 |
|
مظاهر
التلوث فى حلوان |
إذا
كان الكثيرون من البشر لا يستطيعون
أن يحزموا حقائـبهم ليرحلوا عن "حلوان"
(إحدى ضواحي القاهرة) مدينة الأحلام
والصحة العلاجية التي باتت مسرحًا
للكوابيس والتلوث، فإن تمثال بوذا
سينتبه من تأملاته العميقة محتجًا،
ثم يرحل من الحديقة اليابانية
بحلوان وراء الهدوء إلى الصحراء!
ورحيل
"بوذا" من حلوان المفعمة
بالضوضاء والتلوث والمستنقعات إحدى
النكات اللاذعة التي أطلقها الأديب
المصري العالمي "نجيب محفوظ" في
رواية "الباقي من الزمن ساعة" (صدرت
في عام 1982)، إشارة منه إلى مدى التردي
والتدني اللذين انحدرت إليهما مدينة
الاستشفاء والعيون الكبريتية
والصحة العلاجية..، "ما حلوان إذا
اغتصبَ الإسمنتُ نقاءها الأبديَّ
وهدوءها؟! إن بوذا سينتبه من تأملاته
العميقة محتجاً، ثم يرحل من الحديقة
اليابانية وراء الهدوء إلى الصحراء!"
وانطلاقاً
من فانتازيا رحيل بوذا من حلوان، فإن
لغة العلم والإحصاءات والبحوث
وحقائق التاريخ تؤكد ما ألمح إليه
الأدب بشأن "الانحدار البيئي
الفجائي" لحلوان. والحقيقة أن
حلوان تحتل منزلة خاصة في ملف "التلوث
القاهري" الأسود. فإذا كان التلوث
من سمات القاهرة ككل، حيث إنها
المدينة الثالثة بين أكثر مدن
العالم تلوثًا، فإن حلوان هي ذروة
التلوث في المدينة الملوثة، ويكفي
معرفة أن البحوث الحديثة تشير إلى أن
حجم التلوث بغبار الإسمنت في حلوان
بلغ أربعة عشر ضعف المسموح به، وذلك
بما يعادل 5% من الطاقة الإنتاجية
لمصنع الإسمنت نفسه! كما أن 29% من
أطفال المدارس في منطقة حلوان
مصابون بأمراض الرئة، وهي نسبة
شديدة الخطورة. وقد تحولت قضية
التلوث في حلوان من مجرد قضية بيئية
إلى قضية الساعة في الآونة الأخيرة،
ويكفي دلالة على ذلك أنها صارت تسيطر
على المناقشات التي تدور داخل أروقة
مجلس الشعب المصري؛ حيث يطالب
النواب بضرورة حل مشكلة التلوث في
حلوان: سواء الهواء بسبب الإسمنت
ومخلفات المصانع، أو تلوث المجاري
المائية وفساد عيون حلوان بدون أية
مراعاة لصحة الإنسان وآدميته.
مدينة
عالمية للعلاج!
اتجهت
الأحلام في الخمسينيات والستينيات
من القرن الماضي إلى الاستغلال
السياحي الأمثل لمنطقة حلوان الغنية
بالعيون المعدنية والكبريتية؛
لتكون حلوان –كما قالت إحدى الصحف
الصادرة آنذاك- أجمل منطقة سياحية في
العالم، تضم: شاليهات حول العيون
ومتاحف وحديقة حيوان صغيرة!! وها هي
بعض من عناوين الأحلام التي كانت
تبيعها الصحف في ذلك الوقت: "حلوان
تصبح مشتى عالمياً خلال ثلاث سنوات"،
"تنظيم استغلال حلوان كمدينة صحية
عالمية"، "1200 سائح سيعالَجون
يومياً في حلوان"، "ستون فداناً
حول عين حلوان ستخصصها الدولة
للسياحة ولمرضى الروماتيزم
الباحثين في القارات الست عن المياه
الكبريتية والدفء والشمس"!! وكما
هللت الصحف الستينية للأحلام
الوهمية، راحت تهلل -في الوقت ذاته-
لمشروعات الصناعة في حلوان: "السد
العالي للصناعة المصرية يقام في
حلوان" (المقصود بالطبع مجمع
الحديد والصلب)، "حلوان حطمت
أسطورة أن مصر بلد زراعي"!
