آخر تحديث: 16/2/2009م

 
         
الحلقة (16)
انتصار العاشر من رمضان

افتتاح كليتَي التربية بقطر

بعد قضاء الإجازة الصيفية في مصر التي كانت إجازة غير عادية، رأيت فيها مصر بعد انقطاع تسع سنوات، ورأيت الأهل والأقارب والأحبة، بعد أن فرقت الأيام بيني وبينهم، وحصلت على الدكتوراة التي كنت نسيت في وقت من الأوقات أن أنالها من مصر، وقضيت أوطارا كثيرة في هذه الفترة القصيرة، بعد هذا كله كان لا بد من العودة إلى قطر، لمباشرة عملي الجديد في كليتي التربية.

رأى المسئولون في قطر أن يبدءوا عملهم الجامعي لهذه السنة الدراسية (1973، 1974) بإنشاء كليتَي التربية بأقسامها المختلفة: العلمية والأدبية، وبهذا تكون الكلية كأنما هي نواة لجامعة مكتملة.

ففي الأقسام العلمية تجد: قسم الفيزياء، وقسم الكيمياء، وقسم الحيوان، وقسم النبات، وقسم الجيولوجيا، وعلوم البحار، وقسم الرياضيات.

وفي الأقسام الأدبية: نجد قسم الدراسات الإسلامية، وقسم اللغة العربية وقسم اللغة الإنجليزية، وقسم الجغرافيا، وقسم التاريخ، وقسم الاجتماع، وقسم علم النفس، وأقسام التربية المختلفة.

ونظرا لأن دولة قطر دولة محافظة، ولا يوجد فيها اختلاط في التعليم بين البنين والبنات، فمدارس البنات كلها مؤنثة من التدريس إلى الإدارة إلى التوجيه، كلها تقوم بها المرأة، حتى الرئاسة العامة لتوجيه البنات تقوم عليها امرأة.

ومن هنا كان التفكير من أول الأمر: أن تنشأ الدراسة الجامعية بكليتين: إحداها للطلاب، والأخرى للطالبات.

ولم يكن الوقت يسعف بانتظار بناء خاص يشاد لهذه الغاية، فرُئي الاستفادة من مدرستين ابتدائيتين جديدتين أنشئتا في مدينة خليفة الشمالية للبنين والبنات فحولتا لتكونا كليتين للبنين والبنات، وهما متقاربتان في المسافة، فيسهل التنقل بينهما للمدرسين؛ إذ كان معظم المدرسين من الرجال، وكانت توجد بعض الدكتورات، مثل الدكتورة كوثر عبد الرسول أستاذة الجغرافيا، والدكتورة صفاء الأعسر أستاذة علم النفس زوجة الدكتور كاظم عميد الكلية، والدكتورة زينب في الفيزياء.

وكان الدكتور كاظم عميد الكلية -أو قل: عميد الكليتين- يحسن اختيار الرجال، فاختار عددا من الأساتذة الأقوياء الأمناء في التخصصات العلمية والأدبية، مثل الدكتور محمد فتحي سعود في الأحياء، والدكتور كمال البتانوني، والدكتور حسين أبو ليلة في الفيزياء، والدكتور عمر عبد الرحمن في الكيمياء، والدكتور ماهر حسن فهمي، والدكتور عبد العزيز مطر في اللغة العربية، وغير هؤلاء ممن قامت على كواهلهم جامعة قطر.

د. عبد العظيم الديب

وكان معي في قسم الدراسات الإسلامية مدرس واحد هو: الدكتور أحمد يونس سكر رحمه الله، وهو متخصص في الفقه، وفي كل سنة تنمو الكلية، وينضم إلينا أساتذة جدد، من أمثال الدكتور جابر عبد الحميد في علم النفس، والدكتور عبد العزيز بيومي في علم النبات، والدكتور محمد نصار، والدكتور عبد العظيم الديب في الدراسات الإسلامية، ولم تزل الكلية تنمو رويدا رويدا، حتى صدر القرار الأميري بأن تصبح جامعة مكتملة، تشمل أربع كليات: كلية للشريعة والدراسات الإسلامية، وكلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، وكلية للعلوم، بالإضافة إلى كلية التربية.

ماذا كنت أدرس؟

كنت في السنوات الأولى أدرس لجميع طلاب الكلية وطالباتها: الثقافة الإسلامية، كما أدرس لطلاب الأدبي العام وطالباته: فقه السيرة النبوية.

