الرئيسية

بحث بحث متقدم

New Hijri Year 1429

نفحات وأدبيات

طريق الهجرة

أحداث وتأملات

تقاويم

أبطال الهجرة

فتاوى 

صوتيات

وسائط متعددة

أحداث وتأملات

إنه عيد الحب

هبـة زكريـا

7/1/2008

من هنا كانت البداية...

من مكة قلب العالم ومركزه النابض بالإيمان.

من قلب محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي فاض بالحب والرحمة للعالمين فاحتوى الدنيا بأسرها واستجلى معالم الطريق واضحة أمام ناظريه فمضى دون عقبات، ومن خلفه تلك المجموعة المصطفاة من البشر يضيئون الدنيا بجلال الدين، فيضعون عن البشرية إصرها.. ويحررون قلوب الناس من أسر الهوى والنفس والشيطان.. فلا تجد ملاذها إلا في السجود بين يدي الرحمن، حيث السيادة الحقة والحرية المطلقة.

إنها سيمفونية حب ما زالت تتردد على مسامع الزمان والمكان.. تتناقلها أفئدة وعت الغاية وتذوقت لذة السير على الدرب، فكأن نغماتها قد سجلت بحروف من نور على جُدر القلوب... قلوب من نسجوها في حينها.. وقلوب من عشقوها من بعدهم جهادًا ونية.

سيمفونية حب تسامى بالبشر عن بشريتهم فكأنهم ملائكة يقتاتون إياه.. فهو دفق الدماء في عروقهم ونبض الحياة في قلوبهم.

معزوفة متفردة تبزغ على دنيانا سنويًّا كشمس تبدد ظلمات النفوس إذ نحلق سويًّا مع بعض مقطوعاتها لعلها تقود قلوبنا إلى ذات الطريق.. طريق الحب.

أما المقطوعة الأولى فهي الخيط المتين الذي انتظم حبات القلوب في عقد لؤلؤي ما زال يتألق على جِيدِ الحياة.. إنه حب الله لرسوله وللفئة المؤمنة من أصحابه المهاجرين والأنصار.

فأما رسوله فيبشره وهو مطارد من دياره.. يتقلب أصحابه بين التشريد والبقاء تحت لفحات العذاب في هجير مكة المتقدة حقداً على الدين الجديد.. يبشره قائلاً: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم}.

نصر؟!.. أفي التشريد والإبعاد والمطاردة نصر؟!

نعم نصر.. {إن تنصروا الله ينصركم}، ولقد نصره رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حينما انتصروا على أنفسهم فضحوا بالنفس والمال والولد والوطن وكل شيء فداء لدينهم، فكان حقًّا على الله نصرهم.

إنه حب الله لعباده الصالحين.. حين تحسه في رسائل ربانية، تتخطى حاجز الذنوب وتذيب قسوة القلوب لتستشعرها، وقد مست روحك في أشد اللحظات ظلمة، فإذا شعاع الأمل والرضا واليقين يتألق فيها من جديد.. فتستمر الحياة مورقة في عينيك برغم كبدها وعنائها.. إن لك ربًّا خلقك لتتعامل مع مفردات الحياة بكل أصنافها وأنواعها.. بآلامها وآمالها.. أفراحها وأتراحها.. قسوتها وحنانها.. لكن.. إذا مادت بك السبل وضلت قدماك الطريق وضاقت عليك الحياة بما رحبت فإنه هناك ينتظرك ويطمئنك بأنه القادر أن يمسح عن قلبك دمع الأسى بلمسة ربانية حانية حين يقلب نواميس الكون لصالحك فيقول للشيء {كن فيكون}...

هو الله الذي تجلى حبه لعباده المهاجرين والأنصار، إذ يقول فيهم: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون}.

{الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم}.

{والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}.

نعم.. لقد شهدت كل أقوالهم وأفعالهم بل خطرات قلوبهم أنهم صدقوا فكان حقًّا على الله أن يصدقهم.

