|

الإيطاليون:
"لن نسمح لمئذنة أن تُلْقِيَ
بظلالها على كنائسنا"
ميلانو
- قدس برس- إسلام أون لاين
"لن
يُسمح لمئذنة أن تلقي بظلالها على
كنائسنا"، هذا هو الشعار الذي
تردد خلال مظاهرة قام بها مؤيدو
رابطة الشمال في مدينة "لودي"
الواقعة بالقرب من ميلانو، أما
السبب فيكمن في رفضهم لبناء مسجد
للمسلمين في المنطقة.
وكانت
إدارة البلدية التي يقودها اليسار
الديمقراطي قد منحت المسلمين قطعة
أرض مجانية تبلغ مساحتها 1500 متر مربع
على أطراف مدينة لودي بينما يستعد
المسلمون لإقامة مسجد عليها
بأموالهم، في خطوة قوبلت بتصعيد
شديد اللهجة من جانب الكنيسة
واليمين المتطرف.
ويشن
حزب رابطة الشمال ومجموعات فاشية
أخرى حملات ضارية لحشد سكان المدينة
الذين يبلغ عددهم 43 ألفاً خلف نداءات
الدفاع عن "الطابع الثقافي
المسيحي" للبلاد.
ويعيش
في لودي نحو ألف مسلم، علاوة على
ألفي مسلم آخرين يقطنون في الإقليم
ذاته، ويؤدون الصلوات في صالات
المصانع والأقبية المنزوية، دون أن
تتوفر لهم حتى الآن الفرصة للصلاة في
مسجد جامع.
تحذير
من حملة ضد الإسلام
وقد
أثارت الحملة المعادية للمسلمين ضجة
واسعة النطاق تجاوزت حدود المنطقة؛
إذ قابلت الأحزاب السياسية تلك "التوجهات
العنصرية والمعادية للأجانب"
التي تروج لها رابطة الشمال
بالانتقاد الشديد، لأن القوى
الحزبية تدرك جيداً مغزى إثارة هذه
الحملة، بينما تقف البلاد على أعتاب
حملة انتخابية يتطلع اليمينيون
المتطرفون إلى حصد المزيد من
الأصوات فيها.
ولم
يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ عمد
زعيم اليسار الديمقراطي "والتر
فيلتروني" إلى كيل الاتهامات إلى
زعيم المعارضة "سيلفيو برلسكوني"
على خلفية مؤشرات تحالفه القوى مع
"أومبرتو بوسي" –زعيم رابطة
الشمال- لتشكيل ائتلاف يميني يمسك
بزمام البلاد. ورأى فيلتروني أنّ
ائتلافاً كهذا من شأنه أن يطأ بقدميه
الحقوق الأساسية الأوروبية.
وأما
فرانسيسكو روتيلي -أبرز مرشحي تحالف
يسار الوسط- فيرى من جانبه أنّ رابطة
الشمال قد سلكت "طريقاً قاتماً"
وتقوم باتخاذ "مواقف سبق وأن جلبت
الرعب لأوروبا"، في إشارة ضمنية
إلى تشبيهها بالنازية في ألمانيا
والفاشية في إيطاليا.
وترددت
انتقادات من أوساط اليمين ذاتها، إذ
أدان جيانفرلنكو فيني -الذي يتزعم
"التحالف الوطني"- المظاهرات
المعادية للمسلمين والمناهضة
لتشييد المساجد، بوصفها "عدواناً
على الحرية الدينية".
ومن
جانبهم أوضح ممثلون عن حزب "إيطاليا
قوية" بزعامة برلسكوني أنهم
يطمئنون العالم أجمع أنّ الائتلاف
اليميني الإيطالي سيقف على الدوام
إلى جانب الحرية والتسامح، على حد
تأكيدهم.
تحذيرات
من المستعمرات الإسلامية!
بدوره
لم يقف زعيم "رابطة الشمال"
بوسي مكتوف اليدين إزاء سيل
الانتقادات التي تجتاح حزبه بعد
تبنّيه للحملة المعادية للإسلام؛ إذ
سارع إلى اتهام الأحزاب اليسارية
المنافسة له بأن انتقاداتها لا تزيد
عن كونها "دعاية محضة".
ورداً
على من يتهمونه بالتعدي على الحرية
الدينية ذهب بوسي إلى الزعم بأنّ
الدين مجرد "حق إضافي وليس الحق
الأهم للمواطن"، ولذا فإنّه أكد
أنّ مواطني شمال إيطاليا يريدون
صيانة لهويتهم من تأثير "المستعمرات
المسلمة" التي نشأت في جنوب
لومبارديا، على حد تعبيره.
