|
قبل
أن نلقي باللوم يمينًا ويسارًا، نرى
أن الأمة بأسرها تتحمل وزر ما نحن
عليه من حالة تقنية بئيسة، فقد تضخمت
وترهلت مؤسسات الدولة المهنية
بالنواحي التقنية والبحثية، وأصبح
ما يضخ فيها من مال يكفي بالكاد
مرتبات بئيسة للعاملين، كما أن
المشاريع البحثية التي تشرف عليها
هذه الجهات تحيطها أسوار إدارية
ومالية خانقة؛ أدت بكثير من
الكفاءات ألا يقربوها.
وفي
مصانع الدولة الضخمة، تضاءلت مراكز
البحوث والتطوير إلى صورة عبثية،
وقد كان بعض هذه المصانع ـ في
الستينيات وحتى الثمانينيات ـ يمتلئ
بالنشاط البحثي اللازم لتطوير
منتجاته، والتي لا يمكن الحصول على
رخص إنتاج بشأنها، وكانت الحاجة
لتطويرها مسألة تتعلق بالأمن
القومي، ثم جاءت التسعينيات وظلال
حرب الخليج ساجية فوق رؤوسنا، فإذا
بنا نتوقف راضين أو مكرهين، والله
أعلم!
أما
القطاع الخاص ـ على ضخامته ـ فإن
مصانعه هي الأخرى لم تعترف بالبحث
والتطوير كقضية مصيرية للبقاء في
عالم الصناعة، فقد دخل إلى عالم
الصناعة أقوام يبحثون عن الكسب
السريع الرخيص، وليسوا على طريق أهل
الصناعة في العالم المتقدم أو
النامي، أولئك الذين يتمتعون
بالإنجاز الصناعي لبلادهم عن طريق
الإنفاق المغامر في التطوير
التكنولوجي.
من
أجل "وقف" للتنمية التكنولوجية
والناس
ـ كل الناس ـ لم يدركوا حجم "الوقف"
المطلوب لعمليات التنمية التقنية
ولا أهميته، ويفضلون أن "يوقفوا"
أموالهم على مشاريع دفن الموتى!
بعيدًا عن المغامرة بالإنفاق في
التنمية التقنية.
الشاهد
أن الأمة كلها مسئولة عن الحالة
التقنية الحاضرة، وتحتاج إلى تبصرة
وذكرى، ومنذ عشر سنوات أو أكثر
فكّرنا في الأمر ـ في اللجنة العلمية
في نقابة المهندسين المصرية، هذه
اللجنة التي كانت تضم لفيفًا رائعًا
من أهل الصناعة وأساتذة الجامعات
ورجال القوات المسلحة ـ وقررنا حين
ذاك أن هناك فريضة غائبة، وهي "الوقف
على عمليات التنمية العلمية
والتقنية".
وظللنا
بضع سنوات ندرس هذا الأمر، وما كدنا
نصل إلى صورة مرضية لبدء العمل حتى
فاجأتنا الحراسة على النقابة، وتوقف
العمل، ومنذ عامين التقيت بالأخ
الصديق "أحمد علي" رئيس بنك
التنمية الإسلامي بجدة، وأعدت كتابة
المقترح للبنك، ووعدني بأنه سيسعى
لإنشاء مؤسسة للتنمية العلمية
والتقنية في البنك، وأعتقد أن الرجل
جاد في ذلك.
وفي
هذا المقام، أذكر أنني في صباي،
أتممت دراسة الدكتوراة في جامعة
عظيمة هي جامعة "ستانفورد"
الأمريكية، وهي جامعة خاصة ينفق
فيها الطلبة الأذكياء الأغنياء على
الطلبة العباقرة الفقراء، هذه
الجامعة بأسرها وبآلاف الفدادين من
هضبة كاليفورنيا الجميلة كانت
تبرعًا من فرد واحد هو مستر "ستانفورد"
مات ولده في حادث فأوقف كل ما يملك
على إنشاء هذه الجامعة.
