|

تنوير
الشورى بالديمقراطية في كتاب يمني
أبوظبي
-حاتم كمال -إسلام أون لاين.نت/13-4-2001
"الحركات
الإسلامية في البلدان العربية لحقت
بها الكثير من التهم والانتقادات،
أبرزها وأنكؤها تهمتا الإرهاب
والعمالة للمخابرات الأجنبية،
ولنفي تهمة الإرهاب سعى كثير من
أصحاب الأقلام ذات التوجه الإسلامي
التنويري لطرح مفاهيم تجديدية
واجتهادية تدافع عن الإسلام وتصد
الهجمات التي تستهدف النيل من
ثقافته وحضارته القائمة على الحوار
والتسامح ونبذ العنف".
بهذه
المقدمة بدأ الكاتب اليمني الشاب
عبد الله علي صبري كتابه "الإسلاميون
والديمقراطية في اليمن" الصادر
حديثا عن مركز عبادي للدراسات
والنشر.
ويدور
الكتاب حول فكرة أساسية هي تعزيز
الكتابات الإسلامية ذات التوجه
التنويري، والتي لا تصادر آراء
الآخرين وتقدم رؤيتها بهدوء، وتمضي
تاركة للآخرين حقهم المشروع في
مقاربة هذه الأعمال.. كل على طريقته
ومنهجه في التفكير والزاوية التي
ينظر منها، والتيار الذي ينتمي
إليه، والمصالح الاجتماعية التي
يعبر عنها وتحكم طريقته في التفكير.
في
الفصل الأول يعرض لمحة تاريخية عن
الشورى في العصر الإسلامي الأول وما
تلاه في العصور اللاحقة من انحراف عن
النهج الشوروي الذي أرساه النبي
الكريم والخلفاء الراشدون من بعده،
وينقل عن المفكر الإسلامي إبراهيم
بن علي الوزير قوله: "لقد مرت
الشورى الإسلامية بمحنة منذ استأثرت
فئة بالحكم بدون مشورة المسلمين؛
حيث توطد حكم كسروي قيصري غريب عن
روح الإسلام، ولا تزال الأمة تعاني
من آثاره المظلمة حتى اليوم".
ويشير
المؤلف إلى أن سماء التاريخ
الإسلامي -باستثناء فترة الخلافة
الراشدة وفترة عمر بن عبد العزيز-
تلبدت بصور الاستبداد في الحكم، كما
تراكمت الممارسات التسلطية
المنحرفة عن المنهج الإسلامي في
الحكم، حتى صار الاعوجاج مألوفا
ومسنودا بالفقه السلطوي المعتمد على
طاعة الحاكم مهما اشتد ظلمه
وانحرافه واستبداده؛ ثم إن الغطرسة
في الحكم واستسلام جماهير المسلمين
لهذا الانحراف أديا في النهاية إلى
تجزئة الدولة الإسلامية وهزيمتها
أمام أعدائها.
وقد
اهتم الكاتب بترتيب مراجعه
وتنسيقها، وانتقاء الآراء
والاقتباسات التي يوردها لمفكرين
إسلاميين بدقة بحيث تنسجم مع فكرته
الأساسية في وضوح وإيجاز، ففي عرضه
للاستبداد وتأثيره يقتبس عن
الكواكبي تفسيره لما يسمى في الفكر
الفلسفي بالعبودية المختارة: "إن
ألفة الاستبداد جعلت الأمة لا تسأل
عن الحرية ولا تلتمس العدالة ولا
تعرف للاستقلال قيمة أو للنظام
مزية، ولا ترى لها في الحياة وظيفة
غير التابعية للغالب عليها، أحسن أو
أساء على حد سواء".
وحين
يعرض المؤلف للشورى والديمقراطية في
الفكر الإسلامي المعاصر يورد عن زيد
الوزير: "إن الديمقراطية هي
الشورى، ولا فرق كبيراً بين
المصطلحين إلاّ من حيث إن الشورى
تزيد عن الديمقراطية بامتلاكها
ثوابت إلهية".
الإسلاميون
والديمقراطية.. لا تعارض
في
الفصل الثاني ينتقل إلى تتبع
العلاقة بين الإسلاميين
والديمقراطية من خلال الرؤى الفكرية
التي تصدر عن شخصيات تنتمي إلى هذا
الحقل، ويرى بأن علاقة الإسلاميين
بالديمقراطية بحاجة إلى حسم واضح،
مبرراً ذلك بأن "الإسلام هو
الثقافة والقوة النفسية المحركة
للأمة الإسلامية، وبالتالي فمن
الضروري أن يتيقن المسلمون من أن
الديمقراطية لا تتعارض مع الأصول
الصافية للإسلام".
هذه
الفكرة هي لب المشكلة في علاقة
الإسلاميين بالديمقراطية، فقد تم
تقديم مصطلح الديمقراطية للناس من
قبل الخطاب السلفي وكأنها المرادف
اللفظي للتفسخ والانحلال ولمجتمع لا
تحكمه أية ضوابط أخلاقية، وبأنها
وسيلة الغرب لاختراق المسلمين
والقضاء على الدين الإسلامي، وهنا
يورد المؤلف تعريفا للديمقراطية
نقلا عن أحد المفكرين الإسلاميين:
الديمقراطية فكرٌ مناهضٌ ومناقضٌ
لاحتكار الصواب، وبالتالي لا تدعي
بأنها النظام المثالي، وهذه هي
ميزتها الأساسية".
ويصنف
عبد الله صبري التعبيرات الفكرية
للإسلاميين عن الديمقراطية في
اتجاهين: الاتجاه السلفي، والاتجاه
العقلاني.. ويفرق بين فريقين ضمن
الاتجاه الأول أحدهما يرفض
الديمقراطية، والآخر يتحفظ عليها.