وفي
حقيقة الأمر فإنّ إثارة الحملة ضد
المسلمين لم تبدأ في الأوساط
السياسية، أو في رابطة الشمال
تحديداً، وإنما فجّرها كبار
الكرادلة في الكنيسة الكاثوليكية؛
إذ جاءت في أعقاب مطالب كاردينال
بولونيا "جياكومو بيفي" التي
رددها بحضور ممثلين عن الكنيسة،
للحكومة بالكف عن السماح للمسلمين
بالهجرة إلى إيطاليا، والاقتصار على
استقبال المهاجرين الكاثوليك،
مشدداً على أنّ إيطاليا بلد
كاثوليكي، ومن واجب الدولة أن تحمي
الهوية الثقافية للشعب، كما جاء في
مطالبه.
عجز
الكنيسة؟!
ويؤكد
الدكتور أبو شويمة –مدير المركز
الإسلامي في ميلانو ولومبارديا- أنّ
"هذه التصريحات ليست جديدة على
بعض رجالات الكنيسة الكبار؛ إذ سبق
وأدلى بمثلها كاردينال منطقة كومو،
كما اشتهر ما صرّح به الكاردينال
أزمير من التحذير من المسلمين في
أوروبا، وأنهم يريدون أن يغزو
أوروبا. وهذه التصريحات في الواقع ما
هي إلا إعلان ضمني عن فشل الكنيسة في
منح الإنسان ما يبحث عنه من الراحة
النفسية والتألق الروحاني، ولذلك
يبدو لهم أنّ الإسلام وحده الذي
يستطيع أن يقنع الناس، إذا ما أتيحت
لهم الفرصة لرؤية الحقيقة وإشباع
رغبات الروح المفقودة في العالم
الغربي".
ويعلق
أبو شويمة في حديث لـ"قدس برس"
على مطالب الكاردينال بيفي
بالحيلولة دون هجرة العمالة المسلمة
إلى إيطاليا بالقول: "هذا يبرهن
على قدرة العامل المسلم البسيط على
جذب الإيطالي الكاثوليكي إلى
الإسلام، وهذا اعتراف واضح بالفشل
من قبل الكنيسة"، على حد قوله.
ورداً
على تصريحات الكاردينال بيفي
الداعية إلى المعاملة بالمثل، والتي
طالب فيها الحكومة الإيطالية بعدم
السماح للمسلمين بإنشاء المساجد
إلاّ بقدر ما يكون من كنائس في بلاد
المسلمين، فإنّ مدير المركز
الإسلامي في ميلانو ولومبارديا يقول:
"ينبع هذا من جهل أو تجاهل من جانب
هذا الكاردينال، ولو استجابت
الحكومة الإيطالية له فإنه سيتوجب
عليها بلا شك أن تقوم بما لا يريده هو
من بناء مئات بل ألوف المساجد؛ حتى
تعامل المسلمين بمثل ما يُعامل به
النصارى في بلاد المسلمين"، كما
قال.
امتعاض
في الأوساط الكاثوليكية
لكن
الاتحادات الاجتماعية الكاثوليكية
لم تبد هي الأخرى رضاها عن المواقف
الحادة لبيفي ومؤيديه في الكنيسة،
وذلك من منطلق نفي الخطورة المحتملة
من المسلمين على الهوية المسيحية
لإيطاليا، خاصة وأنّ عدد المسلمين
لا يتجاوز نصف المليون شخص.
واحتجت
تلك القوى المعارضة لنداءات بيفي
بنموذج جزيرة صقلية الإيطالية التي
يعيش فيها المسيحيون والمسلمون في
جوار آمن منذ أجيال. ورأت تلك
الأوساط أنّ الحملة المضادة للمساجد
من شأنها أن تشعل حريقاً دينياً.
وتعليقاً
على ذلك يقول الدكتور علي أبو شويمة:
"الشعب الإيطالي بجملته ليس شعباً
عنصرياً أو يرفض الثقافات الأخرى،
فهناك الفئات والقطاعات الكثيرة
التي ترحب بتعدد الثقافات واختلاط
الشعوب وامتزاج ثقافاتها. وبلا شك
أنّ هناك تيارات تثير مثل هذه
الزوبعات لتحقيق مكاسب سياسية أو
توازنات قوى ما"، كما ذكر لموفد
"قدس برس".
