 |
|
جندي إسرائيلي يتفحص نفقا اكتشفه |
كلما
هدموا لهم نفقا حفروا غيره وربما في
نفس المكان.. فلا يمر يوم إلا وتعلن
فيه قوات الاحتلال عن اكتشاف وتدمير
نفق أو اثنين.. فحرب الأنفاق تشتد
وطأتها يوما بعد يوم على طول الشريط
الحدودي بين رفح الفلسطينية
والمصرية، وقد اكتشفت في خلال
الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط اثنا
عشر نفقا، وسبقتها السلطة
الفلسطينية قبل الانتفاضة باكتشاف
وتدمير ما يزيد عن الـ 25 نفقا.
"أنبوب
الأكسجين للنشاطات المعادية"
هكذا وصفت القيادات العسكرية لجيش
الاحتلال ظاهرة الأنفاق، وحاولت "إسلام
أون لاين.نت" قطع الحواجز والوصول
إلى جنوب القطاع أو "قلعة الجنوب"
كما يطلق الفلسطينيون هنا على رفح
لمعرفة المزيد عن تلك "الأنابيب"..
وصلنا إلى السلك الفاصل، وعلى بعد
خطوات من أرض الكنانة، كنا على مقربة
من هذه الأنفاق... وعرفنا الحكاية..!!
على
الشريط الحدودي
في
أحد المنازل المتناثرة على الجانب
الفلسطيني من الحدود المصرية
الفلسطينية في رفح كان اللقاء مع "هاني"
الذي وصلنا له بصعوبة بالغة، وبدأ
اللقاء برفضه الإفصاح عن اسمه
الحقيقي ليحدثنا عن تجاربه مع
الأنفاق التي بدا أنه ضالع وخبير بها
إلى أبعد الحدود أو إلى "الجانب
الآخر من الحدود".
"بعد
تحديد المكان والأرض المناسبين
للنفق نبدأ عملية فحص للتربة
والمنطقة بمساعدة مهندسين لهم خبرة
في هذا المجال.. "حيث يشير هاني إلى
أنه يشترط أن تكون نوعية التربة غير
رملية ومتماسكة نوعا ما، إضافة إلى
بعد المكان المحدد عن الحدود بمسافة
معقولة. ويضيف: "كلما ابتعدنا عن
الشريط قلت فرص اكتشاف النفق، أو أن
يتعرض للانهيار بفعل الدبابات التي
تسير على الحدود".
ويتابع
هاني قصته مع الأنفاق وطريقة حفرها
والمقاسات المناسبة لعملية الحفر:
"نبدأ بحفر بئر قطرها 1م بعمق 12-14
مترًا ونضع لها دعامات على جوانبها
حتى لا تنهار بفعل عوامل خارجية.
ورغم
أنه من المعلوم أن الأنفاق كانت لا
تصل قديما إلى هذا العمق بحيث كانت
لا تتجاوز مترين أو ثلاثة على
الأكثر، فإن هاني أشار إلى أن هذا
العمق هو حيلة فلسطينية لتتغلب على
الآليات الإسرائيلية المتخصصة في
البحث عن الأنفاق.
وقال:
"عندما نحفر بهذا العمق لا يمكن
للباجر الاسرائيلي الذي يصل لعمق 8م
أن يكتشف وجود النفق". والباجر آلة
متخصصة بالبحث عن الأنفاق بواسطة
وخز الأرض بحديدة لولبية الشكل تصل
لعمق 8 أمتار على الأكثر.
الحفر
الأفقي.. هو الأصعب!!
 |
|
كيف تبني نفقا على الحدود |
عند
الانتهاء من عملية حفر البئر التي هي
بداية النفق يبدأ الحفر بشكل أفقي في
النفق، وهذه هي المرحلة الأصعب
والأكثر دقة.
"بعد
الانتهاء من حفر البئر نضع سلما
وننزل لنبدأ الحفر بشكل أفقي بقطر 90سم
× 90سم تقريبا.. "هذا ما يقوله هاني
عند بداية الحفر"، مشيرا إلى أن
هذا القطر ليس هو المعتاد دائما فقد
يصغر الحجم ليصل إلى 40×40سم في معظم
الأنفاق.