إنهم أولئك الذين خرجوا من دفء الحياة ونعيمها إلى حر البيداء وشقائها في طريق طويل لم يتزودوا له سوى بأفئدة فاضت حبًّا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.. وإخوانهم من الأنصار الذين مهما لاقوا من عنت الحياة وشظفها بذلوا وما بخلوا... عاطفة ومالاً وجهادًا.. فإذا بهؤلاء المعثرين المطاردين الذين يقتسمون القليل من متع الحياة يمتلكون قصور كسرى وضِياع قيصر في بضع سنين، وتعلوا رايتهم أربعة أخماس الكرة الأرضية بعد أن ضاقت بهم بطحاء مكة، وضجت رمالها من أنين دماء المعذبين منهم.

فهل قدمنا مثل هذا الحب لديننا حتى نستحق مثلهم.. حب الله؟!

الآن.. الآن يا رسول الله

"إني أحبك يا رسول الله".. فاض بها قلب الفاروق عمر ذات مرة فأطلقها لسانه للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإذا رسول الله يأخذ بيدي الفاروق ليعلمه كيف عليه وعلى كل مؤمن يأتي من بعده أن يحبه صلى الله عليه ويسلم، فيسأله إن كان هذا الحب يفوق أهله وأولاده؟ أيفوق حبه لماله؟ أيفوق حبه لوالديه؟

وتكون إجابة الفاروق قوية.. حازمة.. قاطعة.. "نعم"، إلى أن يسأله صلى الله عليه وسلم "أهو أحب إليه من نفسه؟" فيتألق صدق ابن الخطاب.. فنعم هذه المرة لا تملأ كيانه، ولا تستلب كل ذرة في وجدانه.. ومن ثم فلا يحق له أن ينطق بها لسانه.. ويعود إلى نفسه أيامًا يرودها ويربيها على هذا المستوى من حب رسول الله قبل أن يعود إليه قائلاً: "الآن يا رسول الله".. فيبتسم المصطفى مجيباً: "الآن يا عمر"..

إنه صدق الحب.. الذي وإن ترعرع أمامنا على يد عمر فإنه ولد على يد الصديق أبي بكر، الذي أسمع الدنيا أجمل ترانيم الحب.. فهو العازف الأول في سيمفونية الهجرة بعد مايسترو الحب محمد، صلى الله عليه وسلم.

إنه أبو بكر.. يهاجر تاركاً خلفه بناته وصغاره بين يدي طغاة قريش دون مال أو حماية سوى يقينه بأنه ترك لهم الله ورسوله.. ويمضي على درب الهجرة بين مكة التي أخرجتهم بدموع الفراق، وقد استبد القلق بها؛ إذ ترى الفخاخ التي نصبها لهم مطاردو قريش، والمدينة التي تنتظرهم بأكاليل الشوق ولهفة الأرض الجدباء إلى تَنَزُّلِ الغيث لتؤرخ لبداية دولة النور.. دولة الإسلام.

إنه أبو بكر.. المنشد الأول في قافلة الحب.. الذي برغم يقينه بأن الله يعصم نبيه من الناس فإنه لم يملك سوى أن يدور حوله -صلى الله عليه وسلم- من كل جانب حتى إذا أتى سهم غادر أصاب أبا بكر وأخطأ النبيَّ، فيفتديه بروحه ونفسه، فإن لم يأت السهم فلربما كانت بين جنبات الغار أفعى رابضة في الظلام تنتظر دفء جسد نابض بالحياة لتسلبه إياها.. فليكن إذن جسد أبي بكر لا جسد النبي -صلى الله عليه وسلم-.. حتى آهة الألم من إثر لدغة تنتزع الحياة لا يصح أن يطلقها فتؤرق النبيَّ الذي أسند رأسه إلى حجر الصديق وأخلد للنوم.. فإن حياة أبي بكر قاطبة لا توازي لحظة غفوة تتبدد من عين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. ولكن الحب الذي جمع بين قلبيهما لا يحتاج إلى أدوات كالكلمات والأصوات والإيماءات ليستشعر كل منهما بنبض الآخر، وكأنما قلب كل منهما يخفق بين جوانح صاحبه، فيستيقظ الحبيب ليجد دموع الأمل تكابد جاهدة لتتحرر من قيد الجفون، وتسيل على وجنة الصديق، ولكن أنّى لها ذلك أمام إرادة الحب الفولاذية، فيدرك المصطفى ما أصاب صاحبه فيمسح على مكان اللدغة، ويدعو له فيتبخر الألم كأنما لم يوجد من قبل.