وكالعادة
لم يلتفت أحد إلى ما نشرته جريدة "الأهرام"
في العدد الصادر يوم 28-8-1968 بشأن أن
مركز البحوث "يطلب احتياطات محددة
في المصانع مع ضرورة عمل إجراءات
سريعة لمواجهة أخطار التلوث".
ولكن حلوان آثرت القضاء على أسطورة
أن مصر بلد زراعي، ولكنها قضت أيضًا
على أسطورة أن حلوان منطقة سياحية
عالمية!
لقد
كانت "زهوة التصنيع أقوى من
التفكير البيئي المبكر" على حد ما
رآه الباحث الدكتور محمد رياض
أستاذ الجغرافيا بكلية الآداب
بجامعة عين شمس، ومن ثم غابت حلوان
القديمة ذات العيون الكبريتية
والمعدنية الحارة الموجودة منذ أيام
الفراعنة والرومان والتي بلغت أوج
مدها في عهد "محمد علي" حيث
اشتهرت كأهم مشتى ومركز للسياحة في
العالم، والتي أنشأ فيها الخديوي
إسماعيل منطقة الحمامات (شرق حلوان
البلد) بعد أن رأى ضرورة وأهمية
الاستفادة من عيون الماء الكبريتية
للسياحة والترفيه والعلاج. وقد
كان عامل القرب من القاهرة -كما يرى د.
رياض- هو الحافز البيروقراطي لاتخاذ
منطقة حلوان قلعة صناعية. فالقاهرة
هي المدينة الكبرى التي تتعدد فيها
خيارات السكن والتعليم والصحة
والثقافة والترفيه بالنسبة
للموظفين والعاملين، وفيها الحكم
المركزي، كما تتعدد فيها قنوات
اتصالات مديري المصانع ورؤساء مجالس
الإدارات من أجل المصلحة العامة
والمصالح الخاصة الكثيرة.
ونتيجة
لهذا فقد تزاحمت الصناعة في المنطقة
بشكل كبير؛ فتوسع مصنع "إسمنت طرة"
إلى أن أصبح عملاقًا يرسل ملوثاته
الغازية والصلبة عاليًا في الجو إلى
كل مناطق السكن، وكذلك مصنع "إسمنت
بورتلاند حلوان" وغيره، وبذلك
وقعت المدينة تحت حصار الإسمنت.
وجملة عدد المصانع تزيد على 40
مصنعًا أحاطت وتداخلت وزاحمت كل
المحال السكنية من المعصرة شمالاً
إلى مدينة حلوان والتِّبِّين جنوبًا.
كما أن الصرف الصناعي يبدو كمشكلة
خطيرة، فضلاً عن أن قوانين البيئة
بصفة عامة مهملة وخاصة التشجير
والمساحات الخضراء، كما أن الصرف
الصحي في المناطق السكنية يُعد
مشكلة كبرى. وبسبب هذه المشكلات
وغيرها يمكننا أن نفهم لماذا زادت
معدلات أمراض الصدر والرئة
والحساسية وكل أمراض الجهاز التنفسي
في حلوان.
نسبة
عالمية في الغبار!
وتشير
العديد من الدراسات والبحوث التي
بثها موقع "جهاز البيئة" على
الإنترنت ومواقع أخرى لبعض المجلات
العلمية إلى أن نسبة غبار الإسمنت في
حلوان لا مثيل لها في العالم كله،
وهو ما يقلل من الإشعاع الشمسي
المرئي تمامًا، ويعوق التمثيل
الضوئي للنبات، ويؤدي إلى انتشار
الأمراض الجلدية ولين العظام
والفطريات في المدينة "العلاجية"!