وبعد
ذلك يستمر العمال أو "المجاهدون"
كما سماهم هاني بعملية الحفر، ويضيف:
"أثناء ذلك نقوم بتدعيم كل ثلاثة
أمتار يتم حفرها بالألواح الخشبية
على الجوانب الأربعة حتى نضمن عدم
الانهيار بحال من الأحوال"، مشيرا
إلى أن ما يستخدم في عملية الحفر قد
يكون أدوات بسيطة مما تيسر لديهم مثل
الجاروف والجردل، وقد يستخدم آلات
أحدث مثل "الكونغو" أو
الكمبريسور، وذلك لاجتياز العقبات
القاسية في طريق الحفر مثل الصخور أو
ما شابه بحيث يتم تفتيتها بتلك
الأجهزة.
ويتابع
هاني قائلاً: بعد أن تطول مسافة
الحفر ويصبح من الصعوبة بمكان
استخراج الرمل يدويا نستعين بموتور
سحب أفقي، بحيث يكون أحد العمال في
الداخل يحفر، وأحدهم في الخارج يسحب
الرمل بواسطة الموتور، وثالث يخرجها
للخارج.
ويوضح
هاني أنه خلال عملية الحفر يتم عمل
تمديدات إضاءة لتسهيل الرؤية، بينما
تتم التهوية بواسطة تمديد خراطيم
مثقوبة وموصولة بجهاز توليد هواء
بالخارج لمد العامل بالداخل بكمية
الهواء المناسبة.
الرصد
والمتابعة للرمل!!
ولا
يقتصر عمل النفق على مجرد عملية
الحفر، فهناك توابع لهذه العملية
التي لا بد لها من الإعداد جيدا
بالتمديد المناسب الذي يكفل عدم
اكتشاف النفق من قبل عملاء الاحتلال
أو غيرهم، حيث تتم عملية التمويه
بأساليب مختلفة من بداية العمل وحتى
نهايته وأثناء تشغيل النفق.
ويقول
هاني: "لا نقوم بإخراج الرمل
المستخرج مرة واحدة حتى لا ينكشف
أمرنا، ونلجأ لتعبئة هذا الرمل
بأكياس تشبه أكياس الطحين، ثم
نستعين بسيارة نقل صغيرة لإبعاد هذه
الأكياس ونقلها إلى مكان بعيد".
ولا
يقتصر الأمر على ذلك، حيث يؤكد هاني
أن عملية إخراج الرمل لا تتم بطريقة
عشوائية، بل تحتاج إلى رصد ومتابعة
قبلها والتأكد من خلو المكان حولنا
من أي شخص مشبوه؛ ومن ثم نخرج بعد
التأكد من أمان المنطقة.
ثلاثة
أشهر أو أكثر!!
النفق
الواحد الذي قد يكتشف ويهدم في لحظات
يستغرق حفره وتجهيزه أكثر من ذلك
بكثير، فقد تصل مدة إعداد النفق
الواحد لثلاثة أشهر أو أكثر، وفقا
لطبيعته وحجم الإمكانات المستخدمة
وعدد العاملين.
ويشير
هاني إلى أن آخر نفق قام بإعداده
استغرق منه حوالي ثلاثة أشهر. ويضيف:
"طبعا تتم عملية الحفر بالمشاركة
مع ثلاثة أو أربعة عمال من الموثوق
بهم، بحيث يحصل مقابل عمله على نسبة
من عائدات النفق بعد تشغيله"،
مشيرًا إلى أن الوقت الذي يستغرقه
الحفر يتفاوت وفقاً لهمة العاملين
والمعدات المستخدمة وطبيعة التربة.
ويقول: بإمكانهم أن يحفروا من 6-12
مترًا يوميا حيث بلغ طول النفق
الأخير حوالي 230 مترًا.
الأمين..