إنه حب أغلى من الحياة.. فمتى تقول أنت كما قال عمر؟ ".. نعم.. الآن.. الآن يا رسول الله".

نزع الفؤاد.. ومناجاة الثرى

"والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرِجت منك ما خرجت".

بهذه الكلمات النازفة.. بألم الفؤاد لفراق مهبط الوحي ومرتع الصبا والشباب ودع النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة.. وطنه.

نعم.. إن للوطن في القلوب مكانا خطت حدوده الفطرة، ورسخت دعائمه العقيدة، وشيدت بناءه الأيام والسنين، وأقام ساريته الماء والهواء والقمر والسماء.. إنها ملامح الوطن عندما يحتويها قلب أحب.. فترى صورة الوطن وضاءة على صفحة الروح.. إنه حب المصطفى لوطنه الذي أورثه لأصحابه، فإذا بلال يترنم فور وصوله المدينة.. كأنه يناجي ثرى مكة ويبثه لوعة الفراق:

ألا ليت شعـري هل أبيتن ليلة    بـوادٍ وحولي إذخـر وجليل؟!

وهل أردن يوماً مياه مجـنـة     وهل يبدون لي شامة وطفيل؟!

إنه الحب الذي علمهم -إذ مكنهم الله من رقاب أعدائهم ورد إليهم أموالهم وفتح عليهم مكة التي خرجوا منها مطاردين مجردين من كل متاع- أن يعفوا ولا يقتصوا، وأن يعطوا ولا يسلبوا وأن يفتحوا قلوبهم للناس جميعًا كما فتح الله عليهم ورزقهم خير الدنيا والآخرة.

فهل تعلمنا مثلهم كيف نحب أوطاننا حبًّا يجعلنا نبني ولا نهدم.. نقبل ولا نحجم. نحمل الوطن في قلوبنا كما يحملنا ثراه؟.

ربُح البيعُ.. ربُح البيعُ

{ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد}.. تراك إذا ذقت مرارة الأسر، وذل العبودية، فكم تدفع لنزع ربقتها من عنقك؟!

لقد اكتوت روح صهيب بن سنان الرومي بقسوة الرق الذي تقلب على أشواكه مذ كان طفلاً صغيراً، فأدرك قيمة الحرية.. حرية الروح قبل الجسد.. فأبى إلا أن يكون عبداً لله وحده حتى ولو اشترى حرية روحه بكل ما لديه من متاع الدنيا بدءًا من ثروته وانتهاءً بعباءته وجلبابه.

هذا ثمن الحرية فماذا عن ثمن الحب.. إن كان يقدر بثمن؟!

عصفت به رياح الرق إلى أن حرره سيده عبد الله بن جدعان، وأصبح له تجارة ومال، ما إن التحق بركب الإسلام حتى اضطهدته قريش فيهما، وحينما صدر الأمر الإلهي بالهجرة بادر صهيب بتلبية النداء، فطارده فرسان قريش واحتجزوه على أعتاب مكة مهددين:

- أتيتنا صعلوكاً حقيراً، فكثر مالك عندنا، وبلغت ما بلغت، ثم تنطلق بنفسك ومالك؟ والله لا يكون ذلك.

لقد اتضحت المعادلة إذن.. ماله أو حبُّه الكبير.. الإسلامُ، فبادرهم بالرد الحاسم، وقد طاشت إحدى كفتي الميزان.

- أرأيتم إن تركت مالي تخلون أنتم سبيلي؟

- نعم.