والأمة
الإسلامية هي التي اخترعت فكرة "الوقف"
كآلية تنموية عظيمة، وفي العصر
الحديث عندما شعر الخديوي "إسماعيل"
بدنو الأجل وهو في الأستانة، أوقف كل
ما يملك على مدرسة ومستشفى في حلوان،
وكتب وصية رائعة أحفظ منها هذا الشطر:
"وهذا آخر سهم مال أطلقه في سبيل
الله، ولم يبق لي من متاع الحياة
الدنيا الزائل إلا ملابسي التي أستر
بها جسدي..".
وهاأنذا
أدعو مرة أخرى ـ بعيدًا عن الدولة
والبنوك والنقابات ـ إلى عمل "وقف"
للتنمية التقنية، وأنا أعرف عددا من
الأشخاص مستعدين للتبرع بممتلكات
تقدر قيمتها بملايين الجنيهات، ولا
يطلبون سوى آلية تشريعية جديدة
لعملية الوقف هذه لا تصد عن سبيل
الله ولا تنه عن المعروف؛ إذ إن
الآلية الوحيدة الموجودة هي من خلال
وزارة الأوقاف، وهي آلية قاتلة بكل
المقاييس، خاصة بعد أن تغيرت
طبيعتها منذ سبتمبر 1952.
الرجال
قبل المنشآت
وبالطبع،
فنحن لا نعفي الدولة من مسئولياتها،
فعليها عبء كبير في عمليات التطوير
العلمي والتقني؛ إذ ينبغي لها أولاً
أن تضع خريطة للمهام التنموية
المرجوة، وتضع لكل مهمة مشروعًا
مبدئيًا أو قل "شتلة" مبدئية
حتى يحتشد صالحو العلماء حولها، حتى
إذا كبرت "الشتلة" سعت الدولة
لتحميلها لأصحاب الأموال مشاركة لهم
فيها بالتذليل العاقل للعقبات.
ووضع
هذه الخريطة عملية صعبة، وليست
عملاً تافهًا نحشد له ـ من حولنا
ـ المنافقين، بل هو من أعمال البحث
العلمي الجادة، وطريقة الهند في هذا
الأمر تحتاج إلى مراجعة ودراسة؛ إذ
هي تتلخص في إنشاء مجموعة من المعاهد
البحثية التطويرية متمحورة حول
مجموعة من العلماء الثقات ووضع كل
الإمكانيات تحت أيديهم بعيدًا عن
ظروف الهند العامة والتي قد تكون
أسوأ من ظروفنا في العالم العربي، أي
أنهم هناك يبدءون بالعلماء ثم
ينتهون بالمنشآت، عكس ما يحدث لدينا
تمامًا؛ حيث نبدأ بالمنشآت ثم نبحث
عن الرجال!
لقد
اشترينا في العشرين سنة الأخيرة
كمًّا هائلاً من المعدات، وبنينا
كمًا هائلاً من المنشآت، ونسينا
الرجال، فأصبح كل ما اشتريناه وما
أنشأناه كسراب بقيعة، يحسبه الظمآن
ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا،
ووجد الله عنده فوفاه حسابه، إنه
التحالف الشيطاني بين جهلة الإدارة
وفساد الأخلاق، ولا حول ولا قوة إلا
بالله.
أسس
التنمية التكنولوجية
وفي
مقدمة لتقرير عن تصور لآلية لتنفيذ
مشروع حول الأقمار الصناعية، كتبت
كلامًا أحسبه نافعًا في كل مجالات
التقنية، قلت: إن الهدف ليس إطلاق
قمر فحسب، وإنما إعطاء تصور متكامل
عن الهيكل اللازم لبناء قاعدة علمية
تقنية من شأنها أن تبدع فرص الاحتشاد
اللازمة لبدء أي عمل جاد، ونحن لا
نبدأ من فراغ، ففي مصر-مثلا- طاقات
مبثوثة في جامعاتها ومراكزها
البحثية والصناعية..