راعي الأنفاق الخفي!!
 |
|
تدمير أحد الأنفاق المكتشفة |
الأمين
هو الاسم المتعارف عليه للشخص الذي
يشرف على النفق من الجانب الآخر،
ويقصد الجانب المصري، وعادة ما يكون
شخصا موثوقا به ولا يعرف اسمه إلا
شخص واحد، ويتم التعامل بيننا بصورة
مشفرة وغير واضحة والاتصال يتم عبر
الهاتف غالبا.
وقبل
هذا كله يشير هاني إلى أن أول مهمة
يقوم بها الأمين هي تحديد مخرج النفق
من الناحية الأخرى بحيث يكون مكانا
مناسبا.
ويضيف:
"بعد اقترابنا من نقطة النهاية في
الجانب الآخر، وقبل أن نخرج إلى سطح
الأرض نقوم بإخراج ماسورة بقطر واحد
بوصة إلى واحد ونصف بوصة تكون بمثابة
علامة للأمين ليعرف أننا وصلنا،
وبالتالي يحدد لنا إذا كان المكان
مناسبا أو أن نستمر في الحفر باتجاه
آخر مناسب أكثر".
ولا
يبدو الأمر بهذه السهولة في الجانب
الآخر للحدود؛ فالسلطات المصرية كما
يقول هاني لا تتهاون مع الأنفاق أو
من يقف وراءها. ويتابع: "بعد أن
شددت السلطات المصرية على أصحاب
البيوت، وحاكمت بعضهم بالسجن لسنوات
تصل إلى 25 سنة، بتنا نبحث عن أماكن
أخرى غير البيوت كمخرج للنفق مثل
مناطق زراعية أو آبار مياه أو ما
شابه للتمويه".
ويشير
هاني إلى أن النفق في نهايته من
الجانب الآخر لا يكون عميقا كما في
البداية، فهو يسير بشكل أفقي،
ويستمر في الارتفاع لأعلى حتى يصل
للنهاية، ولا يكون العمق أكثر من
مترين، ويخرج بفتحة صغيرة.
الأنفاق..
تجارة مربحة
رغم
الحوافز الوطنية وما ولدته
الانتفاضة من شعور بالإقدام
والمخاطرة لحفر المزيد من الأنفاق،
فإن هاني لا يخفي أن هذه الأنفاق تدر
دخلا على من يديرونها، لكنه يشير إلى
أن هذه الأمور تتفاوت من نفق لآخر
فهناك أنفاق تستخدم فقط لأغراض
تجارية بينما تعددت في الآونة
الأخيرة الأنفاق المستخدمة لتهريب
العتاد والسلاح، وهي الأخرى لا تخلو
من حافز ربح.
ويضيف
هاني: "تعلم أن هذا النفق يكلف ما
يزيد عن 10000 دولار وربما أكثر،
وبالتالي نحن بحاجة إلى تغطية هذه
التكاليف من خلال عملية التشغيل".
ويتابع
هاني حديثه بصورة أكثر تفصيلاً،
ويقول: على سبيل المثال يتم إدخال
القطعة الواحدة من السلاح بمبلغ 300
دولار تقريبا، لكنه يشير إلى أن هذا
المبلغ يعتبر زهيدا إذا ما علمنا أنه
سيوزع على أكثر من 5 أشخاص اشتغلوا في
إعداد وإدارة النفق.
البضاعة
وصلت!!
ولا
تتوقف مهمة الأمين عند تحديد المكان
المناسب فقط بل تستمر أثناء
التشغيل، بحيث يكون هو المشرف على
تشغيل النفق من الجانب المصري.
ويتابع
هاني موضحا بمثال واقعي ويقول: مثلا
إذا أردنا شراء كمية من السلاح نقوم
بالاتصال بالأمين وإبلاغه بطريقة
مشفرة بذلك فيقوم هو بدوره بشرائها
بطريقته وتحديد موعد الاستلام عبر
النفق.