فأنبأهم أين يخفي ماله، وقد فاز بما أراد، وانتظر أن يُخلّوا بينه وبين طريق الهجرة.. فهناك في المدينة قلوب تشتاق إليه ويشتاق إليها، ولكنه يفاجأ بهم يقولون:

- والعباءة التي على كتفيك أيضاً.

أتراه يتردد؟!

يَالَسَذَاجتهم.. بل حماقتهم.. فأي شيء يوضع في كفة أمام حب الله وحرية الروح؟!!

وما لبث أن دخل المدينة مستبشراً بلقاء حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى بادره الحبيب ببشارة الوحي: "ربُح البيع أبا يحيى"، ثم يتلو عليه: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد}.

فبكم تشتري قلبًا ليس ممن قال الله فيهم: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}، {فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم}، {أم على قلوب أقفالها}؟.

بكم تشتري قلبًا حرًّا.. يعرف كيف يحب؟.

أحب إليه مما سواهما

عام أو يزيد وهي تتجرع لوعة فراق الزوج والفجيعة في الولد ومغالبة قومها لها على دينها، عام كامل صاحبت كل شمس تشرق في سماء أيامه مذ تصافح أشعتها بطحاء مكة حتى تلملم بقايا الضوء من الثرى مرتحلة بعيداً نحو الغروب لتلملم معها عبرات هند بنت أمية الباكية على زوجها أبي سلمة من بني عبد الأسد، الذي ما إن عزم على الهجرة، وأعد لها راحلتها ووضع طفلهما الرضيع في حجرها حتى لحق به قومها من بني المغيرة مانعيه من اصطحابها معه في هجرته، وما كاد قومه يرون ذلك حتى تدافعوا ينازعون بني المغيرة الرضيع بحجة أنه ولدهم حتى خلعت ذراعه، ومن ثم هاجر أبو سلمة وبقيت أم سلمة رضي الله عنها في ديار قومها في حين احتفظ بنو عبد الأسد أهل زوجها بطفلها الرضيع، وبعد عام أو يزيد رق لحالها بعض أفراد قبيلتها فأطلقوها لتلحق بزوجها في ديار الهجرة وكذلك دفع أهل زجها إليها بطفلها الصغير.

وأمام هذا النموذج الرباني لا يمكنك سوى أن تقف مشدوهاً تستبد بك الحيرة.. كيف لأبي سلمة أن يترك زوجه وولده بهذه البساطة ويمضي مهاجراً؟!

نعم.. فإنه قد سلك نهج الخليل عليه السلام وترسخ بداخله يقين توارثته أجيال المؤمنين والصالحين؛ إذ تساءلت هاجر في بيداء مكة من قبل "أألله أمرك بهذا؟ إذن لن يضيعنا"، وكذلك قول الصديق "تركت لهم الله ورسوله"، وأخيراً القول الفصل {وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم}.

إن المحب لمن يحب مطيع... وماذا لأبي سلمة أن يفعل إن نازعته الدنيا كلها حياته، وليس فقط زوجه وولده، محاولة الحيلولة بينه وبين تنفيذ أمر الله بالهجرة سوى أن يترك حياته خلفه ويمضي مهاجراً إلى ربه.

أما هند فإن الحزن الكبير لم يتمكن من أن يزحزح الحب الأكبر من قلبها قيد أنملة، ففاق الحب الحزَن حتى طواه فأصبح ذكرى للثبات والتضحية.

وعلى ذات الدرب ترسم أسماء ابنة الصديق وزوج الزبير بن العوام حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسطورة حب تنتصر على حظ النفس وطباعها وتحطم قيود العرف وأغلال طاقة الجسد، امرأة لم تجاوز العشرين من العمر، في أشهر حملها الأخيرة تقف شامخة في مواجهة بطش قريش، يلطمها أبو جهل حتى يقع قرطها وهي التي لم تهن قط، ويوافق الزبير الذي اشتهر بغيرته أن تتسلل زوجه في ظلمة الليل حاملة الماء والزاد لصاحبيّ الغار متسلقة جبل يشق على الرجل القوي ارتقاؤه، وقد حشدت قريش كل قوتها لمطاردة النبي وصاحبه وكشف مخبأهما واضطهاد كل من له صلة بهما.