إضافة إلى ما يعانيه السكان
المتكدسون -في المدينة الهادئة!- من
أخطار انتشار القمامة والمجاري
والبرك والضوضاء والمستنقعات
والفوضى والإهمال، فضلاً عما أصاب
حلوان -بعد الانفتاح الاقتصادي- من
تخمة عمارات التمليك، وتحول البناء
من الطابع الأفقي الجمالي إلى
الطابع الرأسي الاستثماري،
وبالتالي تآكُل معالمها القديمة
تمامًا، وغياب المسطحات الخضراء
والأشجار؛ وهو ما يضاعف من مشكلة
التلوث.
وفي
دراسة له يوضح الدكتور "مسلم
شلتوت" الأستاذ بالمعهد القومي
للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية
بحلوان أن وجود المناطق الصناعية في
شمال وجنوب القاهرة (حيث توجد في
الشمال منطقة شبرا الخيمة وفي
الجنوب صناعة الإسمنت في حلوان وطرة)
يُعتبر من مصادر التلوث العالي
بالقاهرة؛ حيث تزيد الملوثات الجوية
في طرة وحلوان والتبين من غبار
الإسمنت عن المعدل المسموح به
عالميًّا عشرات المرات، وفي منتصف
التسعينيات من القرن العشرين وصل
المعدل إلى 32 مرة أكثر من المسموح به
عالمياً! ومن هنا تُعتبر القاهرة
الكبرى من أكثر المدن في العالم من
ناحية الملوثات الجوية كأول وثاني
أكسيد الكربون وأكاسيد الكبريت
وأكاسيد النيتروجين والكربوهيدرات
وأكاسيد الرصاص والأوزون السطحي،
بجانب كمية الدخان (الهباب)، وهذه
الملوثات أضعاف الكميات المسموح بها
عالمياً، وقد تصل في بعض الأحيان إلى
عشرة أمثال المسموح به عالمياً أو
أكثر.
وتشير
الدراسات الطبية والعلمية إلى أن
غاز أول أكسيد الكربون يؤدي إلى
التسمم، وثاني أكسيد الكبريت
يتسبب في الكحة والحساسية، أما
الأوزون الأرضي فله تأثير مسرطن،
كما أن الأدخنة قد تؤدي إلى الاختناق.
ويعد تلوث الهواء -وفقاً لدراسة
للدكتور محمد عوض تاج الدين وزير
الصحة أستاذ الأمراض الصدرية بجامعة
عين شمس- من أخطر أنواع التلوث؛ لأنه
يحمل للإنسان كل مظاهر الخطر بما
يحمله هذا الهواء من أنواع الملوثات
المختلفة التي تدخل إلى الجهاز
التنفسي ومنه لكل أجزاء الجسم.
فمنطقة حلوان تشتهر بالأتربة
الناتجة عن مصانع الإسمنت، وهذه
الأتربة تؤذي الرئة وتؤدي إلى
تحجرها.
مشكلات
المياه الكبريتية
وفضلاً
عن الملوثات الهوائية في حلوان
ومشكلات الصرف الصحي وطفح المجاري
وكثرة المستنقعات وأكوام القمامة
وهجوم الذباب… فإن مياه حلوان
الكبريتية الشهيرة (التي كانت
مرامًا لمريدي الاستشفاء في العالم)
قد نابها هي الأخرى نصيب وافر من
التردي والإهمال في سياق تراجيديا
حلوان وضربة التلوث القاضية على
الأحلام والآمال!
والمياه
الكبريتية التي تندفع من باطن الأرض
منذ آلاف السنين تُعد في الدول
المتقدمة كنـزاً ثميناً بدفئها
ونقائها، وغناها بالأملاح المعدنية.
وقد نجحت دول كثيرة في تحويلها إلى
مصادر للصحة والثروة والعلاج.