طاقات
قادرة بإذن ربها أن تصوغ نقطة بدء
قوية، وأن تكون البوتقة التي سنضع
فيها كل إمكانياتنا المبعثرة وكل
عون يأتينا من الداخل أو الخارج
لتكوين هذه القاعدة العلمية
والتقنية ينبغي أن يكون هو نقطة
البدء في أي نشاط فضائي في الدولة.
وهذه
المنظومة الفضائية المرتقبة ستشغل
نفسها بكل ما يتعلق بالفضاء، مركبات
وتكنولوجيات، فالهدف ليس هو المركبة
وحدها، ولكن امتلاك التكنولوجيا
المصاحبة والتي ستعين على تطبيقات
متعددة تخدم البيئة التكنولوجية في
الأمة، الأمر الذي لا يأتي إلا من
محصلة للعمل الذاتي له "خوارزم"
دقيق نلخصه فيما يلي:
1-
لكل تكنولوجيا عمل مصاحب؛ فالعلم
والتكنولوجيا زوجان متكاملان
ولكنهما متمايزان، ومن ثم، ينبغي أن
نستيقن من امتلاكنا للعلم المصاحب.
2-
فلنبدأ ببناء المعامل البسيطة
بأنفسنا، وكلما اعتمدنا على أجهزة
بسيطة كان خيرًا لنا.
3-
القياس روح التمدين، وهو روح العمل
الهندسي، والقدرة على القياس لا
يمكن الحصول عليها من غير تدريب على
المعمل آناء الليل وأطراف النهار.
4-
علينا أن نستنفذ كل السبل لإدراك
تقنية بعينها، ولا نتوجه إلى الخارج
إلا إذا أعيتنا السبل كلها في هذه
الجزئية التي لا نستطيع إدراكها.
5-
هناك بنية أساسية ينبغي توافرها في
الأمة قبل أن تشرع في التوجه إلى
تقنية متقدمة بعينها، ويمكن أن تكون
هذه البنية متوافرة في الأمة،
ولكنها موزعة في أماكن متفرقة، لذلك
فالتخطيط المركزي شديد الأهمية في
كل الأحوال.
6-
ينبغي أن يتم اختيار المنظومة التي
تقوم بالتخطيط بعناية شديدة وبمعيار
ثابت "العلم والأمانة"؛ فالوهن
سحابة ثقيلة في صدور الرجال.
7-
يتطلب استنبات التكنولوجيا حجمًا
معينًا حرجًا من الإمكانات المادية
والبشرية، ويصبح من العبث أن نزعم
أننا نفرنا إلى تكنولوجيا تحتاج إلى
الملايين وكل عدتنا بضعة آلاف، ومن
الأهمية بمكان أن نطلب من البشر ما
يطيقون، ومن العبث كذلك أن تضيق
الدولة على شبابها العلماء وتقتر،
بينما تبسط يدها في التعامل الخارجي
الذي لم نجن منه إلا الحنظل، في
الوقت الذي لا يجد فيه العلماء عند
أصحاب القرار التقني ما يحملونهم
عليه، فيتولوا وأعينهم تفيض من
الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون.
وبعد،
فإذا كنا لا نملك من أمر الدولة
شيئا، ونحن لسنا من أهل القرار فيها،
وقد تركناه لعباقرة الإستراتيجية
قرابة الخمسين عامًا، فإننا ـ على
الأقل ـ ينبغي أن نتنادى مخلصين بعمل
"وقف" قومي للتنمية التقنية،
أما طبيعة هذا الوقف وآفاقه
والمجالات التي فينبغي أن نتفق
عليها، فلهذا تفصيل ـ كما ذكرت
سابقًا ـ كنا قد أنجزناه في اللجنة
العلمية في نقابة المهندسين، فك
الله أسرها وحررها من الحراسة
الجاثمة فوقها.
ولعلنا
في مقال لاحق نفصل بعض هذه الأمور،
ولله الأمر من قبل ومن بعد، "والله
غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا
يعلمون".
|