كما كنت أدرس للطلاب المتخصصين والطالبات المتخصصات في الدراسات الإسلامية معظم المواد، كنت أدرس لهم التفسير والحديث والعقيدة، والفقه وأصول الفقه، حتى أشرفت على الدفعة الأولى من طالبات قسم الدراسات الإسلامية مقرر (التربية العملية) في السنة الثالثة، والسنة الرابعة، فلم يكن أساتذة التربية قد اكتملوا بحيث يسدون في تخصص التدريس، فكلفوني أن أنهض بعبء الإشراف على الطالبات، وفعلت ذلك، فكنت أزور معهن مدارس البنات، وأكلف إحداهن بتحضير درس نموذجي؛ لتلقيه في الفصل وتناقشها زميلاتها بعد ذلك، لتعرف نقاط القوة، ونقاط الضعف في درسها.

ولقد أفادتني بالفعل دراستي القديمة في إجازة التدريس، فقد درسنا هناك أصول التربية، وطرق التدريس العامة، وطرق التدريس الخاصة، والتربية العملية، وأذكر أني حصلت فيها على 50 من 50 في السنة الأولى، وفي السنة الثانية.

لهذا تفوقت الطالبات

ولقد لاحظت -كما لاحظ غيري من الأساتذة- تفوق الطالبات على الطلاب، وكان هذا شائعا في جميع الأقسام العلمية والأدبية، كما كان ظاهرا بوضوح عندنا في الدراسات الإسلامية، والعجيب أني وجدت هذا موجودا ومعترفا به في كل أقطار الخليج.

ترى ما السر في هذا؟ وأين ما يقال عن تفوق الرجل على المرأة في الذكاء؟ وأن مخ الرجل أثقل وزنا من مخ المرأة، إلى آخر ما يقوله البيولوجيون في هذا المجال؟

وأود أن أذكر بحكم ملاحظتي وتجربتي: أن هناك أسبابا ثلاثة رصدتها، ورأيتها وراء تفوق الطالبة القطرية في الجامعة.

الأول: أن جميع الطالبات المتفوقات يدخلن جامعة قطر، حيث لا يتاح لهن الابتعاث إلى الخارج، كما هو الشأن في كثير من الطلبة المتفوقين في الثانوية، حين يذهبون على نفقة الدولة في بعثات خارجية، إلى البلاد العربية، وإلى أوروبا، وربما إلى أمريكا، أما البنات فلا تسمح ظروفهن الاجتماعية بمثل هذا الابتعاث.

والثاني: أن الطالبات أكثر استقرارا في الجامعة من الطلاب، فالطالبة تأتي من الصباح، وتبقى في الكلية، ولا تغادرها حتى تنتهي دراستها، أما الطالب فمعه سيارته، يحضر المحاضرة، ويركب سيارته، ويمضي هنا وهناك، فهو في الجامعة ساعة المحاضرة فقط، كما أنهن في بيوتهن أكثر لزوما للبيت وقرارا فيه من الأولاد، وهذا مما يساعد على المراجعة والمذاكرة.

والثالث: أن البنات أكثر حرصا على الدراسة، والتنافس بينهن أشد، وحب التفوق على الأخريات أقوى وأشد، وهذا عامل نفسي مهم في دفعهن إلى المزيد من الاجتهاد والتحصيل.

حرب العاشر من رمضان

القادة المصريون في حرب أكتوبر

وكان من أهم ما حدث في هذا العام وفي شهر رمضان المبارك: ما فاجأنا وفاجأ العالم كله من حدث اهتزت له القلوب طربا، وابتسمت له الثغور فرحا، ولهجت به الألسنة ثناء، وسجدت الجباه من أجله لله شكرا.

إنه الحدث الذي عوضنا عما فوجئنا به من قبل في الخامس من حزيران (يونيو) 1967، والذي خسرت به الأمة ما خسرت، وكسبت إسرائيل ما كسبت، وضاعت به -إلى اليوم- القدس والضفة والقطاع والجولان، بالإضافة إلى سيناء التي استردتها مصر فيما بعد.

وهذا الحدث الذي أحيا الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، بل الأمة الإسلامية من المحيط إلى المحيط، هو: حرب العاشر من رمضان، وأنا أحب دائما أن أسميها معركة العاشر من رمضان، وليس السادس من أكتوبر؛ لأن شهر رمضان ونفحاته وبركاته وإمداداته التي هبت نسماتها على الجنود والصائمين والمصلين كان له أثره في تحقيق النصر، وإمداد المقاتلين بشحنة إيمانية دفعتهم إلى البذل والفداء، أما أكتوبر، فليس له أي إيحاء أو دخل في هذا النصر.

