|
ظهور
كتاب "فقه الزكاة"
|

|
|
الشيخ أبو الحسن الندوي |
في
شهر ديسمبر 1970 فرغت المطبعة من كتابي "فقه
الزكاة"، وظهر إلى عالم النشر
والتوزيع في مجلدين، والحق أني فرحت به
كما يفرح الوالد بولده، وفلذة كبده، ولا
سيما أن ولادته لم تكن سهلة؛ فقد أخذت
طباعته حوالي سنة ونصفًا، والحمد لله قد
تم على خير.
وبدأت
أبعث بنسخ منه إلى كبار الشخصيات العلمية
في قطر وبلاد الخليج من حولي، وبخاصة
المملكة العربية السعودية، وإلى الهند
وباكستان وغيرها.
ولقد
استُقبِل الكتاب بحفاوة وتقدير كبيرين،
وجاءتني رسائل من عدد من الشخصيات
المرموقة التي أهديت الكتاب إليها، منهم
الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد
الله بن زيد المحمود، والشيخ علي
الطنطاوي، والشيخ أبو الأعلى المودودي،
والشيخ أبو الحسن الندوي، والأستاذ محمد
المبارك، والشيخ محمد الغزالي، وغيرهم
ممن لا أذكره الآن.
وأثنى
عليه الشيخ علي الطنطاوي في برنامجه في
إذاعة السعودية، وفي برنامجه
التليفزيوني "على مائدة الإفطار" في
رمضان أكثر من مرة.
|

|
|
الشيخ بن باز
|
وقال
عنه الأستاذ أبو الأعلى المودودي: إنه
كتاب القرن (أي الرابع عشر الهجري) في
الفقه الإسلامي. نقل ذلك عنه الأستاذ
خليل أحمد الحامدي مدير القسم العربي
بالجماعة الإسلامية بباكستان.
وكتب
الأستاذ المبارك في مقدمة كتابه عن "الاقتصاد"
في "نظام الإسلام" منوهًا به،
ومنبها أهل العلم على قيمته، فقال: "ومن
الكتب الحديثة ما هو خاص بموضوع معين،
ومن هذا النوع كتاب فقه الزكاة للأستاذ
يوسف القرضاوي، وهو موسوعة فقهية في
الزكاة استوعبت مسائلها القديمة
والحديثة، وأحكامها النصية والاجتهادية
على جميع المذاهب المعروفة المدونة، لم
يقتصر فيها على المذاهب الأربعة، مع ذكر
الأدلة ومناقشتها، وعرض لما حدث من قضايا
ومسائل، مع نظرات تحليلية عميقة، وهو
بالجملة عمل تنوء بمثله المجامع
الفقهية، ويعتبر حدثًا هامًّا في
التأليف الفقهي، جزى الله مؤلفه خيرًا".
|

|
|
الشيخ محمد الغزالي |
وقال
عنه الشيخ محمد الغزالي: "لم يؤلَّف في
الإسلام مثله في موضوعه". قال ذلك في
كتابه: مائة سؤال عن الإسلام.
صحوة
تأليفية في قطر
تحدثت
من قبل عن تجربة تأليف كتب حديثة للعلوم
الشرعية في قطر، كانت تمثل الريادة
والطليعة في بلاد الخليج كلها، وكانت هذه
الكتب في علوم التوحيد والفقه والبحوث
الإسلامية.
وقد
استُقبلت هذه الكتب استقبالاً حسنًا في
قطر وما حولها، واعتُبرت تجديدًا
مطلوبًا في مجالاتها بدل الكتب القديمة
التي كانت ألغازًا وعقدًا بالنسبة
للطلاب.
|

|
|
الشيخ
عبد المعز عبد الستار
|
وهذا
النجاح شجع المسئولين في وزارة المعارف
التي أصبح اسمها "وزارة التربية"؛
لتبدأ شوطا أطول وأوسع في تأليف كتب
حديثة في مناهج العلوم كلها: الدينية
والاجتماعية والعلمية.
