|

الانتفاضة زادت التكافل بين الفلسطينيين في رمضان
فلسطين - الجيل للصحافة -إسلام أون لاين/7-12-2000
غاب
مدفع رمضان وحلّ دوي الرصاص
والقذائف والقنابل في كل مكان،
واعتاد الناس على هذا الغياب ولم
يفتروا، بل زادهم صوت الرصاص طربًا
خاصة عند غياب الشمس.
يقول
أبو فريد الذي يعيش على الخط الشرقي
لمدينة غزة والذي يشاهد كل يوم بأم
عينيه شهيدا أو جريحا: إن رمضان
اليوم رغم كثرة الدماء ورغم الضيق
والحصار وسياسة التجويع التي
تمارسها السلطات الإسرائيلية له طعم
خاص، وعاد بنا إلى سنوات قد خلت، حيث
التكافل الاجتماعي والدفء في
العلاقات الأسرية، مشيرا إلى أهمية
هذا الأمر "الذي افتقدناه منذ
الانتفاضة الأولى، وحالة التراخي
والترف والتفكك التي انتابتنا
لسنوات طوال وهي كالجبل".
المساجد
ممتلئة
ويشير
"صالح البنا" إلى أن الظاهرة
اللافتة للنظر هي هجرة المواطنين
الفلسطينيين في هذا الشهر للهو، حيث
كان المعتاد في شهر رمضان التحلق
لمشاهدة التلفاز والمسلسلات ساعة
أوقات الصلاة، ولكن بالنظر إلى رواد
المساجد الآن تجدهم جميعا من الشباب
والأطفال، وليس ذلك فحسب، بل أصبحت
كافة الصلوات مزدحمة وكأنها صلاة
يوم الجمعة، والمساجد تمتلئ عن بكرة
أبيها، ويخرج المصلون للصلاة في
الطرقات القريبة للمسجد حتى أصبح
هذا المشهد مألوفا طوال أيام رمضان،
وهي ظاهرة تؤكد ليس فقط إسلامية
الشارع الفلسطيني بل إسلامية القضية
الفلسطينية.
القيام
بجزء كامل
ويحدثنا
الشاب نبيل أحمد (25 عاما) موظف في
وزارة الصحة الفلسطينية ويعمل إماما
في المسجد في حيه عن ظاهرة آخذة في
الانتشار، وخاصة في صلاة التراويح
وهي حجم عدد المصلين الذين يصلون
بجزء كامل من القرآن كل ليلة، وهذا
العدد يتزايد بعد أن كان لا يصلي هذه
الصلاة إلا نفر قليل، فالجميع كانوا
يصلون فقط ثماني ركعات ثم ينصرفون
إلى حيث يريدون، ولكن هذا العام تميز
بتزايد المصلين بعد الركعات الثماني
لإكمال الصلاة ببقية الجزء من
القرآن، وهم في الحقيقة خليط من
الشباب والرجال كبار السن والأطفال.
موائد
حفظ القرآن
وقد
انتشرت في المساجد حلقات حفظ القرآن
الكريم، وخاصة أيام هذا الشهر
الفضيل فمثلا في مسجد "ابن سلطان"
وهو مسجد يقع في حي التفاح بمدينة
غزة، تجاوز عدد رواد حلقات حفظ
القرآن الكريم 200 طفل وفتى، ورغم صغر
هذا المسجد إلا أن الزحام فيه يفوق
كبريات المساجد في العالم الإسلامي،
وحتى في فلسطين نفسها؛ ومن كثرة
المريدين والمترددين على موائد
القرآن يقسم المشرفون على المسجد
الأطفال إلى مجموعات: هذه بعد الظهر
وتلك قبل صلاة العصر، وثالثة بعد
صلاة العصر.
ويقول
أبو محمد وهو أحد المشرفين على هؤلاء
الأطفال: إنه رغم المعاناة وضيق
المكان إلا أنه يجد في نفسه ما يثلج
صدره لهذا العدد المتزايد من
المقبلين على موائد القرآن، والذي
كنا نفتقده في الأيام الماضية حتى
إننا نجد حرجا شديدا عندما نرفض
استقبال المزيد من المترددين على
حفظ كتاب الله، ونضغط على أنفسنا
وعلى المشاركين حتى نتمكن من
استيعاب أكبر عدد ممكن.
ركود
دور اللعب واللهو
وهذا
العام تميز باختفاء بعض مظاهر
الاحتفال التي كانت موجودة في العام
الماضي؛ ففي العام الماضي –مثلا-
قامت البلديات بإنارة أكبر قدر ممكن
من الشوارع العامة بالزينات
الكهربائية، وكذلك بالفوانيس
الرمضانية الكبيرة المعلقة في كافة
الشوارع والتي تعطي شكلا جميلا
وانطباعا بالهدوء والفرح، ولكن
أحداث الانتفاضة وشلال الدماء
المتدفق كل يوم حرما هذه الشوارع
زينتها؛ فكيف تتزين ودماء أبنائها
تنزف وكل يوم يسقط الشهيد والجريح؟!.
وكذلك
من المظاهر الملموسة هذا العام أن
كثيرا من الأماكن العامة كالمقاهي
وبعض صالات الألعاب الإلكترونية
التي انتشرت بشكل مخيف على سبيل
المثال في قطاع غزة أصبحت تعاني من
ركود كبير، حتى أنها لا تفتح أبوابها
في ليالي رمضان، ليس كنوع من
العبادة، ولكن لعدم وجود رواد لها؛
فالجميع هجرها؛ ليس خوفا من الأحداث
ولكن حبا في الذهاب إلى أماكن أفضل
وهي دور العبادة وحلقات الذكر
والعلم.
وتستمر
الحياة بقدر المستطاع بين الناس،
ويبقى الناس متمسكون ببعض عاداتهم
التي اعتادوا عليها خلال شهر رمضان،
سواء من الطعام أو الحلويات وغيرها،
وإن كانت بشكل لا يقارن بالسنوات
الماضية، فالمار في الأسواق يشاهد
باعة القطايف، وقد انتشروا في كل
مكان، والإقبال الجماهيري عليهم كما
هو. ورغم الجرح النازف إلا أن الحياة
تستمر.
|