|

جرائم إسرائيل حولت وفاء لاستشهادية
فلسطين- مها عبد الهادي- النجاح للصحافة/ 31-1-2002
اختلطت
أحاسيس الحزن بأحاسيس الفخر لدى الحاجة
صفية إدريس عندما سئلت عن مشاعرها بأنها
والدة أول فتاة استشهادية فلسطينية
تنفذ عملية تفجير داخل إسرائيل.
كانت
الحاجة صفية التي التقتها مراسلة "إسلام
أون لاين.نت" في ردهة منزلها البسيط
في أحد أزقة مخيم الأمعري القريب من رام
الله تضم إلى صدرها صورة ابنتها وفاء
علي إدريس (26) عاما التي نفذت عملية
القدس الغربية يوم الأحد 27-1-2002.
وتبدأ
الحاجة صفية التي تبلغ الخامسة والستين
من العمر حديثها بالقول: "ابنتي شهيدة..
إنها بطلة.." وتابعت: "الحمد لله على
كل حال، لم أتصور يوما أن تقوم وفاء
بعملية، لكنني وإن كان الألم يعتصرني
على موتها فإنني أشعر بالفخر".
تقول
صفية: إنها شاهدت ابنتها للمرة الأخيرة
صباح يوم الأحد 27-1-2002 حينما توجهت إلى
مقر عملها في اتحاد جمعيات الهلال
الأحمر الفلسطيني في البيرة، واختفت
آثارها حتى انتشرت المعلومات التي تشير
إلى قيام وفاء بالعملية الاستشهادية.
وتشير
والدة الاستشهادية الفلسطينية إلى أنها
وابنتها تربطهما علاقة خاصة؛ حيث عاشتا
في منزل العائلة في السنوات الثلاث
الأخيرة إثر طلاق وفاء من زوجها.
كانت
وفاء قد تزوجت من أحد أبناء عائلتها
المنحدرة من مدينة الرملة التي دمرتها
قوات الاحتلال في العام 1948، وأجهضت وهي
في الشهر السادس من حملها بسبب مرض ألم
بها، وبعد طلاقها من زوجها انتقلت
للإقامة مع والدتها. وخلال هذه الفترة
تمكنت وفاء الحاصلة على شهادة الثانوية
العامة من الالتحاق بدورة "سكرتاريا
طبية" لدى جمعية الهلال الأحمر
الفلسطيني، وانضمت إلى ذات الجمعية
كمتطوعة ضمن 3000 متطوع آخر يعملون
بالجمعية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
آلام
الشهداء تحرك الوجدان
وتقول
شقيقة وفاء التي تسكن ذات المخيم: إن
وفاء التي أسندت إليها مهمة المشاركة في
تقديم الإسعافات لجرحى المواجهات في
رام الله والبيرة عانت بشدة بحكم عملها
من المشاهد المؤلمة والواقع المرير
الذي كانت تواجهه وهي تقدم الإسعافات
لضحايا رصاص الاحتلال. وتضيف بأن وفاء
كانت تحدث والدتها والأقارب عما تشاهده
بشكل متكرر.
وقاطعت
الأم كلام ابنتها قائلة بأنها كثيرا ما
كانت تعود إلى البيت وقد نالها التعب
الكثير من المواجهات والمضايقات، التي
تقوم بها قوات الاحتلال ضد طواقم
الإسعاف الفلسطيني.
وتعتقد
والدة وفاء أن الظروف الصعبة التي كانت
تمر بها وفاء، ومعاناتها التي شاركت بها
جميع قطاعات الشعب الفلسطيني الذي تعرض
لشتى أنواع ومظاهر العدوان الإسرائيلي
هي التي دفعتها للقيام بتنفيذ عملياتها
الاستشهادية. يذكر أن وفاء كانت قد
أصيبت برصاصات مطاطية إسرائيلية،
وهاجمها جنود إسرائيليون أثناء
ممارستها لعملها.
وطنية
مبكرة
وأشارت
الحاجة الفلسطينية بأن وطنية ابنتها
وفاء ظهرت منذ نعومة أظفارها، حيث
اعتادت التوجه إلى مواجهات انتفاضة
العام 1987 وزيارة الجرحى والمعتقلين،
باعتبارها إحدى الناشطات في لجنة
المرأة في مخيم الأمعري.
