 |
|
تحفل الكويت بالعديد من المؤسسات الحضارية كالمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية |
كان من أنفع المؤسسات الإسلامية
العلمية التي ظهرت في القرن العشرين: (المنظمة
الإسلامية للعلوم الطبية) وهي مؤسسة كويتية
المنشأ، عالمية الاتحاد، إسلامية المنطلق
والمنهج.
وهي بلا مجاملة تعد من المنجزات
والحسنات التي تضاف إلى الكويت ضمن المؤسسات
التي أنشأتها واحتضنتها، مثل الهيئة الخيرية
الإسلامية العالمية، وموسوعة الفقه
الإسلامي، ولجنة مسلمي إفريقيا، وبيت
الزكاة، واللجنة العليا لاستكمال تطبيق
الشريعة، وغيرها.
وقد رأس هذه الهيئة منذ تأسيسها
الأخ الكريم والصديق العزيز، صاحب الهمة
العالية، والقلب الطموح، الدكتور عبد الرحمن
عبد الله العوضي، وكان ساعده وعضده الأيمن من
أول يوم الأخ الفاضل، الشعلة المتوهجة،
الطبيب المصري المقيم في الكويت منذ أمد
طويل، الدكتور أحمد رجائي الجندي، الذي يعمل
أمينا عاما مساعدا للمنظمة، وهو المسؤول عن
إدارتها وتنظيم شؤونها، واختيار موضوعاتها،
وتنفيذ برامجها، وتحقيق أهدافها.
كان مما سنته المنظمة، وهي سنة
حسنة لها أجرها وأجر من اتبعها فيها: الجمع
بين علماء الفقه وعلماء الطب ومن يساعدهم من
علماء البيولوجيا ونحوهم، يجتمعون في صعيد
واحد لعدة أيام، يعرض فيها عليهم الموضوع
الذي يراد بحثه لبيان حكمه شرعا من ناحية
الفقهاء، بعد أن يعرضه عليهم الأطباء ويشرحوه
شرحا تفصيليا، ويتم فيه نقاش حر بين
الفريقين، وبعد الأخذ والرد، والجذب والشد،
يلتقي الجميع عادة على كلمة سواء، وعلى نقطة
التقاء، يخرجون بها على الناس، يكون فيها
النفع والخير للمسلمين، بل ولغير المسلمين.
حدث ذلك في قضية الإسلام
والإنجاب، وقضية بداية الحياة ونهايتاها
ومسألة موت الدماغ، وقضية زرع الأعضاء،
وقضايا أخرى كثيرة.
 |
|
أجاز الشيخ القرضاوي بنوك الحليب |
بدأت المشاركة في المنظمة منذ
ندوتها الأولى أو الثانية: الإسلام والإنجاب،
وقد طلب مني أن أكتب عن (بنوك الحليب) التي
تجمع كميات كبيرة من اللبن، من أمهات لا يعرف
من هن، فهل يترتب على ذلك التناول للحليب ما
يترتب من أحكام الرضاع من تحريم، وكيف وهو لا
يعرف من أرضعته أو شاركت في إرضاعه من النساء؟
وهل يترتب عليه أن يحرم عليه الزواج من بنات
المرضعات كلهن؟ وفي ذلك من الحرج ما فيه؟
أفتى بذلك أكثر العلماء
المشاركين في الندوة، أخذا بالاحتياط، وعملا
بمقتضى الورع، ولكني رجحت في بحثي رأيا آخر،
أجزت فيه ما تقوم به هذه البنوك، ولم أرتب
عليه ما رتبه الآخرون من آثار من تحريم الزواج
ونحوه.
وحجتي أولا: أن الرضاعة الحقيقية
في اللغة التي نزل بها القرآن، وجاء بها
الحديث: هي امتصاص اللبن من الثدي عن طريق
الفم، وهذا له إيحاؤه وأثره في تحقيق
الأمومة، التي هي أساس التحريم في الرضاع {وَأُمَّهَاتُكُمُ
اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء:23].
أما ما كان عن طريق الشرب من كأس
أو فنجان أو الحقن أو غير ذلك فلا يعتبر رضاعا
شرعيا، وهذا مذهب الليث بن سعد، ومذهب
الظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد.
وحجتي ثانيا: أن الحديث الصحيح
يقول: "خمس رضعات مشبعات معلومات يحرمن"(1)
ومعنى (معلومات): أن يكون المرضعة معلومة، وسن
الرضاع معلوما، وهو ما دون الحولين، وعدد
الرضعات معلوما، وهو ما لا يقل عن خمس إلخ،
وهنا لا تعلم من أرضعته، ولا كم
أخذ من لبنها: أهو قطرة أم قطرات أم أكثر.
وثالثا: أن اختلاط اللبن بعضه
ببعض لم يجعل له حكما مؤثرا.
 |
|
أيد حسان حتحوت القرضاوي في فتوى بنك الحليب |
ورابعا: أن القول المحرِّم إذا
أخذ بالأحوط، فإن هذا الرأي يأخذ بالأيسر،
وأعتقد أنه إذا تعارض الأحوط والأيسر في مثل
هذه الأمور التي تتعلق بمطالب المجتمع،
وحاجات الناس، ومصالح الخلق، فإن الترجيح
يكون للأيسر، كما جاء في حق نبينا صلى الله
عليه وسلم عن مسلم: أنه ما خير بين أمرين إلا
اختار أيسرهما ما لم يكن إثما.
وهو ما أيدني فيه الطبيب العالم
الباحث الأديب: الأستاذ الدكتور حسان حتحوت،
ومن أراد أن يراجع الموضوع، فليقرأ الجزء
الثاني من كتابي (فتاوى معصرة) فتوى (بنوك
الحليب).