وشكلت
لجان للتأليف في مختلف المقررات، يشرف
عليها مفتشو كل مادة، ويشرف على جميع
اللجان مدير المعارف الأستاذ كمال ناجي.
وقد
شاركت في تأليف بضعة عشر كتابًا من كتب
العلوم الشرعية من الحديث والتفسير
والآداب وغيرها، بإشراف فضيلة الشيخ عبد
المعز عبد الستار.
|

|
|
القرضاوي في المعهد الديني بقطر |
كما
اشتركت أنا والأخ الأستاذ سليمان
الستاوي في تأليف كتابين مهمين: أحدهما
في مادة "المجتمع الإسلامي" لطلبة
السنة الثانية الثانوية. والثاني "فلسفة
الأخلاق" لطلبة السنة الثالثة
الثانوية من المعهد الديني.
كما
كُلِّفت -أنا والأَخَوان الشيخ عليوة
مصطفى والشيخ علي جماز- بتأليف كتاب من
جزأين في علم التوحيد، لطلاب السنتين
الأخيرتين من المرحلة الثانوية للمعهد
الديني. وقد قسمنا موضوعات الكتاب علينا.
فاخترت أن أكتب عن: الحاجة إلى العقيدة،
وعن أدلة وجود الله تعالى، وعن الإيمان
بالقدر، وعن اليهودية والنصرانية.
وقد
لقي هذا الكتاب قبولا عامًّا لدى
المهتمين بتدريس العقيدة، وطلب كثير من
الإخوة بالسعودية والبحرين والإمارات أن
نرسل إليهم نسخًا من الكتاب؛ ليدرسوه
لطلابهم، أو على الأقل ليقتبسوا منه.
كما
ألفت وزارة التربية القطرية جملة وافرة
من الكتب في المواد الاجتماعية
كالجغرافيا والتاريخ، صححت فيها بعض
المفاهيم الخاطئة، مثل تدريس الفتح
العثماني للبلاد العربية على أنه "استعمار".
ولم يكن المسلمون ينظرون إليه هذه النظرة.
فقد قام العثمانيون بدور هام بعد سقوط
الخلافة العباسية، وحموا البلاد العربية
من الغزو الاستعماري الأوربي عدة قرون.
وكان العرب يشاركون الأتراك في الحكم،
ومنهم من وصل إلى مرتبة "الصدر الأعظم"،
وإن لم يخلُ عهدهم من ظلم لا ريب فيه.
وكان
المشرفون على التأليف يرجعون إليَّ في
المشكلات العلمية التي لها علاقة
بالدين، كما فعل مؤلفو كتب "الأحياء"
عند عرضهم للنظريات المختلفة في نشأة
الحياة والإنسان، ومنهم الأستاذ توفيق
القيسي، وموقفهم من نظرية النشوء
والارتقاء التي قال بها دارون، فكلموا
الأستاذ كمال ناجي الذي كتب إليَّ يطلب
رأيي حول الموضوع، فكتبت ردًّا في رسالة
علمية مطولة، خلاصتها: أنه لا مانع من عرض
فكرة دارون على أنها "مجرد رأي" لا
يبلغ أن يكون نظرية. وفيه ثغرات وتدليسات
كثيرة، اكتشفها من جاءوا بعده، وبيّنوا
أوجه الخلل والدخَل فيما أعلنه من رأي.
وقد رد كثير من علماء الغرب البيولوجيين
أنفسهم على دارون، كما خالفه تلاميذه
أنفسهم بعد ذلك، وعدلوا في الفكرة بما
أطلق عليه الداروينية الحديثة، ولا سيما
بعد ظهور قوانين الوراثة وثبوتها
علميًّا بما لا يدع مجالا لأي ارتياب.
كما
كُتِبت كتب بالعربية ردت على هذه النظرية
من الوجهة العلمية، ومن الوجهة
الإسلامية. وقد لخّص ذلك علامة العرب
الأستاذ عباس العقاد في كتابه "الإنسان
في القرآن الكريم".