كما
أن وفاء عاشت طيلة فترة حياتها في أزقة
وشوارع مخيم الأمعري وتلقت تعليمها
الأساسي في مدرسة إناث الأمعري التابعة
لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين. وعايشت
وفاء فترات الاحتلال والظلم والامتهان
التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، خاصة
أنها تنتمي إلى أسرة شردها الاحتلال
الإسرائيلي من بلدتها الأصيلة الرملة.
يذكر
أن وفاء كانت تعيش في كنف أسرة مكون من
ثلاثة أشقاء وأم بعد أن توفي والدها،
ولها شقيقة من أبيها تعيش في الولايات
المتحدة الأمريكية.. وينتمي إخوة وفاء
الثلاثة إلى حركة فتح التي يتزعمها رئيس
السلطة الفلسطينية ياسر عرفات والتي
نفذ جناحها المسلح عدة هجمات وعمليات ضد
إسرائيل.
كان
والد وفاء قد توفي بينما كانت لا تزال
طفلة صغيرة وأخرجتها أمها من المدرسة
أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى،
والتي استمرت من عام 87 إلى 1993 خوفا عليها
من قمع الاحتلال خلال مشاركتها في
فعاليات الانتفاضة.
اختفاء
إلى الأبد
وتروي
الحاجة صفية إلى "إسلام أون لاين.نت"
تفاصيل يوم العملية الاستشهادية التي
اختفت فيه ابنتها عن الأنظار قائلة: "لم
تعتد وفاء الابتعاد عن المنزل وتركه
لفترة طويلة؛ ولذا ساورني الخوف عليها
فطلبت من أشقائها البحث عنها طوال
الأيام الماضية؛ فقاموا بذلك، ولكن
دونما جدوى. وتضمنت عملية البحث مكان
عمل وفاء، خصوصا أنها قصدته يوم
اختفائها إلا أن مخاوف العائلة ازدادت
حينما فشلت جميع محاولات البحث".
وتؤكد
والدتها بأن العائلة امتنعت عن إبلاغ
أجهزة الأمن الفلسطينية باختفاء آثار
وفاء على أمل العثور عليها، إلا أن هذه
الآمال تبددت بعد إعلان اسم وفاء كمنفذة
لعملية القدس.
أما
شقيقها الأكبر خليل إدريس ابن الخامسة
والثلاثين عاما فقال: إن البيان الذي
وزع في مخيم الأمعري ووقعته "كتائب
شهداء الأقصى"، وأعلن فيه أن منفذة
العملية هي ابنة كتائب شهداء الأقصى كان
هو الدليل الوحيد لدى العائلة الذي فك
لغز اختفاء وفاء.
فقد
تحدث البيان عن العملية بالقول "في
عملية نوعية لا سابق لها في قلب الكيان
الصهيوني، استطاعت إحدى مقاتلات هذا
الشعب الثائر تنفيذ العملية الأخيرة في
شارع يافا في قلب القدس الغريبة… إنها
الشهيدة البطلة ابنة الكتائب الأبية
وفاء علي إدريس 26 عاما من سكان قلعة
الصمود مخيم الأمعري".
شرف
للأسرة
واعتبر
خليل أن العمل الذي أقدمت عليه شقيقته
هو شرف للأسرة ولمخيم الأمعري ولكافة
أبناء الأمة العربية، مشيرا إلى أن هذا
العمل يأتي انتقاما لكل الأطفال
والنساء والشيوخ والشبان الذين قتلتهم
القوات الإسرائيلية بدم بارد، وكرد على
الاعتداءات ضد الشعب الفلسطيني.
وكان
الإعلان عن علاقة وفاء بالعملية قد أثار
ردود فعل قوية في ذلك المخيم الصغير
الذي تشهد أزقته على وفاء، واضطر أفراد
عائلة وفاء لمغادرة منزلهم تخوفا من قصف
قوات الاحتلال الإسرائيلي للمخيم وهو
ما لم يطل طويلا؛ حيث بدأت الدبابات
الإسرائيلية الجاثمة على مداخل المخيم
بقصفه بعنف وبمختلف الاتجاهات، لكن أهل
المخيم ورغم هذا القصف باتوا يعتزون بأن
يكون لمخيمهم شرف احتضان أول استشهادية
فلسطينية.

|