ويرجع
تاريخ العلاج بالمياه الكبريتية
بحلوان إلى سنة 1889، عندما قام
الخديوي "عباس حلمي الأول"
بإنشاء أول مركز للاستشفاء البيئي
فيها. ويرى الباحثون أن الفوائد
الصحية التي تحققها المياه
الكبريتية لمرضى الروماتيزم
والعظام والأمراض الجلدية تزيد على
35 فائدة لمرضى التهابات العظام
والمفاصل وحالات شلل وضعف الأطراف
والنقرس وأمراض الجهاز التنفسي
واضطرابات الدورة الدموية، كما ثبت
مؤخراً تأثيرها الممتاز على الجهاز
السمعي ومشكلات الصداع المزمن بعد
فشل معظم العقاقير الطبية في حسم
مشكلات المرضى بجانب ما تسببه
العقاقير من آثار جانبية.
وتعد
مياه حلوان من أجود المياه
الكبريتية في العالم مقارنة بمراكز
الاستشفاء الأخرى في روسيا أو
رومانيا أو إيطاليا، وهذا ما تم
تسجيله في المراجع العلمية الدولية.
ولكن المنطقة تعاني بشدة من تلوث
مصنع الإسمنت وغيره من المصانع، وهو
ما أدى إلى عزوف السائحين –والمصريين-
تدريجياً عن قصد عيون حلوان بغرض
الاستشفاء..؛ ولذلك انتاب الإهمال
عيون حلوان الشهيرة، وحلت بها
الفوضى. وقد كانت المنطقة تستقبل
أعداداً هائلة من الزائرين وخاصة من
أوروبا والدول الإسكندنافية
تحديداً في فصل الشتاء، ثم تراجعت
الأعداد تدريجيا بعد هزيمة 1967،
وتراجعت أكثر بعد إنشاء مصانع
الأسمنت.
نقطة
ضوء في بحر مظلم!
وحتى
لا تكون الصورة النهائية الغائية
بالنسبة لحلوان بالغة القتامة،
ينبغي الإشارة إلى أنه من أجل مواجهة
تلك السلبيات جميعاً بحلوان، بدأ
المسئولون المصريون مؤخراً في إعداد
خطة عمل شاملة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
من حلوان (الفردوس المفقود)، وذلك
تحت رعاية وزارة البحث العلمي
وبإشراف السيدة سوزان مبارك حرم
رئيس الجمهورية. وهناك دور جوهري
ينبغي أن يلعبه الجهاز المصرفي في
الحد من التلوث البيئي؛ باعتباره
جهة مؤثرة للغاية في المشروعات
الاقتصادية. ويطالب الباحثون
العلميون وخبراء البيئة بضرورة
توجيه الجهاز المصرفي لرجال الأعمال
والمستثمرين في كافة القطاعات إلى
اتباع كافة الإجراءات الكفيلة
بالحفاظ على البيئة وحمايتها، والحد
من ارتفاع نسب التلوث الناتجة عن
تمويل مشروعات غير مخططة بيئياً.
وكانت
إدارة محافظة القاهرة قد قررت في
يوليو من عام 2000 طرح منطقة عين حلوان
للاستغلال السياحي والترفيهي لمدة 15
عامًا بنظام حق الانتفاع للقطاع
الخاص؛ وذلك بهدف إعادة المنطقة إلى
ما كانت عليه من قبل من الناحية
السياحية والعلاجية، والحد من
التلوث في المنطقة وخلق مساحات
خضراء تصل مساحتها إلى 20 فدانًا،
بالإضافة إلى رفع مستوى المنطقة
المحيطة بعين حلوان بواسطة أعمال
الرصف والإنارة والتشجير. ورغم جدية
هذا الطرح، فإن المعالجات تسير
بصورة أبطأ مما تقتضيه الضرورة. ومن
يدري؟ فلعل المستثمرين ينجحون فيما
لم تنجح فيه الدولة من إقامة
الشاليهات والفنادق والأسواق
والمحال التجارية لإعادة حلوان
كمنطقة سياحة وجذب عالمية، بما
سيعود عليها بالنفع على كافة
الأصعدة.
اقرأ
أيضاً:
*
صحفي مصري
|