينية
جعلت الثروة السمكية في النهر مهددة
بخطر دامغ.
فقد
كان الصياد قبل 10 سنوات يفرش رداءه
التقليدي المسمى بـ"كراماس" في
الماء، ويرفعه بعد قليل حاملا فيه كَمية
كبيرة من الأسماك! لكن ما يحصل عليه سكان
عدد ضخم من البيوت الخشبية والخيزرانية
الموجودة على الضفاف الآن لا يكفي في
غالب الأيام إلا لإطعام أسرهم دون أن
يبيعوا شيئًا منه، خصوصًا مع دخول تجار
يمتلكون قوارب أكبر، ويستخدمون
الكهرباء والمواد المتفجرة والمسممة في
قتل الأسماك كطريقة سريعة لصيد كَميات
كبيرة وإغراق السوق بها.
وحسب
تعبير سكان حوض ميكونغ، فإن "قوة
نهرميكونغ تواجه تحديات خطيرة.. وربما
تكون قد شُلت جزئيًّا بعد أن كانت مياهه
شاهدة على ظهور حضارات واندثارها، وعلى
حوادث أفراح وأحزان بما فيها دماء مئات
الألوف التي أُريقت على ضفافه أو في
مياهه".
وبعد
أن كان النهر "حرًّا" لا يتأثر إلا
بالعوامل الطبيعية من مواسم الجفاف
والفيضانات، وتنعم على جانبيه الغابات
والمزارع الخضراء، ولا تعرف مياهه
حدودًا.. صار اليوم ضحية مشاريع سُميت
بالتنموية، تتداول في أفخم مكاتب
واشنطن وبكين بعيدا عما يهدد سكان حوض
النهر من فقر وجوع.
الصين:
أنا ومن بعدي الطوفان!
 |
|
النهر
لسكانه حياة .. من يحاول قتله؟! |
المسئولون الصينيون يسيرون في خططهم
بسرعة فائقة لبناء 8 سدود كبيرة،
بالإضافة إلى 9 سدود أصغر على روافده
لتوليد الكهرباء، أنهَوا بالفعل اثنين
منها، وبدءوا في الثالث في يناير 2002 في
منطقة أعلى النهر تسمى "ميكونغ
لانتشونغ"، وبمجموعها ستتسبب في بالغ
الأثر السلبي على حياة عشرات الملايين
من سكان جيران الصين الجنوبيين.
لكن
حكومة الصين (تعداد سكانها 1.3 مليار نسمة)
تنظر للسدود على أنها ستولد الطاقة
اللازمة لخطط تحديث وتنمية الجزء
الغربي الجنوبي والريفي الفقير في
الغالب من أراضيها، كما ستشق قناة
للتنقل تساعد على الحركة البشرية
وتجارة البضائع؛ فتكون سببًا جديدًا
لإحياء السياحة في المنطقة.
وعلى
الرغم من أن الباحثين الصينيين يقرون
بأن هذه السدود في الروافد الشمالية
ستؤثر على الجريان الطبيعي لمياه النهر
بين الجفاف والفيضان لفروع النهر
السفلية المنبسطة جنوبًا.. فإن آخرين
يزيدون في حدة تحذيرهم من أن هذه السدود
ستتسبب في نهاية المطاف في كوارث مدمرة،
خصوصا في كمبوديا وفي دلتا النهر في
فيتنام، خصوصا إذا فتحت الصين منافذ
السدود لتتدفق المياه أكثر من حدها
الطبيعي في موسم الفيضان، والعكس في
موسم الجفاف، كما يقول د.توتش سينانغ
تانا وهو عالم بيئي يعمل في مركز أبحاث
تابع لمجلس الوزراء الكمبودي.
وحين
تكون الصين صاحبة السدود المتحكمة فإن
هذا يرشحها لاستخدام مياه النهر كورقة
ضغط في المستقبل في أي تأزم إقليمي.