ما زلت أذكر هذا اليوم المشرق، وقد خرجت من درس العصر في مسجد الشيخ خليفة، فإذا الأنباء المبشرة تستقبلني، وإذا الهواتف تدق ولا تتوقف، للاتصال بي من هنا وهناك، مهنئة بما وقع، شاكرة لله تعالى، الذي صدق وعده، وأعز جنده، وهزم الظالمين وحده.

في أول الأمر خفت أن نكون مخدوعين، كما خدع كثيرون أيام نكبة 5 يونيو 1967، فقد كانت القاهرة تذيع الأكاذيب على الناس، وتخدرهم بأخبار لا أساس لها: طائرات إسرائيلية تسقط بالعشرات، والحقيقة أن طائراتنا هي التي ضُربت في مدرجاتها، ولم تطر حتى تسقط، ولكن كانت الشواهد كلها تؤكد أن هذه حقيقة وليس حلما، وأنه واقع وليس من نسج الخيال.

ألا ما أحلى مذاق النصر، وخصوصا بعد تجرع مرارة الهزيمة المذلة من قبل! وللأسف طالت هزائم الأمة في معارك شتى، وذرفت الدموع كثيرا على هزائمها، حيث لم تغنِ الدموع، وآن لها أن تجد مناسبة تفرح بها بعد حزن، وأن تضحك بعد طول بكاء.

لقد عبر الجيش المصري القناة، صنع قناطر أو جسورا للعبور عليها، مكونة من أجزاء، تُركب في الحال، ويوصل بعضها ببعض، فتكون جسرا فوق الماء تعبر فوقه المصفحات والمجنزرات والدبابات إلى البر الآخر، وقد بدأ بالعمل فيها منذ سنوات، ثم بدأت تجربتها، والتدريب عليها منذ شهور، في تكتم وسرية بالغة، وهذا عمل مصري خالص، لم يشترك فيه خبراء أجانب، ولهذا حفظ السر، ولم يبح به أحد.

بعد عبور القناة بسلام وأمان ونجاح، اقتحمت القوات المصرية ما عُرف باسم خط بارليف، الذي أقامته إسرائيل؛ ليكون حاجزا ترابيا بعد الحاجز المائي، وكانت العدة قد أعدت لتخطيه بإحكام ومهارة.

وكان كل شيء مُعدا بجدارة وأناة وحكمة، ولم يكن هناك شيء مرتجل، وقام كل سلاح بدوره: سلاح المهندسين، وسلاح الفرسان والمدرعات، وسلاح الطيران، كل قام بما هيئ له، وما كلف به.

أنور السادات

وقد اختير التوقيت المناسب لبدء المعركة، وكان رمضان هو الوقت الملائم نفسيا وروحيا، لما يمد به الجنود من نفحات، وما يعطيهم من شحنة روحية، وكان أكتوبر مناسبا، من حيث المناخ، وليس فيه حرارة الصيف، ولا برد الشتاء.

وكان الوقت مناسبا من ناحية أخرى: أنه يوم الغفران، أو عيد الغفران عند اليهود، فلننتهز غفلتهم وانهماكهم في الاحتفال بالعيد، لنفاجئهم بضربتنا، كما فاجئونا بضربتهم في يونيو 67.

ولا يقال: كيف نباغتهم ولا ننذرهم؟ فمثل هذه الحرب لا تحتاج إلى إنذار ولا إبلاغ؛ لأنها حرب دفاع للمحتل، وهي مستمرة معه لم تتوقف.

وأهم من هذا كله: الروح المعنوية التي كان يحملها المقاتل المصري.. إنها روح الإيمان؛ الإيمان بالله تعالى، وأنه ينصر من نصره، والإيمان بأننا أصحاب الحق، والحق لا بد أن ينتصر، والباطل لا بد أن يزهق " وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا". [الإسراء: 81].

فرق بين حربَين

وفرق كبير بين هذه الحرب وحرب يونيو 67، فقد كان العنصر الإيماني والروحي مغيبا عنها تماما؛ لذلك لم يحالفها النصر.

كانت كلمة السر في حرب 67: (بر بحر جو)، ولكن الواقع يقول: إنهم لم ينتصروا في بر ولا بحر ولا جو، ولم يكن الذنب ذنب الجيش وجنوده، ولكن ذنب القادة الذين جروهم إلى حرب لم يخططوا لها، ولم يعدوا لها العدة، ولم يأخذوا لها الحذر، كما أمر الله.

