|

الأربعاء
12/9/2001
بيان الدكتور يوسف القرضاوي بشأن تفجيرات أمريكا
الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله.
(وبعد)
إننا
نأسف أشد الأسف لما حدث من هجمات على
مركز التجارة العالمي وغيره من
المنشآت في الولايات المتحدة
الأمريكية، برغم معارضتنا للسياسة
الأمريكية المتحيزة لإسرائيل
المساندة لها على كل الأصعدة
العسكرية والسياسية والاقتصادية.
ذلك
أن ديننا الحنيف يحترم النفس
الإنسانية ويجعل لها حرمتها، ويحرم
الاعتداء عليها، ويجعل ذلك من أكبر
الكبائر، حيث قرر القرآن: "أن من
قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض
فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها
فكأنما أحيا الناس جميعًا"، وقال
رسول الإسلام: "لا يزال الرجل في
فسحة من دينه حتى يسفك دمًا حرامًا"
ولا يجيز الإسلام بحال القتل
العشوائي للناس بحيث يؤخذ البريء
بالمسيء، والمظلوم بالظالم، فإنه لا
تزر وازرة وزر أخرى.
لقد
رأى الرسول الكريم امرأة مقتولة في
إحدى المعارك، فأنكر ذلك بشدة وقال:
ما كانت هذه لتقاتل!
ومعنى
هذا أن الأصل في الحرب الإسلامية
المشروعة: أن لا يُقتل فيها إلا من
يقاتل بالفعل، ولا تُقتل امرأة ولا
شيخ ولا طفل، ولا راهب في صومعة
متفرغ لعبادة الله.
ومن
هنا كان قتل آلاف الناس من المدنيين
السالمين الذين لا ذنب لهم، ولا دور
لهم في اتخاذ القرار السياسي، وهم
يسعون لكسب عيشهم كالذين قُتلوا في
هذه الانفجارات -يعتبر جريمة كبيرة
في نظر الإسلام، وهو الدين الذي أعلن
رسوله أن امرأة دخلت النار من أجل
هرّة حبستها حتى ماتت فكيف بالإنسان
الذي كرمه الله واستخلفه في الأرض؟
ونحن
العرب المسلمين أكثر الناس إحساسًا
بمآسي القتل العدواني وآثاره على
النفس والحياة، ونحن نعاني منه
يوميًا في أرضنا المقدسة "فلسطين"
من قبل الكيان الصهيوني المتجبر،
حيث نصبح ونمسي على بيوت تُهدم،
ومزارع تحرق، وأرواح تزهق، وأطفال
تيتّم. حتى أصبحت الحياة في فلسطين
مأتمًا دائمًا، وحينما يقاوم
الفلسطينيون هذا العدوان فإنهم
يستهدفون وقف النزيف والدمار لا
زيادة رقعته بإيقاع المزيد من
الضحايا الأبرياء.
وإني
لأستبعد كل الاستبعاد أن يقوم بهذا
العمل أحد من المسلمين الملتزمين
بدينهم الفاهمين له، فإن دينه ينهاه
عن قتل من لا ذنب له. ولو فُرض أن هذا
وقع من مسلم –كما تروّج بعض الجهات
المغرضة- فنحن ننكره ونجرّمه، باسم
ديننا وشريعتنا، ونؤكد أن فاعل ذلك
العدوان يستحق في الإسلام العقوبة
الشرعية الرادعة مهما كان دينه أو
عرقه أو جنسه.
ولكن
الذي نحذر منه –أيا كان الفاعل- أن
تؤخذ أمةٌ بأسرها بجريمة أفراد
محدودين، أو يتهم دين بأنه دين العنف
والإرهاب، فقد سبق لأفراد مسيحيين
في أمريكا نفسها -كما في حادث
أوكلاهوما سيتي الشهير- أن قام به
مسيحي أمريكي، بدوافع خاصة، فلم
تُتهم المسيحية ولا أمريكا ولا
العالم المسيحي من أجل جريمته التي
اقترفها؟
ولطالما
سئلت في حلقات تليفزيونية وفي
محاضرات عامة، عن عمليات فدائية
خارج فلسطين، فكان جوابي: إنني مع من
يرون حصر المعركة في أرض فلسطين
المحتلة، ومقاتلة العدو المحتل
المباشر، وعدم جواز نقل المعركة
خارج فلسطين؛ لأن المنطق هنا مستمد
من القرآن الكريم الذي يقول: "وقاتلوا
في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا
تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين".
