|
"كل
ليلة من ليالي الحصار.. وبعد أن يُسدل
ستار الليل على مآسي النهار كنا نسمع
أصوات الشاحنات تدور بين المنازل
المهدمة تجمع جثث الشهداء وترحل..
إلى أين ؟؟".. كان هذا تساؤلاً لأحد
الناجين من مجزرة جنين.
"عصام مخول"
العضو العربي في الكنيست
الإسرائيلي، كان يحاول البحث عن
إجابة هو الآخر، وتردد أنه قال: إن
معلومات غير مؤكدة وصلته من جنود
إسرائيليين شاركوا في العدوان على
المخيم، تفيد أن شاحنات إسرائيلية
كبيرة كانت تقوم أثناء الليل -في
الفترة التي حظرت فيها قوات
الاحتلال دخول المخيم- بنقل جثث
ضحايا المجازر إلى مناطق نائية؛ حيث
يتم وضعها بعد ذلك في مادة الجير حتى
تتحلل، وتختفي بشكل نهائي لإخفاء
معالم المجزرة.
وبسؤال
أحد خبراء الطب الشرعي المتخصص في
فحوص البصمات الوراثية عن تأثير
مادة الجير الحي على الجثث، ذكر أن
هذه المادة تتفاعل مع سوائل الجسد
فتتحول إلى مارد خرج من القمقم يأتي
على الأخضر واليابس؛ فهي تسرع من
تحلل الجثث بشكل ضخم، وخلال 36 ساعة
فقط بعد الدفن تكون قد التهمت اللحم
والأغشية الرقيقة، ولم تبق إلا
العظام التي لا تصمد أمامها طويلاً
فبعد 3 إلى 6 أشهر من الدفن تكون قد
تحولت إلى بودرة.
الصهاينة..
كلاكيت النازي
ويرجع استخدام الجير الحي إلى
التاريخ القديم، فقد كان يستخدم في
دفن جثث ضحايا الطاعون، كما كانت
مادة الجير الحي تدخل ضمن تركيبة "النار
الإغريقية" التي كانت تستخدمها
الإمبراطورية البيزنطية في القرن
السابع الميلادي لقذفها على
أعدائها؛ حيث كانوا يقومون بعمل
مزيج من البترول السائل والجير الحي
والكبريت لصناعة تلك النيران.
وفي
منتصف القرن الثالث عشر كانت
البحرية الإنجليزية تقوم بقذف مادة
الجير الحي على السفن الفرنسية، كما
استخدمت نفس المادة وفي نفس الفترة
من قبل محاكم التفتيش المسيحية
لتعذيب من تقوم تلك المحاكم
باستجوابهم من أجل سحب الاعتراف
بجريمة الردة؛ حيث كان المستجوبون
يقومون بسكب كميات من الجير الحي
المخلوط بالماء داخل أنوف ضحاياهم.
ويبدو
أن الإسرائيليين قد استفادوا كثيرا
من قصصهم عن الجيش النازي ومحارق
اليهود في الحرب العالمية الثانية
وبدءوا في تنفيذ نفس السيناريو. فحسب
شهادة أحد شهود العيان أثناء محاكمة
"نورمبرج" فإن الجنود الألمان
كانوا يجمعون مواطني الاتحاد
السوفييتي وبولندا واليهود
ويرغمونهم على حفر خندق كبير، ثم
يقوم الجنود بإرغام هؤلاء على خلع
ملابسهم والنوم على بطونهم داخل
الخندق حيث يقوم الجنود بإطلاق
النار عليهم. ثم يطلب من المجموعة
التي تليهم النوم فوق تلك الجثث،
ويتم إطلاق النار عليهم أيضا، وهكذا
حتى يتم قتل جميع من تم تجميعهم. ثم
يقوم الجنود بسكب مادة الجير الحي
على تلك الجثث وتغطية الخندق
بالتراب من أجل إخفاء آثار الجريمة.
كما
ادّعى اليهود أيضا استخدام مادة
الجير الحي ضدهم داخل عربات القطار
التي كانت تقوم بنقلهم؛ حيث كان
النازيون يقومون بسكب مادة الجير
الحي على أرضية تلك العربات، ثم
يقومون بحشر مئات اليهود داخلها
فتتفاعل مادة الجير الحي مع العرق
والبول ليحرق أجساد اليهود وهم ما
زالوا على قيد الحياة.
أكسيد
الكالسيوم.. معجل تحليل الجثث
ومادة
الجير الحي quicklime ما هي إلا أكسيد
الكالسيوم الذي ينتج عن احتراق حجر
الجير (تمثل كربونات الكالسيوم
المادة الأساسية به) في عملية
كيميائية تسمى بالتكلّس.
ومادة
الجير الحي عبارة عن بودرة بيضاء
كاوية وقلوية تتفاعل بشدة مع الماء
لتكوّن هيدروكسيد الكالسيوم (المعروف
أيضا باسم ماء الكلس lime water or hydrated
lime-) في عملية كيميائية تسمّى
بانطفاء الكلس التي يمتص خلالها
الجير الحي الماء ليصدر طاقة تصل
درجة حرارتها إلى 300 درجة مئوية.
تخليط ماء الكلس الناتج عن تلك
العملية بالرمال ينتج عنه "مادة
الهاون" التي تدخل في عمليات
البناء.
يدخل
استخدام الجير الحي في الكثير من
الصناعات الحديثة، مثل: صناعة
الحديد والزجاج والورق وإنتاج السكر
ودباغة الجلود، وفي معاملة المجاري
ونفايات العمليات الصناعية، وفي
تحضير بعض أنواع الصبغات والمبيّضات.
ذلك بالإضافة إلى الصناعات التي
تقوم باستخراج المعادن، وكمعدّل
لحمضية التربة، وكعامل مساعد
للأسمدة داخل التربة.
أما
استخدام ماء الكلس لدهان الحوائط
فإلى جانب كونه طريقة رخيصة لذلك فإن
له أيضا مفعول مضاد للجراثيم. كل ذلك
بالإضافة إلى تاريخه الطويل في
صناعة الإسمنت التي دخلت إلى
بريطانيا في القرن الأول الميلادي
عن طريق الروم.
ومن
أهم استخدامات مادة الجير الحي سواء
في التاريخ القديم أو الحديث تعجيل
تحلل الجثث المدفونة للحيوانات
المصابة بالجمرة
الخبيثة، ويعتبر هذا الاستخدام
إلى الآن من ضمن الإجراءات
الروتينية التي تنصح بها وزارات
الصحة والزراعة للتخلص من جثث تلك
الحيوانات، وبالتالي السيطرة على
انتشار المرض، وذلك من خلال دفن
الحيوانات على عمق 10 أقدام داخل
الأرض بعد تبطين الحفرة بالجير
الحي، ثم سكبه أيضا فوق جثث
الحيوانات فتتحلل بسرعة.
ويبقى
السؤال حائرًا: هل هذا بالفعل ما حدث
لضحايا المجزرة؟! وإن كان قد حدث،
فهل يمكن للجان تقصي الحقائق –إذا
تم إرسالها- التوصل لتلك المقابر
الجماعية؟! وإذا توصلوا إليها فهل
سيكون قد تبقى أي دليل على وجود تلك
الجثث أم ستكون قد تحولت تراباً؟!! لا
داعي للتشاؤم ففحوص البصمات
الوراثية قد تكون الأمل، فحتى لو
تحولوا ترابا فسينطق التراب أنه كان
يومًا ما أناسا دافعوا عن حقهم حتى
آخر نفس.
اقرأ
أيضًا:
|