وبعد
أن أثار حزب رابطة الشمال امتعاضاً
شديداً في البرلمان الأوروبي، بعد
المقاومة الشديدة التي أبداها نوابه
لميثاق الحقوق الأساسية الذي يوشك
الاتحاد الأوروبي على إقراره
نهائياً، بدا للمراقبين أنّ زعيم
الحزب المتطرف قد اتخذ له عدواً
جديداً هو الإسلام، وجعل من مسلمي
إيطاليا هدفاً لحملاته المحمومة.
بينما لا يتورع في هذه الأثناء عن شن
"حملة صليبية جديدة" ضد
المساجد، بتعبير الصحافة المحلية،
وبدعم مباشر من جانب كرادلة أصوليين
في الكنيسة الكاثوليكية.
وتقدر
مصادر منظمة كاريتاس الكاثوليكية
عدد المسلمين في عموم إيطاليا بنحو
560 ألفاً، ويبدو ذلك عدداً محدوداً
جداً بالمقارنة مع أعداد المسلمين
في البلدان الأوروبية الأخرى مثل
فرنسا وألمانيا وبريطانيا
وإسبانيا، التي يُعدّون في كل منها
بالملايين. لكن هذا الحجم المتواضع
الذي يقل عن نسبة واحد في المائة من
سكان البلاد لا يثني بوسي عن التحذير
من الاجتياح الإسلامي الذي سيجعل
المسلمين "يدوسون علينا"، على
حد وصفه.
إعلام
اليمين المتطرف: أوروبا في شباك
الإسلام
وبدورها
تتولى صحيفة "لا باندايا"
الناطقة باسم رابطة الشمال سكب
المزيد من الزيت على نار الحملة
الضارية؛ إذ تنشر المزيد من
العناوين الصارخة من قبيل "أوروبا
في شباك الإسلام"!. ولا يختلف هذا
الهجوم المباشر على الدين الإسلامي
عن تصريحات مثيرة للجدل رددها
الكاردينال بيفي مؤخراً مثل "الإسلام
دين ضال".
وفي
أتون الحملة جاءت مسيرة السادس عشر
من تشرين أول (أكتوبر) لتضم نحو ألف
يميني متطرف رددوا الهتافات
المعادية للإسلام في لودي ونددوا
بالمسلمين علانية. وشوهدت في
المسيرة التي وصفها الإعلام
الإيطالي بـ"الحملة الصليبية"
لافتات مثل "على باندايا (شمال
إيطاليا) أن تبقى مسيحية ولا يُسمح
لها أن تغدو مسلمة"، إلى جانب
شعارات "رابطة الشمال" وحزب "إيطاليا
قوية" فضلاً عن رايات "الحركة
الاجتماعية" التي تضم فاشيين
جدداً.
وتوجت
المظاهرة التي قد لا تكون الأخيرة
سلسلة من المسيرات المماثلة في
لومبارديا وفينيتو ضد المساجد
والإسلام والمسلمين، أثارت جميعها
قلقاً واسعاً في صفوف مسلمي
إيطاليا، الذين يتطلعون إلى ممارسة
شعائر دينهم أسوة بالطوائف الدينية
الأخرى في البلاد.
وتشير
المصادر الرسمية إلى وجود ثلاثة
مساجد في إيطاليا حالياً، أبرزها
المسجد الكبير في روما الذي افتتح
أبوابه عام 1995، ومسجد في ميلانو وآخر
في صقلية. لكن معظم المسلمين لا تتاح
لهم فرصة الصلاة وإقامة الشعائر
الإسلامية إلا في صالات مصانع
مستأجرة وأقبية ضيقة.
ويبقى
السؤال المحير: هل تبقّى ما يدعو
للتفاؤل بشأن مستقبل التسامح الديني
في إيطاليا الكاثوليكية بعد أن قام
هذا "التحالف المقدس" بين
اليمين والكنيسة؟! الطبيب المسلم
أبو شويمة الذي يعيش في إيطاليا منذ
ثلاثين عاماً ينظر بقلق إلى "الصعوبات
الكثيرة" التي تعترض مستقبل
العلاقة، لكنه لا يخفي إيمانه "بقدرة
الساعين إلى الحوار وتلاقح الثقافات
على إثبات إمكانية التعايش
والاختلاط بين الثقافات والأديان،
وأن تتولد عن ذلك روح إيجابية من
التعايش الذي آمل أن نشهده في
إيطاليا"، كما تحدث بنبرة يعلوها
الأمل
|