ويبرر
السلفيون رفضهم للديمقراطية –حسب
المؤلف- على اعتبارها لعبة لتنفيذ
المخططات الغربية من أجل قطع الصلة
بين المسلمين وكل ما يربطهم بدينهم،
وكذلك يتعللون بأن الممارسة الفعلية
للسلطات غير ديمقراطية، ويقعون بذلك
في شرك الخلط بين الديمقراطية كحق
وكمبدأ وكممارسة سلطوية.
أما
التيار المتحفظ من الاتجاه السلفي
فيستنتج المؤلف أن حاجته للبقاء ضمن
إطار اللعبة السياسية جعلته يصبغ
مواقفه بصبغة التحفظ، فهو من جهة لا
يستطيع الرفض التام للديمقراطية ومن
جهة يحتفظ لنفسه بعلاقة مع تكوينه
الباقي الرافض من خلال إبداء التحفظ.
ويمثل
الاتجاه الآخر: التيار العقلاني
الذي ينطلق من رؤى فكرية إسلامية
مستنيرة معتمدا على التجديد في
الفكر الإسلامي، وبالتالي كان
التيار الأكثر قبولا للديمقراطية،
ويقدم نفسه للناس من خلال تبنيه
الواضح للتعددية والانتخابات وحقوق
الإنسان ومجتمع المؤسسات ودولة
القانون، أي على أساس أن
الديمقراطية وسيلة خيرة وعلى الذين
يتهمونها بالكفر وينذرون الداعين
إليها بالويل والثبور أن يخافوا
الله.
وفي
الفصل الثالث يبحث الكاتب في علاقة
الأحزاب الإسلامية في اليمن
بالديمقراطية من خلال دراسة الخطاب
السياسي لثلاثة أحزاب هي: اتحاد
القوى الشعبية، وحزب الحق، والتجمع
اليمني للإصلاح، ويستقصي هذه
العلاقة من خلال علاقة الخطاب
السياسي لكل حزب على حدة في القضايا
التالية: الشورى، الديمقراطية،
المجتمع المدني، الليبرالية،
الحريات، التعددية، المعارضة
والانتخابات، ويلاحظ عدم تجلي هذه
العلاقة في الخطاب السياسي اليومي
تجاه القضايا المختلفة التي زخر بها
العقد الماضي منذ بداية الوحدة،
وكان من شأن ذلك التوسع في الدراسة
لكي توضح تشابك المصالح والنشأة
السلطوية واندراج حزب ما ضمن النظام
السياسي المهمين، ربما تكون عوامل
أكثر قوة في تحديد الخطاب السياسي
وتبين مدى انسجامه مع مقولاته، وهذه
العوامل بالذات - كما يرى المؤلف- هي
المدخل الأهم لتقصي الخطاب السياسي
لحزب كالتجمع اليمني للإصلاح، على
سبيل المثال.
في
عرضه عن اتحاد القوى الشعبية
اليمنية يقول الكاتب: "إنه من أعرق
الأحزاب اليمنية في الساحة؛ إذ يرجع
تاريخ نشوئه إلى عام 1960 حين طرح
إبراهيم الوزير مشروعا لالتقاء
القوى الوطنية في جبهة شعبية متحدة·
بعد إحباط حزب الشورى (الشورويون
التعاونيون) في عدن إثر هجوم سلطات
الاستعمار على مقرات الحزب وإغلاقه.
وقد
بدأ الإعداد لمشروع اتحاد القوى عام
59 م بعد فترة قصيرة من حزب الشورى،
وطرح المشروع على بعض القوى في
القاهرة وصدر البيان الأول سنة 1962 ثم
عمل على طرح آرائه وأفكاره ومشاريعه
الإسلامية.
ويخصص
الكاتب الفصل الأخير لتقصي المدى
الذي تذهب إليه الأحزاب الثلاثة في
اعتماد الديمقراطية كآلية داخلية
للحوار وحل المشاكل العارضة،
فالخطاب الديمقراطي لا يكتمل بدون
ممارسة ديمقراطية داخلية منضبطة،
فالديمقراطية ليست وسيلة للتعامل مع
الآخر فقط، بل هي وسيلة لتطوير الذات
واختيار الطروحات التي مرت عليها
عقود وهي منعزلة في أبراجها العاجية.
وأخيرا
يقول عبد الله علي صبري في خاتمة
كتابه: إنه ما إذا كان التيار السلفي
الرافض للديمقراطية والمتحفظ عليها
قد استطاع أن ينفذ بفكره إلى عقول
على رأس هرم الأحزاب الإسلامية، فإن
التيار العقلاني كسر هذا الجمود،
واستطاع أن يقدم الديمقراطية على
أنها الحل الإسلامي لمشكلة
الاستبداد بالحكم الذي ألفته
مجتمعاتنا العربية والإسلامية
قرونا طويلة.
مستقبل
الديمقراطية في اليمن يحتم على هذه
الأحزاب مواجهة كثير من التحديات
لصيانة الديمقراطية وتصحيح مسارها،
فهي مطالبة باتخاذ خطوات عملية للحد
من تزوير الانتخابات، وانتهاك حقوق
الإنسان، وخنق الحريات وخصوصا حرية
الصحافة، وهي مطالبة بمواجهة الفكر
السلفي الرافض للديمقراطية
والتحديث في اليمن، وهي مطالبة
بتحقيق كل ذلك بانتهاج وسائل
ديمقراطية معتمدة على الحوار
والقبول بالرأي الآخر.
|