إن
هذا الحادث الفظيع لا يستفيد منه
فلسطيني ولا عربي ولا مسلم. بل هو
يشوّه صورة الإسلام إذا صدر عن مسلم،
ولا يستفيد من هذا العمل غير إسرائيل
وحدها، ومن غير المستبعد تورط
استخباراتها فيه، فهي التي استغلت
انشغال العالم بالمأساة الحالية،
لتضاعف ضرباتها للفلسطينيين،
واقتحام مدينة جنين وغيرها، وتكثف
قصفها وقتلها الجماعي للشعب
الفلسطيني المحاصر عسكريًا،
واقتصاديًا، والمهدد بالبطالة
والجوع. كما أن إسرائيل تستغل
الدعاية المغرضة المصاحبة للحادث في
كسب الرأي الشعبي العالمي لصالحها،
بعد ما بدأ في التململ مؤخرًا
منتبهًا لفظائع النظام العنصري
الإسرائيلي الغاشم، وما الإدانة
الصريحة الصادرة عن ملتقى المنظمات
غير الحكومية بمؤتمر ديربان منا
ببعيد.
كما
أن الحملات المنظمة لإلصاق هذه
الاعتداءات بالعرب والمسلمين تؤذي
ملايين المسلمين الذين يعيشون في
أمريكا، وأصبحوا جزءا لا يتجزأ من
مجتمعها، وهم يجتهدون في الإسهام في
خدمة بلدهم ومجتمعهم الأمريكي. كما
يجتهدون أن يقدموا صورة مشرفة
للإسلام الذي يدعو بالحكمة والموعظة
الحسنة والحوار بالتي هي أحسن. ومثل
هذا العمل البشع يشوش عليهم دعوتهم،
ويعوق مسيرتهم، ويكرس الصورة
الذهنية الشائعة عنهم، والتي
اختلقتها جهود متواصلة من أعداء
الإسلام والمسلمين.
وإني
لأدعو المسلمين في أمريكا أن
يسارعوا بأداء واجبهم في إنقاذ
المصابين وفي التبرع بالدم، فهو من
أعظم الصدقات عند الله، لما فيه من
إحياء نفس بشرية "ومن أحياها
فكأنما أحيا الناس جميعًا"، وقد
علمنا رسولنا: أن في كل كبد رطب أجرًا.
كما أني أقدم عزائي للشعب الأمريكي،
ولأهالي المصابين، سائلاً الله أن
يلهمهم الصبر وأن يعوضهم خيرًا.
وأني
لآمل أن يكون هذا الحادث الأليم
القاسي محركًا لضمير الإدارة
الأمريكية لتراجع سياستها الخارجية
التي أوجدت لها العديد من الأعداء
حول العالم، ولتراجع كذلك موقفها
المنحاز أبدًا لإسرائيل المعتدية
المستكبرة في الأرض بغير الحق،
ولتنظر نظرة عادلة في مأساة الشعب
الفلسطيني الذي أُخرج من داره
وشُرّد من أرضه ظلمًا وعدوانًا،
والذي لا تزال تُنتهك حرماته، وتدنس
مقدساته، ويقتل أبناؤه وبناته،
وتدمر بيوته ومنشآته. فليس هنالك
أبلغ من الأحداث الكبيرة في إحياء
النفوس، وإيقاظ الضمائر، وتغيير
المواقف: "إن في ذلك لعبرة لأولي
الأبصار".
أ. د. يوسف
القرضاوي
الدوحة-الأربعاء
24 جمادى الآخرة 1422هـ
الموافق 12/9/2001
|