لقد ترك الجنود أسلحتهم، وتركوا دباباتهم ومصفحاتهم، لم يحاولوا أن يشعلوا فيها النار بعد أن تركوها، حتى لا يغنمها العدو ويستفيد منها؛ لأن هم كل واحد منهم كان هو النجاة بنفسه، واللياذ بالفرار.

لقد اعتمدوا على الآلات، فلم تغنِ عنهم الآلات، واتكلوا على السلاح فلم ينجدهم السلاح؛ لأن السلاح لا يقاتل بنفسه، إنما يقاتل بيد حامله، ويد حامله إنما يحركها إيمان بهدف، وإيمان برسالة، وهذا لم يعبأ به الجنود.

يقول أبو الطيب:

وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا        إذا لم يكن فوق الكرام كرام!

ويقول الطغراني في لاميته:

وعادة السيف أن يزهى بجوهره      وليس يعمل إلا في يدي بطل!

ماذا تجدي خيل بغير خيال، وفرس بغير فارس، وسيف صارم بغير بطل؟!

فلا عجب أن كانت الهزيمة الثقيلة المذلة في 67، فهذه نتيجة منطقية لمقدمتها، كما قال العرب: إنك لا تجني من الشوك العنب، وصدق الله إذ يقول: " وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا " [الأعراف: 58].

حسني مبارك

سُئل الرئيس حسني مبارك، عندما كان نائبا للرئيس السادات في 27-9-1975، سأله بعض الصحفيين: ماذا أخذنا من دروس 67 في الإعداد لقتال 6 أكتوبر؟ قال: باختصار.. في 67.. لا تخطيط.. لا إعداد.. لا تدريب.. لا تنسيق بين العمل السياسي، والعسكري. اهـ.

وأهم من ذلك: أننا لم نزود جنودنا بالإيمان، في حين تجتهد إسرائيل أن تزود جيشها بتعاليم التوراة، وتوجيهات التلمود، ونصائح الحاخامات.

وكان من ثمرات محنة 67: أنها أيقظت في الناس المعنى الديني، والضمير الديني، والرجعة إلى الله، وبدأت حركة إيمانية قوية في القوات المسلحة، وكان الحرص على إقامة الصلاة، وقام وعاظ الأزهر بدورهم في التنبيه والإحياء، وكان هناك شعور عام بالحاجة إلى الله، والدعاء بنصر الله، فلا غرو أن كان شعار المعركة (الله أكبر).

إن الجندي المصري في 73 هو نفسه في 67 من حيث الشكل والمظهر، ولكنه غيره من حيث الباطن والجوهر، إن الإنسان إنما يقاد من داخله، لا من خارجه، ولا يقود الناس في بلادنا شيء مثل الإيمان، ولا يحركهم محرك مثل الإيمان.

وهذا ما لم تفهمه قيادة 67، فقد عزفوا على منظومة القومية، ومنظومة الاشتراكية، ومنظومة الثورية، فلم تحرك ساكنا، أو تنبه غافلا في الجندي المصري، أو الجندي العربي عموما.

ولكنك إذا حركته بـ(لا إله إلا الله والله أكبر).. إذا رفعت أمامه المصحف، إذا قلت: يا ريح الجنة هبي، إذا ذكرته بالله ورسوله، وذكرته بالأبطال العظام: خالد وأبي عبيدة وسعد وطارق وصلاح الدين وقطز وعبد القادر الجزائري، وعمر المختار -فقد خاطبت جوانيته، ودخلت في أعماقه، وأوقدت جذوته، وحركت حوافزه، وبعثت عزيمته، وهنا لا يقف أمامه شيء، إنه يصنع البطولات، ويتخطى المستحيلات؛ لأنه باسم الله يتحرك، وباسم الله يمضي، وعلى الله يتوكل: "وَمَنْ يَتَوَكلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ" [الطلاق: 3]، " وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ " [آل عمران: 101].

الحضارة العربية بين الأصالة والتجديد

في هذه السنة الدراسية (73-74م) دعت الجامعة اللبنانية في بيروت إلى مؤتمر كبير، يدور حول موضوع أساسي ومهم، هو: "الحضارة العربية بين الأصالة والتجديد"، وكان يشتمل على عدة محاور علمية وأدبية ودينية وفلسفية واقتصادية واجتماعية، ودعت للمشاركة فيه عددا من كبار الباحثين والمفكرين، وممثلين عن الجامعات العربية في الوطن العربي.

