|
تسببت
بحوث الأنثروبولوجيا الفيزيقية حول
نشأة الإنسان، وهي البحوث التي بدأت
متأثرة بنظرية التطور تسببت في نزاع
لا مبرر له حول الإنسان العاقل أو
المتحضر: أين كان موطنه الأول؟ أفي
أوروبا، أم في غيرها من القارات؟
وكلما توصل العلماء إلى كشف في هذه
القارة أو تلك قالوا: إن أصل الإنسان
المتحضر -وبالتالي أصل الحضارة- كان
هنا أو هناك.
وفي
هذا الإطار يأتي هذا الكشف الذي ربما
يشير إلى أن الإنسان الأفريقي أقدم
معرفة بالسلوك الحضاري من الأوروبي؛
فقد كشفت الدلائل والاكتشافات
العلمية الجديدة عن أن أصل الإنسان
الحديث ربما لا يعود فقط إلى
أفريقيا؛ بل إليها يرجع ظهور أقدم
دلائل السلوك الحضاري للإنسان،
وليست أوروبا، كما تروج له الأوساط
العلمية في الغرب.
فقد
ذكرت مجلة The Prestigious peer review journal science
الأمريكية في عددها الصادر 11 يناير
2002م نتائج دراسات علمية ومعملية قام
بها عدد من العلماء وفريق عمل من
الباحثين في مجال الأنثروبولوجيا
والآثار برئاسة البروفيسور “Christopher
Hensuilwood” الأستاذ بالمتحف القومي في
إزكولو بجنوب أفريقيا بعد العثور
على قطعتين حمراوين من النقوش
الفنية داخل كهف يعود تاريخه إلى
أكثر من سبعة وسبعين ألف عام.
وأشارت
الدراسة إلى أن الشعار والرموز التي
تحملها تلك النقوش بها دلالات هامة
على أن الصيادين الذين كانوا يقيمون
في كهف منطقة “Brombos” بجنوب أفريقيا
كانوا يمتلكون قدرة في الإبداع
والفكر في استخدام لغات معقدة في
التواصل فيما بينهم.
كما
كشفت الدراسة أن تلك النقوش كانت على
شكل هندسي رائع، كما اكتشفت داخل
الكهف آلات أخرى مصنوعة من العظام،
التي استدلت بها الدراسة على أن
القدماء الأفارقة كانوا أقدم من عرف
السلوك الحضاري قبل أكثر من 35.000 عام
من الأوروبيين، طبقا لتأويلات
الكشوف السابقة عليه.
ويبدو
أن نتائج هذا الاكتشاف قوّض
القناعات السابقة بين العلماء
والباحثين المقتنعين بنظرية التطور
الذين يرون أن أصل التطور وظهور
السلوك الحضاري للإنسان كان في
أوروبا وليس أفريقيا أو منطقة ثانية
في العالم.
تاريخ
الاكتشافات في أفريقيا
على
الرغم من أن هذا الاكتشاف ليس الأول
من نوعه فإنه الأقدم في تاريخ
البشرية كله؛ فقد عثر على عدد من
الحفريات في أفريقيا في النصف الأول
من القرن العشرين؛ فقد تم في عام 1924م
في (بتسوانا لاند) بجنوب أفريقيا
اكتشاف أقدم الحفريات البشرية في
أفريقيا بالقرب من "تونجز"،
وهذه الحفرية التي تكونت من قطعة
جمجمة وقالب طبيعي لفراغ القحف
لكائن صغير السن.
وفي
عام 1959م عثر على جمجمة وبعض العظام
لأقدم مخلوق بشر عثر عليه حتى اليوم
في كينيا وقد صحب هذا العظام آلات
حجرية من الشظايا.
كما
تم العثور على هيكل "أسلار" في
منطقة تمبكتو بغرب إفريقيا عام 1927م
الذي يرجع إلى العصر الحجري القديم.
ردود
أفعال عالمية
وقد
لقي الاكتشاف الأخير هذا اهتماما
كبيرا في الأوساط العالمية
والإقليمية؛ حيث طلب المتحف الأثري
الأمريكي في نيويورك بعض الحقائق
الفنية عنه ليتم عرضها في المعرض
المقبل للفنون الأفريقية.
كما
تزايد اهتمام الباحثين وعلماء
الأنثروبولجيا والآثار بهذا الحدث
ليستحوذ على ساحة الكتابات واتجاه
البحوث العلمية، خاصة في المدارس
البريطانية والأمريكية. علاوة على
ذلك فقد أصبح هذا الاكتشاف مثار
اهتمام الأوساط السياحية
والتجارية؛ فقد تصدر قائمةَ
اهتمامات الحركة السياحية لدى
الأمريكان والأوروبيين بدافع
الاطلاع على تلك الدلائل والحقائق.
ومن
المعروف أن علماء الأنثروبولوجيا
الفيزيقية قد عُنوا بدراسة آثار
ومخلفات الإنسان القديم، خاصة
النقوش والرسوم والصخور والكهوف؛
لإبراز العلاقة بينه وبينها، التي
تخضع بعد مقارنتها بدراسات مماثلة
تُجرى على الشعوب المعاصرة (للمعالجة
الإحصائية الدقيقة بغرض الوصول إلى
نتائج ودلائل للاستدلال على حقائق
الحياة القديمة التي كان يحياها
الإنسان القديم خلال العصور الحجرية
ثم الإنسان الحديث في العصور
الحجرية والتاريخية). حيث يرى أولئك
العلماء أن الإنسان قد مر من الناحية
البيولوجية بثلاث مراحل:
(1)
الإنسان الأول. (2) الإنسان القديم. (3)
الإنسان الحديث.
فالإنسان
الأول -كما يرى هؤلاء العلماء- ظهر
منذ أكثر من أربعة ملايين سنة، ثم
ظهر الإنسان القديم بعده بنحو مليون
سنة، وهذا الإنسان قد تطور عن
الإنسان الأول، غير أنه يختلف عنه في
المظاهر التشريحية والسلوكية، ومنذ
أربعين ألف سنة ظهر الإنسان الحديث
العاقل المدرك؛ حيث أخذ تطوره
الثقافي يتزايد بدرجة مثيرة، وكان
من مراحل تطوره ظهور الإنسان
الاجتماعي الحالي الذي يعتمد بدرجة
كبيرة على التنظيمات الاجتماعية،
خاصة في تكوينه الطبيعي والثقافي
والفكري، وكانت الحضارات الموجودة
الآن ترجع إلى نشاطه الواسع المتعدد.
اقرأ
أيضًا:
|