وأعتقد
أن الوزارة وتفتيش العلوم فيها: اقتنعوا
برأيي هذا، وأخذوا به.
إجازة
الصيف في لبنان
وبعد
انتهاء العام الدراسي سافرت أنا والأسرة
كالعادة إلى لبنان لقضاء الإجازة هناك،
وقد زادت أسرتي بعبد الرحمن واحدًا، فغدت
الأسرة ثمانية أشخاص: أنا وزوجتي وبناتي
الأربع، وابني محمد وعبد الرحمن.
وفي
لبنان استأجرنا منزلا مناسبًا بسوق
الغرب، وقد ألِفناها وألفَتْنا. وإن كنت
أنزل إلى بيروت مرة أو مرتين أو ثلاثًًا
في كل أسبوع، لأتصل بدور النشر التي
أتعامل معها: المكتب الإسلامي، ودار
الإرشاد، ومؤسسة الرسالة، ودار العربية.
كما
أزور المكتبات التي تبيع الكتب، لأشتري
منها ما يهمني، وأصطحبه معي إلى قطر؛
فالمكتبات كالإنسان، تحتاج إلى زاد
مستمر، حتى تحيا وتنمو.
وكذلك
كان الإخوة في لبنان ينتهزون فرصة وجودي،
فيرتبون لي بعض المحاضرات، لألقيها في
بيروت أو في صيدا أو في طرابلس. فأجدها
فرصة طيبة لألتقي بالجمهور اللبناني
الكريم. وبهذا تجمع الإجازة بين المتعة
والمنفعة. وهذا هو التوازن المطلوب.
ظهور
تليفزيون قطر
|

|
|
القرضاوي كما كان يظهر في التلفزيون القطري |
بعد
نجاح قطر في إذاعتها التي سمع العالم
صوتها من الدوحة، كان لا بد أن تستكمل
مسيرتها الإعلامية بـ"تليفزيون قطر"
الذي أنشئ له مبنى خاص قريب من الإذاعة.
وقد
افتتح مبنى التليفزيون الجديد في شهر
يوليو "تموز" 1971م، وكنت أقضي إجازة
الصيف في لبنان، وكان المسئولون عن
التليفزيون وعن الإعلام عامة يرون أن لا
يظهر التليفزيون إلا وفيه برنامج ديني
ينوّر المشاهدين فيما يتعلق بالدين،
ويجيب عن تساؤلاتهم. فأرسلوا إليَّ في
لبنان أن أسجل ست حلقات في أحد
أستوديوهات بيروت -نسيت اسمه- فسجلت هذه
الحلقات بالثوب والغطرة؛ إذ لم أحمل
الجبة والعمامة معي في ذلك الصيف، بل كنت
ألبس "البذلة الإفرنجية" في
الإجازة، وليس مناسبًا لي أن أظهر بها
على الشاشة، فسجلت هذه الحلقات الستة
بالدشداشة، وأُرسلت إلى الدوحة.
ولأول
مرة أكتشف المعاناة في التسجيل
للتليفزيون؛ فقد كان التسجيل للإذاعة في
غاية السهولة واليسر. أما في التليفزيون
فقد عانيت ما عانيت في ترتيب الأضواء،
وضبط الصورة، والاطمئنان على الصوت، و...
و... وكان الأستوديو غير مكيف، فكنت أتصبب
عرقًا، برغم أن لبسي خفيف، فقلت: الحمد
لله أن الجبة والعمامة لم تكونا معي.
وكانت هذه الأحاديث عبارة عن "دروس
إسلامية" كل درس يعالج موضوعًا معينًا.
برنامج
"هدي الإسلام"
وبعد
العودة إلى الدوحة التقيت بمدير
الإعلام، وهو الصحفي الإعلامي الكبير
الأستاذ محمود الشريف، شقيق صديقنا
الأستاذ كامل الشريف (وزير الإعلام في
الأردن فيما بعد)، فتعرفت عليه لأول مرة،
وكان معه مدير التليفزيون الأستاذ جواد
مرقة، وتحدثنا حول البرنامج الديني
والصورة التي ينبغي أن يقدم بها.
