منذ
اليوم الأول لشهر رمضان المبارك،
يلاحظ المتابع للشارع المصري بروز
أشكال التدين التلقائي بشكل لافت في
أوساط قطاع كبير من الشباب وحتى بين
المراهقين؛ فمن المعتاد أن تشاهد
مصريين يحرصون على تلاوة القرآن
الكريم في وسائل المواصلات العامة،
فضلا عن انتشار ذلك في أروقة المساجد.
ففي
مترو الأنفاق المتجه إلى جامعة
القاهرة لفت الأنظار شاب يتلو القرآن
بصوت رخيم عذب، وكان صوته مسموعًا كأنه
أراد أن يصل صوته إلى باقي الركاب.
وعندما جاءت محطة الجامعة همّ بالنزول.
وقال
إبراهيم جاد -19 سنة- طالب بكلية التجارة
لشبكة "إسلام أون لاين.نت": "إنه
يحرص كل رمضان على إتمام القرآن خلال
الشهر، وحينما أكون في المواصلات أو
بين المحاضرات أستغل هذا الوقت في
استكمال السور التي وصلت إليها".
وأضاف
إبراهيم: "كنت في البداية أشعر
بالقلق عندما أتلو القرآن في الأماكن
العامة بصوت عالٍ، لكنني اكتشفت أنني
أحقق فائدة للمحيطين لي سواء في
الجامعة أو المنزل أو حتى المواصلات
ممن لم تُتح لهم الفرصة لقراءة القرآن".
وتابع
"كما أنني أسمع كلمات الثناء من
المحيطين الذين يسمعون تلاوتي، خاصة
أنني أحفظ نصف القرآن منذ صغري؛ حيث
كنت أتردد على كُتّاب مجاور لمنزلنا في
محافظة كفر الشيخ شمال مصر"، ويبتسم
إبراهيم قائلاً: "تصور أنه ذات مرة
سمعت إحدى السيدات صوتي فعرضت عليّ
أن أزورهم، وأقرأ القرآن في منزلهم
خلال شهر رمضان نظير مبلغ كبير، لكني
رفضت؛ لأنني أمارس هوايتي، وفي نفس
الوقت أحاول أن أستمر في إتمام حفظ
القرآن، وربما في المستقبل أفكر في
احتراف التلاوة".
أما
مروان محمود -17 سنة- بكلية طب القصر
العيني فقد وقف في محطة الأتوبيس،
وبيده مصحف صغير، وأخذ يقرأ فيه بصوت
غير مسموع، اقتربت منه وسألته عن شهر
رمضان وتأثيره الإيماني على الناس،
فقال: الإنسان المؤمن المتمسك بعقيدته
والمحافظ على دينه لا ينتظر رمضان أو
أشهرًا معينة كي يثبت فيها التزامه،
ولكن الأصل أن يكون المسلم ملتزمًا في
كل أيام العام، وربما يضاعف التزامه في
رمضان، أما غير الملتزم فلا يهمه رمضان
أو غيره.
وأضاف
مروان أنه طوال الشهر الكريم يمارس
حياته العادية، ويضاف إليها أمران
أساسيان: الأول هو تقسيم القرآن على
أيام الشهر، ثانيًا: أداء صلاة الفجر
في مسجد الحسين، وهي عادة تبدو مرهقة،
لكن بالاعتياد عليها أصبحت جزءًا من
سلوكي اليومي.
وفي
ميدان التحرير جلست فتاة على أحد
المقاعد المواجهة لمجمع المصالح
الحكومية بالميدان، وأخرجت من حقيبتها
مصحفًا، وأخذت تقرأ غير عابئة بما يدور
حولها من زحام وضوضاء.
وقالت
فاطمة -25 عامًا-: إنها تعمل مدرسة للغة
عربية وتربية دينية في إحدى المدارس
الخاصة بمنطقة الزمالك، وكانت في
انتظار بعض زميلاتها في طريقهن لزيارة
أحد ملاجئ الأيتام لتقديم بعض الهدايا
للأطفال فيه؛ لأنها وزميلاتها اعتدن
على ذلك كل عام منذ عدة سنوات.
وتضيف
فاطمة "نحن ننتهز الشهر الكريم في
تكثيف أعمال الخير التي تفيد الناس،
خصوصًا المحتاجين؛ لأن رمضان ليس
صومًا وحسب، بل يجب أن يغلف الصوم بكل
ما هو خير ومفيد للناس".
قصار
السور
وبجوار
أحد أسوار السفارة الأمريكية العالية
وقف جندي الحراسة "محمد"، وهو
يقرأ بعضًا من قصار السور القرآنية
بصوت مسموع، وعندما اقتربت منه رفض
الحديث، وبعد محاولات لإقناعه قال: إنه
من إحدى قرى محافظة المنيا بصعيد مصر.
وأضاف
أنه يؤدي الخدمة الإلزامية في الأمن
المركزي، ويأمل أن يعود سالمًا لأهله؛
فهو يقضي 20 يومًا، ويحصل على 10 أيام
إجازة كل شهر يعمل خلالها باليومية
ليوفر مصاريفه باقي الأيام التي
يقضيها في القاهرة.
ويقول
محمد: إنه برغم عدم استكمال تعليمه..
فإنه يحفظ بعضًا من السور القصيرة التي
كان قد حفظها بالبلدة على يد أحد مشايخ
القرية، وإنه يتلو هذه السور، ويعيدها
كثيرا حتى لا ينساها، مشيرا إلى أنه
يحتفظ في جيبه بمصحف صغير حصل عليه
هدية من أحد المارة من أهل الخير في أول
أيام شهر رمضان.
وأوضح
أنه لا يستطيع أن يفتح المصحف ليقرأ به
أثناء أدائه واجباته المتمثلة في
الخدمة على إحدى البوابات الجانبية
للسفارة الأمريكية، ويضيف أنه يحتفظ
في جيبه أيضا براديو صغير ليتابع من
خلاله ما يجري في العالم من حوله.
توزيع
الوجبات بالسيارة
ويقول
يوسف شهاب -وهو رجل أعمال إندونيسي
مقيم في القاهرة منذ طفولته-: إنه اعتاد
أن يشتري كمية من المصاحف في كل عام
قبيل شهر رمضان، ويقوم بتوزيعها على
المساجد وعلى طلبة المدارس.
ويضيف
أنه يقوم في كل يوم من أيام رمضان
بإعداد عدد من الوجبات الجاهزة، ويقوم
بتوزيعها على أبناء السبيل، ورجال
المرور، وسيارات الإسعاف، وكل من
يؤذَّن عليه المغرب وهو في الطريق، من
خلال سيارته التي يستقلها بصحبة ابنه.
ويقول
أحد سكان منطقة بولاق الدكرور الشعبية
بمحافظة الجيزة: لقد اعتدنا منذ 3 سنوات
أن تأتي سيدة غنية بسيارتها الفخمة،
وخلفها سيارة أخرى نصف نقل تحمل وجبات
جاهزة، تقوم السيدة بتوزيعها بنفسها
على المارة من العمال والطلاب.
ويضيف
"هذه وسيلة جديدة بديلة لموائد
الرحمن التقليدية التي تحولت إلى موضة
يتنافس فيها الفنانون والأثرياء، كما
أن هناك من يعمل الخير دون أن يشعر به
أحد، وهؤلاء في تزايد مستمر، خصوصًا في
ظل أوضاع اقتصادية معقدة ضاعفت من
الأعباء التي تواجه أوساط محدودي
الدخل".