حرب
المياه.. تشتعل بين الشركاء
إذا كان الاضطراب في النظام الطبيعي
لتدفق مياه النهر بسبب سدود الصين
المتزايدة سيؤثر على قطاع الصيد
والزراعة في الفروع السفلية للنهر، حيث
كشفت مصادر إعلامية تايلاندية مطَّلعة
عن وثيقة داخلية التداول في هيئة نهر
ميكونغ، تؤكد أن 21 من روافد المياه
الضحلة للنهر قد أُزيلت من قِبل الحكومة
الصينية، وتم ذلك أحيانًا بنسفها
بالمواد المتفجرة؛ وهو ما سيكون له آثار
بيئية جمة.. فالآثار السلبية لمشاريع
التنمية والسدود أبعد من مجرد قضية
التأثير على التدفق الطبيعي للنهر،
ولكن حياة الكائنات داخل المياه
والزراعة والنباتات حولها بدأت تتأثر
بشكل واضح في العقد الماضي.
ويؤكد
بعض المراقبين أن حربًا باردة قد اشتعلت
بين مسئولي الهيئة من الدول الأربع: من
يصر على بناء سدود توليد الطاقة في
مقابل من لديه شعور بضرورة الاهتمام
بالبعدين الاجتماعي والبيئي.. فمثلا 70%
من الشعب الكمبودي يعيش على خيرات النهر
وبحيرته أو ترتبط حياته بشكل أو بآخر
بالأعمال التي حوله، وهؤلاء الذين يبلغ
عددهم 8 ملايين نسمة هم في الغالب ممن
يعيشون على أقل من دولار يوميًّا. وفي
مقابل هذا تلوح الحكومة بمشاريع توليد
الطاقة المائية التي تُعد بديلة وأقل
كلفة وتلويثًا، لكنها في الوقت نفسه لا
تبدو آخذة بعين الاعتبار أن إنارة
الأرياف الكمبودية لن تتحقق، ولن تكون
مجدية؛ لأن ذلك يرتبط بوجود مشاريع
صناعية وتنموية حديثة تستوعب من يتضرر
من الصيادين والفلاحين من جراء بناء هذه
السدود، وهم بأعداد كبيرة، وليس في
المستقبل المنظور إمكانات حدوث تنمية
صناعية حقيقية في كمبوديا يمكن أن
يحلموا بها!
الماء
والغذاء.. أم الكهرباء؟!
ليس
هناك من خلاف على توقع أن عدد سكان الحوض
السفلي للنهر سيبلغون 100 مليون عام 2025،
حسب نسبة النمو السكاني الحالي؛ وهو ما
يعني تزايد الطلب على المياه الصالحة
للشرب والغذاء، ثم الاحتياجات الحديثة
بما فيها الطاقة، وهذا ما يدفع العديد
من الدول المانحة إلى الاهتمام
بالمنطقة بشكل واضح بما فيها أستراليا
وسويسرا والسويد واليابان وأمريكا.
لكن
الورطة التي تواجه الكمبوديين تكمن في
حماية سلة غذائهم (وهي بحيرة "تونل
ساب" كبرى بحيرات شرق آسيا النهرية)
من العوامل البشرية في الوقت الذي هم
فيه بحاجة إلى توليد الطاقة والتنمية
الاقتصادية والتصنيع. أما لاوس فالنهر
يعد العمود الفقري للملاحة بها،
ومصدرًا لتوريد ربع إيراداتها من
العملة الصعبة للبلاد ببيع الطاقة
المولدة مائيًّا إلى تايلاند.
وهكذا
يزداد الخلاف يوميًّا داخل أروقة هيئة
نهر ميكونغ في الوقت الذي لا تتوقف فيه
الصين عن شق مجرى رئيسي للنهر يسهل
الملاحة النهرية للقوارب الكبيرة من
إقليم يونان حتى فينتيان عاصمة لاوس،
دون الاستجابة لمطالب أو اقتراحات هيئة
النهر التي تهدد بأن شق نهر بأيدٍ بشرية
يعني تدمير الكثير، وتعجيل تأثير عوامل
التعرية على النهر والمنطقة المحيطة،
وإحداث هزة في التوزيع السكاني.
والسؤال
المطروح: هل كل مشاريع التنمية
المستحدثه هذه ستفيد سكان حوض ميكونغ
البسطاء؟!
اقرأ
أيضًا:
طالع:
*
مراسل "إسلام أون لاين.نت"
بكوالالمبور – ماليزيا
|