فاقترحت
عليهم أن يكون البرنامج إجابة عن أسئلة
المشاهدين التي تأتي إلى البرنامج عن
طريق رسائلهم المكتوبة، وأنا الذي
أتلقاها من التليفزيون وأجيب عنها دون
الحاجة إلى محاور. واستحسن مدير الإعلام
ومدير التليفزيون هذه الفكرة، وقالوا:
يمكننا أن نأتي بمن يساعدك في تلقي
الرسائل وترتيبها، ويمكن أن ندفع له
مبلغًا مقابل ذلك، واقترحت عليهم
سكرتيري في المعهد الديني: الأستاذ يوسف
السطري "الحمايدة". وقام بهذا الدور
فترة ثم انقطع، وأصبحت أعده حتى الآن بلا
مساعد.
واقترح
الأستاذ محمود الشريف أن يطلق عليه "هدي
الإسلام" ورحبتُ بالتسمية، وقلنا: على
بركة الله.
كان
البرنامج في أول الأمر ثلث ساعة، ثم وجد
أن هذا الوقت لا يكفي للرد على الرسائل
التي كانت تأتي بكثافة، فزيد إلى نصف
ساعة، ثم زيد بعد سنوات إلى 45 دقيقة.
وكان
لهذا البرنامج عشاقه ومريدوه ومتابعوه
من قطر، ومن بلاد الخليج، وخصوصًا:
البحرين والإمارات والمنطقة الشرقية من
السعودية، وبعد أن تحول تليفزيون قطر إلى
"قناة فضائية" أصبح هذا البرنامج
يشاهد في بلاد المغرب العربي وغيرها،
وغدت تأتيني أسئلة شتى من هذه البلاد.
وفقد
هذا البرنامج بريقه نسبيًّا بظهور "قناة
الجزيرة" وبرنامج "الشريعة والحياة"
بها الذي أمسى يشاهده الملايين من أنحاء
العالم، من كل من يعرف العربية.
كما
قدمت للتليفزيون القطري: برامج رمضانية
تحت عنوان "في رحاب القرآن" وبعضها
تحت عنوان "من مشكاة النبوة". وقد
استمرت سنين طويلة، ولم أنقطع عنها إلا
منذ بضع سنوات، بعد أن تضاعفت علي
الواجبات، وضاقت الأوقات. والله
المستعان.
ميلاد
ابني أسامة
|

|
|
أسامة يوسف القرضاوي |
وفي
10 فبراير سنة 1972م وُلد ابني أسامة، كان
ميلاد أولادي السابقين كلهم في أواخر
السنة الميلادية (3 في سبتمبر، و2 في
أكتوبر، واحدة في ديسمبر)، أما أسامة
فجاء على خلاف المألوف، وولد في الشهر
الثاني من السنة.
لم
يكن بينه وبين شقيقه عبد الرحمن إلا سنة
وخمسة أشهر؛ ولذا كان عبد الرحمن يعتبره
منافسًا خطف منه اهتمام الأسرة، وكان
أحيانًا يمسه بأذى معين، ولكن أسامة دافع
عن نفسه يومًا، فعضه عضة قوية، ألزمته
حدّه، وعرف أن هذا الصغير لا يؤكل لحمه،
ولا يستهان أمره.
والحقيقة
أن معاملتي للأولاد وكذلك معاملة أمهم
كانت مثالية؛ فلم نكن ندلل الأولاد إلى
حد الإفساد، ولا نشتد عليهم إلى حد
القسوة، والتربية السليمة في نظري هي ما
كانت بين التدليل المميِّع للشخصية
والقسوة المحطمة لها.