وعن
العمل لحظة الاستلام يوضح هاني أنه
بعد إحضار المطلوب ننتظر على الجانب
الآخر وتكون الاتصالات بيننا عبر
الهواتف المحمولة وبطريقة غير
مفهومة، بحيث توضع البضاعة ويتم
سحبها بواسطة الموتور المخصص بحيث
لا يستغرق وصولها أكثر من خمس دقائق
إلى عشر دقائق.
ويشير
هاني إلى أن الأنفاق قد تستخدم في
إخراج أشخاص أو إدخالهم للأرض
الفلسطينية عند الحاجة الملحة لذلك،
موضحا أن تكلفة الشخص الواحد قد تصل
إلى 1000 دولار.
الباب:
حوض مياه أو..
الباب
في النفق هو صمام الأمان، وبذلك كلما
كان اختيار الباب سليما تم المحافظة
على النفق لفترة أطول دون أن يتم
اكتشافه.. هذا ما قاله هاني، وأضاف:
"لهذه الأسباب نهتم كثيرا بأن
يكون مدخل النفق أو بابه بصورة آمنة
لا تؤدي إلى اكتشافه بأي حال.
ويوضح
هاني أن باب النفق من الممكن أن يتم
عمله بأكثر من طريقة. ويضيف: "من
الممكن أن يكون باب النفق تحت حنفية
وحوض مياه بحيث يتم تركيب هذا الحوض
بطريقة معينة تسهل فكه وإعادة
تركيبه ويكون فوق المدخل مباشرة"،
ويؤكد هاني أن هذا النوع من الصعب
اكتشافه إلا إذا تم الاعتراف عليه أو
الوشاية عنه، ويشير إلى أنه من
الممكن ابتكار طرق أخرى أو تطوير هذه
الطريقة حسب الظروف.
يا
بلاش!!
ويبدو
أن هناك حافزا آخر شجع الفلسطينيين
على الاستعانة بالأنفاق لجلب السلاح
من الخارج، فيعقد هاني مقارنة بين
أسعار السلاح في الأراضي الفلسطينية
وأسعارها لدى جلبها من الخارج. ويضيف:
هناك فرق كبير؛ فقطعة المسدس التي
تباع هنا بألف دولار تقريبا نشتريها
من الخارج بـ 2000 جنيه مصري،
والكلاشنكوف هنا يصل سعره إلى 3500
دولار تقريبا، بينما نشتريه بـ 4000
جنيه تقريبا، والرصاصة بثلاثة
دولارات، بينما نجلبها نحن بحوالي
نصف جنيه.
ويؤكد
هاني أن مصر ليست المصدر الوحيد
للسلاح، مشيرًا إلى وجود أسعار
ومناطق أكثر إغراء بحيث يمكن جلبها
من العراق أو السودان ومنطقة السلوم
بليبيا بحيث تكون من مصر كممر فقط،
مشيرا إلى أن قطعة الكلاشنكوف قد لا
تزيد في هذه الحالة عن 100 دولار.
انتفاضة
الأنفاق.. مستمرة!!
ويؤكد
هاني أن الانتفاضة شكلت حافزًا
قويًّا لعمل أنفاق لأغراض وطنية
ولإدخال الأسلحة والعتاد للمجاهدين
والمناضلين في ظل العدوان
الإسرائيلي، وهو ما يتضح من خلال
الإعلان اليومي من الإسرائيليين عن
العثور عن أنفاق وهدمها.
ويقول
هاني: "هدم الأنفاق لا ينهيها، نحن
علينا حصار من كل ناحية، وهذه هي
الوسيلة الوحيدة؛ فكل نفق يهدمونه
يحفر غيره وربما يحفر في نفس المكان،
ولن نتوقف عن ذلك ما دام الاحتلال
موجودا".
وتابع
بحدة قائلا: "أتمنى أن يكون كل بيت
هنا فيه نفق حتى لو أدى لهدم البيت؛
فأنت ترى أوضاعنا لا دخل لنا واليهود
يذبحون فينا بسبب وبغير سبب، وكل يوم
هناك شهيد أو هدم أو قصف".
اقرأ أيضاً:
**صحفيان بمكتب الجيل للصحافة – فلسطين
|