وكانت كلية التربية في قطر ممن دعي إلى هذا المؤتمر، وكنت قد قرأت الدعوة، ووجدت من عناصر البحث: الفقه الإسلامي، فأعددت بحثا عن "الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد".

وكانت الكلية قد رشحت لهذا المؤتمر الزميل الكريم والصديق العزيز الدكتور ماهر حسن فهمي رئيس قسم اللغة العربية، وأستاذ الأدب العربي، وقد أعد هو الآخر بحثا حول تخصصه في (الأدب العربي)، وكان الدكتور ماهر من خيرة من عرفت من أساتذة الأدب العربي، وسعدت بزمالته زمنا طويلا في رحاب جامعة قطر، حتى أحيل إلى التقاعد، ثم توفي في حادث سيارة رحمه الله.

وقد فوجئ الدكتور كاظم عميد الكلية بأني أعددت بحثا للمؤتمر، وكأنه أحرج بأنه لم يرشحني، فقلت له: لا عليك، فإني أستطيع أن أذهب على حسابي، قال: بل تذهب على حساب الجامعة، ويذهب د. ماهر على حساب الدولة.

وسافرت أنا والدكتور ماهر، وحضرنا المؤتمر الذي استمر عدة أيام، وكان مؤتمرا حافلا بالشخصيات العلمية الفكرية، وبالبحوث الأصيلة والمجددة، وبالحوارات الحية.

وكان أول ما نوقش في المؤتمر هو: عنوان المؤتمر ذاته، وهل حضارتنا عربية أم إسلامية؟ ودار نقاش طويل يحتد حينا، ويخف حينا حول هوية الحضارة.

وكان الرأي الذي تبنيته وأعلنته: أن حضارتنا عربية وإسلامية معا، فهي عربية بحكم أن آثارها مكتوبة باللغة العربية، وأن أهم عنصر في تأسيسها وإقامتها كان هو العنصر العربي، حتى إن مؤرخا مثل "غوستاف لوبون" المفكر الفرنسي المعروف، حين أرخ لهذه الحضارة آثر أن يسمي كتابه "حضارة العرب" مع أنه في الواقع والغالب يتحدث عن حضارة المسلمين.

وهي كذلك حضارة إسلامية، بحكم الدوافع والبواعث والفلسفة التي دفعت إلى إنشائها وإعلائها، فهي بواعث إسلامية لأهداف إسلامية، منبثقة عن تصور إسلامي ونظرة إسلامية للإنسان والعالم والدين والدنيا.

وهي إسلامية كذلك بحكم العناصر التي شاركت فيها، فلم يكن العرب وحدهم، هم الذين صنعوا هذه الحضارة، بل شاركهم فرس وأفغان وهنود وروم ومصريون وأتراك وأفارقة، ومن أجناس شتى.

وهي إسلامية أيضا بحكم الرقعة التي قامت فيها الحضارة، فقد وسعت العالم الإسلامي كله، بما فيه بلاد العرب والعجم، فنجد معالم الحضارة الإسلامية في سمرقند، كما نجدها في الهند، كما نجدها في إستانبول، مثلما نجدها في دمشق وبغداد والقاهرة والمغرب.

وكان المحور الثاني الذي أخذ حظا من النقاش، هو: الأصالة والتجديد، وما المراد بهما؟ ولم يكن مصطلح "الأصالة والمعاصرة" قد شاع في ذلك الوقت، كما عرف بعد ذلك.

وكان الاتجاه العام للمؤتمر أن الأصالة والتجديد لا يتقابلان، حتى نقول: بين الأصالة والتجديد، فكأننا مخيرون بينهما، مع أن كلا منهما مطلوب، فنحن نريد تجديدا في ظل الأصالة.

والواقع أننا بقينا تلك الأيام في جو علمي وفكري حي، وكانت أياما خصبة ومثمرة، وقد ألقيت فيها بحثي عن الفقه بين الأصالة والتجديد، وبينت أوجه التجديد الذي ينبغي أن تدخل في الفقه من ناحية الشكل، ومن ناحية الموضوع، وقد نشرت البحث بعد ذلك في رسالة خاصة تحمل هذا العنوان نفسه.

ثم عدنا إلى الدوحة، وإن كنت لم أحصل من الجامعة على ثمن التذكرة، كما وعد د. كاظم، ولكن ما كسبته من المؤتمر كان أغلى وأعظم من ذلك.

عودة للصفحة الرئيسية للملف
من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع