|
"إذا
كنا في زمن الأحلام الفردية، فمهمتنا
أن نصنع الحلم العام".
"الاهتمام
بالبيئة يعني اكتشاف وتنمية الموارد
قبل أن يكون مكافحة للتلوث".
"البيئة
ملكية عامة في زمن ضاعت فيه هيبة
الملكية العامة".
"إستراتيجيتنا
في العمل من أجل البيئة ترتكز على
تعظيم الالتزام، أو تحقيق الإلزام".
"نحن
نعمل بأسلوب المناصرة أو الدفاع عن
الحقوق Advocacy".
هكذا
تكلم الدكتور "عادل أبو زهرة"
أمين عام "جمعية أصدقاء البيئة"
في الإسكندرية، أستاذ العلوم
السلوكية بجامعتها، فما هي قصة
تلك الجمعية؟ هذا ما ستجيب عليه
السطور التالية..
نشأة
الجمعية وأهدافها
تأسست
جمعية أصدقاء البيئة بالإسكندرية -
مصر في سبتمبر من عام 1990 على خلفية
الإحساس بمدى التدهور الذي أصاب
البيئة بالمدينة، بداية من عقد
السبعينيات؛ حيث بدأت المكونات
الطبيعية لها تعاني من مظاهر متعددة
من التلوث. وقد اعتمدت الجمعية في
عملها على إستراتيجيتين أساسيتين:
أولا:
تكوين تيار عام داخل محافظة
الإسكندرية متعاطف مع قضية حماية
البيئة، عن طريق تزويده بالمعلومات
والمعرفة الصحيحة عن البيئة وعن
مواردها ومكوناتها، وما أحدثته
الأنشطة الإنسانية فيها.
ثانيا:
أن تكون الجمعية جماعة ضغط على صانع
القرار، وعلى منفذ القرار، وعلى
الذين يلوثون البيئة، وعلى الذين
ينتهكون القوانين، وعلى المنوط بهم
مراقبة الالتزام بالقانون.
وقد
أدت هاتان الإستراتيجيتان إلى جعل
الجمعية نمطا مختلفا من الجمعيات
الأهلية، على قدر ما هو غير مألوف،
على قدر ما هو مطلوب في البيئة
العربية التي يقل فيها الالتزام، وهي
في أشد الحاجة إلى الإلزام.
المشكلات
البيئية للإسكندرية
من
المهم عند هذه النقطة أن نشير إلى حجم
وطبيعة المشكلات البيئية في
الإسكندرية:
-
الإسكندرية
هي ثاني أهم المدن المصرية؛ حيث يعيش
فيها حوالي 4 ملايين نسمة، وهي أيضا
ثاني أهم مركز صناعي في مصر؛ حيث
يتركز فيها 37 % من حجم الصناعة المصرية.
-
وتنتج
الصناعات الموجودة بها أكثر من مليون
متر مكعب من المخلفات السائلة
المحملة بحوالي 260 طنًا من المواد
الصلبة العالقة يوميا، وتُلقى هذه
المخلفات بغير معالجة في البحر وفي
بحيرة مريوط جنوب الإسكندرية، وفي
ترع المياه العذبة وفي المصارف
ومجاري الصرف الصحي.
-
كما
تنتج المدينة يوميا أكثر من مليون متر
مكعب من مخلفات الصرف الصحي
المختلفة، المختلطة بالصرف الصناعي
ومخلفات المستشفيات ومحطات الوقود،
وتلقى نصف هذه الكمية تقريبا بغير
معالجة في المسطحات المائية، أما
النصف الآخر فيلقى بعد معالجة أولية
في بحيرة مريوط. ويوجد في زمام
المحافظة 200 ألف فدان من الأراضي
الزراعية التي ينتج عنها صرف زراعي
محمل بمتبقيات مبيدات حشرية ومخصبات
كيميائية تصل في النهاية إلى
المسطحات المائية.
-
أما
هواء المدينة فيتم تلويثه بأكاسيد
الكربون وأكاسيد الكبريت وأكاسيد
النيتروجين والهيدروكربونات والرصاص
والأمونيا وغبار الأسمنت؛ نتيجة
للأنشطة الصناعية ومحطات توليد
الطاقة و300 ألف سيارة تجوب شوارع
المدينة، إضافة للتلوث الناتج عن حرق
القمامة؛ حيث تنتج المدينة حوالي 3
آلاف طن. كما تعاني المدينة من ضوضاء
رهيبة نتيجة الأنشطة البشرية
المختلفة. كذلك تعاني من قلة المساحات
الخضراء وفراغات الترفيه. وتخسر
المدينة سنويا بعض أبنيتها المتميزة
إما بالهدم أو التداعي أو بالإهمال أو
التشويه. كما يوجد بالمدينة 57 منطقة
عشوائية يعيش فيها حوالي 35% من
سكانها، إضافة إلى مخالفات البناء
التي انتشرت فشوهت النسيج المعماري
لها.
أساليب
عمل الجمعية
عملت
الجمعية منذ نشأتها على تحقيق
الالتزام أو الإلزام في التعامل مع
البيئة مواردها ومشكلاتها؛ فاكتسبت
خبرات متنوعة في مجال التوعية
البيئية والتدريب البيئي والتربية
البيئية، وتنظيم الحوار الجماهيري
وإثارة الرأي العام وتحريكه للمشاركة
في حل أو الضغط لحل بعض المشكلات، عن
طريق استخدام وسائل الإعلام
المختلفة، إضافة إلى خبرة في مجال
الاحتكام للقضاء لوقف بعض صور
الاعتداء على البيئة.
جلسات
الاستماع الجماهيري:
وهي
من الوسائل التي تعتمد مبدأ
المشاركة، والتي تحقق كلا المطلبين
الإستراتيجيين للجمعية الالتزام
والإلزام. يقول عنها الدكتور عادل أبو
زهرة: كانت هذه الجلسات من أكثر
الوسائل إسهاما في رفع وعي
المواطنين؛ حيث كان يُدعى إليها
ممثلون حكوميون وممثلون لمراكز
وأقسام البحث العلمي، ومواطنون
عاديون، وصيادون سمك أميون، وممثلون
للجمعيات الأهلية وممثلون لمؤسسات
صناعية، ويتباحث الجمع في القضية محل
الاهتمام للوصول إلى حل لها، فيدون
ويوقع حتى يكون ملزما لجميع الأطراف
الحاضرين.
وقد
كان من أبرز نتائج هذه الجلسات إنقاذ
بحيرة مريوط من الردم أو التجفيف،
كذلك تم إيقاف إلقاء مخلفات الصرف
الصحي في مياه البجر المتوسط،
وتحويلها لتصب في الصحراء، والتخطيط
للاستفادة منها في زراعة الأشجار.
التفاوض
والضغط الإعلامي:
حيث
نجحت الجمعية من خلال الضغط على صانع
القرار في المحافظة، من خلال حسن
استخدام وسائل الإعلام المختلفة
وتحريك الرأي العام أن تجعله يقبل بعض
المشكلات البيئية. وحققت الجمعية
عددا من النجاحات من خلال هذا الأسلوب
منها: إغلاق 12 مصبا بحريا كانت تلقي
بمخلفات الصرف الصحي في مياه البحر
المتاخمة للشواطئ التي يستخدمها
المواطنون في فصل الصيف.
الاحتكام
إلى القضاء:
كانت
جمعية أصدقاء البيئة أول جمعية أهلية
تلجأ للقضاء لوقف بعض القرارات أو
التصرفات التي كانت ستضر بالبيئة،
وفي هذا الإطار قامت الجمعية برفع 12
دعوى قضائية منذ تأسيسها، وحققت
نجاحات أعطت الأمل في إمكانية وقف
الاعتداء على البيئة، استنادًا
للتشريعات القائمة بالفعل، ومن
أمثلة
الأحكام التي حصلت عليها الجمعية:
-
الحكم الصادر بوقف قرار إداري صادر عن
المحافظة بتحويل مساحة من الأرض
مخصصة في التخطيط العمراني لإقامة
حديقة عامة لأهالي منطقة سموحة،
وتحويلها إلى موقف ضخم لسيارات
الأقاليم. وكانت الجمعية قد قامت بعمل
مسح وحصر للمساحات الخضراء بالمدينة،
وتبين أنها تدهورت من 1/3 فدان لكل ألف
مواطن عام 1958 لتصل إلى 1/5 فدان لكل ألف
مواطن عام 1994، ولما لم تفلح محاولات
إقناع المحافظ بالعدول عن قراره تم
اللجوء للقضاء.
-
اللجوء إلى المحكمة للضغط على هيئة
النقل العام بالإسكندرية لإصلاح خط
الترام بها، والمنشأ عام 1863، وكانت
تجره الخيول في البداية، ثم تم تحويله
إلى قاطرة بخارية حتى بداية القرن؛
حيث تم تشغيله بالكهرباء، لكن إهمال
الصيانة لفترات طويلة أدت إلى ازدياد
الضوضاء عن الحد المسموح به دوليا،
والتي تستمر لمدة 20 ساعة يوميا؛ حيث
أثبتت الدراسات الطبية أن أكثر سكان
الإسكندرية شكوى من تدهور حاسة السمع
هم السكان الذين يقطنون بالقرب من
الترام، بل تم رصد حالات تدهور سمعي
لدى الأطفال.
-
وكانت الجمعية قد خاطبت المسئولين
بالهيئة، وأثارت الموضوع في الصحف،
واتصلت بأعضاء البرلمان دون جدوى،
وفي أثناء نظر دعوى الجمعية أمام
القضاء وافقت الحكومة على تخصيص مبلغ
25 مليون جنيه لعمل الإصلاحات اللازمة.
أساليب
أخرى:
-
قيام الجمعية بإنشاء 90 ناديا لأصدقاء
البيئة في المدارس والنوادي ومراكز
الشباب، تقوم الجمعية بتوعية
أفرادها، وإجراء المسابقات بينهم،
وإقامة المعارض البيئية.
-
تدريب القيادات الوسيطة والشابة في
المنشآت الصناعية على الإدارة
البيئية للمنشآت الصناعية، وتقييم
الأثر البيئي، ووضع خطط للالتزام
البيئي، وكذلك تدريب المدرسين في
المدارس، وكذلك ضباط الشرطة
والعاملين في الإدارات الحكومية
والجمعيات الأهلية، وتدريب العاملين
في المسابك كجزء من برنامج نقل
المسابك خارج الكتلة السكنية
وتحديثها والتقليل من تأثيرها السيئ
على البيئة.
-
إعداد الدراسات والبحوث الخاصة
بمشكلات البيئة للمحافظة ونشرها،
ولعل من أهمها "الدليل المبسط
لتشريعات حماية البيئة والصحة في مصر
وكيفية الاستناد إليها"و"في
الإدارة البيئية للمنشآت الصناعية"و"المشكلات
الصحية والبيئية للعاملين في المسابك"و"تدهور
البيئة وأمراض فقراء الحضر" .
-
إقامة مسيرة سلمية في الخامس من يونيه
من كل عام (يوم البيئة العالمي)؛ بهدف
رفع وعي المواطنين بمشكلات البيئة
وبتشريعات حماية البيئة، وحقهم في
الحياة البيئية السليمة.
الدفاع
عن الحقوق البيئية لا يجد من يموله
لما
لاحظت أن الكثير من مشروعات الجمعية
البيئية تمولها هيئات أجنبية، أثرت
الموضوع مع الدكتور "عادل أبو زهرة"
فكان رده:
لا
يوجد أحد يهتم بتمويل الجمعيات
العاملة في مجال الدفاع عن الحقوق،
أغلب التمويل المحلي يذهب إلى
الجمعيات الرعائية، والتنموية.
وأضاف
أن الجهات الحكومية والشركات الخاصة
تحصل على تمويل أجنبي لأعمالها،
فلماذا يحظر ذلك على الجمعيات
الأهلية؟.
المفروض
أن تقوم تلك الجمعيات بإخطار الجهات
الرقابية والمسئولة، لا أن تستأذنها،
وأضاف أنه يشترط أن تتعامل تلك
الجمعيات في تلك الأموال بشفافية،
وأن تذهب الأموال لتحقيق المصلحة
العامة، لا إلى إثراء أعضاء تلك
الجمعيات، كما يشترط ألا يتدخل
المانح في اختيار المشروع. وأضاف أن
الهيئات الدولية تنفق 17مليار دولار
في التنمية على المستوى العالمي،
نصيب مصر منها 0.2% فقط.
اقرأ
أيضًا:
مركز
القدس للبحوث التطبيقية
|