فهل جربت حبًّا يسمو بك فوق حدود القدرة ليجعلها مطلقة بحدود الروح التي أترعت بعشق نوراني حلق بها في الآفاق فاستمرأت التضحية واستعذبت الفداء وامتلأ فؤادها بمعاني التجرد والاستخلاص فصرت من عباده المخلَصَين؟!.

على غير أرحام بينهم

أما عبدُ الرحمن بن عوف (رضي الله عنه): "لمَّا قدم المدينة؛ آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الرَّبيع. فقال له سعدُ بنُ الرَّبيع: إنّي أكثُر الأنصار مالاً، فأقسمُ لك نصفَ مالي، وانظرْ أيَّ زوجتَّي هَويتَ؛ نَزَلْتُ لك عنها، فإذا حلَّتْ؛ تزوَّجْتَها.

فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، بارك الله لك في أهلك ومالك.. ولكن دلني على السوق".

فخرج إلى السوق، فاشترى.. وباع.. وربح.. حتى وصف حاله قائلاً: "لقد رأيتني، لو رفعت حجرًا، لوجدت تحته فضة أو ذهبًا".

المتأمل للموقف ما يلبث أن يجلّ موقف سعد بن ربيع وحرصه على البذل والعطاء وترفعه عن نوازع البشر من حب تملك وأثرة، وهو كذلك بالفعل.. ولم يكن وحده.. وإنما هو نموذج لما قام به الأنصار جميعًا، حتى أنهم كانوا يقسمون الثمر نصفين ويخيرون إخوانهم المهاجرين أولاً لاختيار أيهما شاءوا.

ولكن الموقف الذي يضاهي موقف سعد روعة هو موقف عبد الرحمن الذي أتى فقيرًا مجرّدًا من كل ما يقيم الحياة فيجدها تغدق عليه بسخاء، ويأبى إلا أن يبذل جهده وجهاد في التجارة والربح، وهو بذلك لا يتاجر لنفسه وإنما يتاجر ويكد في عمله؛ لأنه يرى في نفسه استثماراً لدينه: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}.. هو إذن أجير في أموال استخلفه عليها حبيبه ومولاه، ولم يكن هذا الأمر كلامًا يقال، ولا خاطرة في قلب ابن عوف، وإنما كان أفعالاً يخط كل منها نغمة متألقة في سيمفونية الحب العظيمة، حتى قيل: أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله، فثلث يقرضهم.. وثلث يقضي عنهم ديونهم.. وثلث يصلهم ويعطيهم..

أما موقفه الفذ حقًّا، فرويّ أنه بينما السيدة عائشة رضي الله عنها في بيتها؛ إذ سمعت صوتًا رُجت به المدينة، فقالت: ما هذا؟ قالوا عيرٌ قدمت لعبد الرحمن بن عوف من الشام، وكانت سبع مائة راحلة، فقالت عائشة رضي الله عنها: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوًا"، فبلغ ذلك عبد الرحمن، فأتاها فسألها عما بلغه فحدثته، قال: "فإني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله". وفي لفظ أنه قال: "إن استطعت لأدخلنها قائمًا"، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله.

هكذا كانوا.. نبع نهر فياض ما زالت أمواجه تتدفق لتصب في آذان الدنيا أعذب ألحان العاشقين وترانيم المحبين.. أولئك الذين اتخذوا من قلوبهم محرابًا، ومن دنياهم طريقًا إلى الأنس بالحبيب سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة.. فأين نحن الآن منهم؟!

ها هي خطوات الزمان تقترب.. تطوي في سعيها أعمارنا.. ومن بين خطواته الثقيلة تتألق لحظة حب حقيقية تتوق إليها القلوب.. إن ساعتها تدق.. إنها الهجرة.. عيد الحب.. فهلا تعلمنا كيف نحب؟!


* محررة بنطاق التزكية والصفحات الشرعية المتخصصة، وباحثة إعلامية يمكنكم التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحةtazkia@iolteam.com