ولذا
نشأ أولادي بحمد الله نشأة سوية، ليس
فيها غيرة مفرطة، أو شعور بالظلم، أو
إضمار حسد لأخ أو أخت، وما فضلنا ولدًا
على بنت، ولا واحدًا على آخر لأي سبب.
ولقد
رأينا الناس يدللون الطفل الأول أكثر مما
يلزم فيفسدونه، ومثله: الذكر الأول، أو
الطفل الأخير، الذي يسمونه "آخر
العنقود" وهو في نظرهم "سكر معقود"،
نحمد الله تعالى أننا لم نفعل ذلك أبدًا،
فطرة لا تكلفًا، لم نحابِ أيَّ طفل على
حساب الآخر، بل أشعر والله أني أحب
الجميع حبًّا متساويًا، وأعتقد أن
والدتهم مثلي.
ولكن
أسامة الطفل كان يدلل نفسه، ويفرض دلاله
على الجميع، ويشعر أنه أصغر واحد في
العائلة، كما يحس أنه آخر العنقود؛ فيبدو
أن الأم قد اكتفت بما آتاها الله من أولاد
بلغوا سبعة: أربع بنات، وثلاثة بنين.
وكان
أسامة يريد أن يكبر بسرعة؛ ليكون له حظ
الكبراء، ولكن إذا كان الحظ مع صغر السن
قال: أنا أصغركم سنًّا.
وكانت
أمه تقول له: ادخل نم يا أسامة، فيقول لها:
تريدين أن تستريحي منا.
وهكذا
كانت له مناكفاته المحببة.
الحركة
التصحيحية في قطر
وفي
22 فبراير "شباط" 1972م حدث ما سُمِّي
في قطر بالحركة التصحيحية التي بها انتقل
الحكم من الشيخ أحمد بن علي بن عبد الله
آل ثاني إلى الشيخ خليفة بن حمد بن عبد
الله آل ثاني، ابن عم الأمير، وولي عهده
ونائبه.
كان
الشيخ أحمد أمير قطر رجلا طيبًا في نفسه،
مهذبًا رقيق الحاشية، جوادًا كريمًا،
يلقى من يزوره بهشاشة وبسطة وجه، ولكنه
لم يكن متفرغًا للحكم، وحمْل أعبائه، وحل
مشاكله، وكان كثير الأسفار والرحلات في
مناطق شتى، وكان قد ترك هم الحكم لنائبه
وولي عهده.
ولقد
شاء قدر الله أن تحدث في أشهر محدودة عدة
أحداث، وعدة أخطاء حسبت على الشيخ أحمد،
عجلت بنقل الحكم إلى الشيخ خليفة بدون
دماء، وبإقرار شيوخ الأسرة الحاكمة،
وكان الشيخ أحمد خارج البلاد، فظل خارج
قطر، ولا سيما أنه صهر الشيخ راشد بن سعيد
حاكم دبي الشهير، وزوج ابنته، وله قصر
هناك، وأيد جمهور الشعب القطري هذا
التحول، وأطلق عليه "الحركة التصحيحية"؛
نظرا لأن الشيخ خليفة كان هو المفروض أن
يكون هو الحاكم بعد الشيخ علي بن عبد الله
آل ثاني الذي تنازل لابنه الشيخ أحمد عن
الحكم، فحرم الشيخ خليفة من حقه في تولي
الحكم بعده؛ ولهذا اعتبروا هذه الحركة
تصحيحًا لهذا الخطأ.
والحق
أننا لم نرَ ولم نسمع أي إيذاء لأولاد
الشيخ أحمد أو قرابته وأوليائه، إلا ما
أصاب ابنه الشيخ عبد العزيز من الخروج من
الوزارة، وكان وزيرًا للصحة، وهذا
طبيعي، وبخاصة ما قيل عنه إنه كان يحضر
لانقلاب يطيح بالشيخ خليفة.
وقد
اعتقل بعض أتباع الشيخ أحمد فترة قليلة
من الزمن، مثل الأستاذ عبد البديع صقر،
ولكنه لم يؤذَ في معتقله ولم توجه إليه
أية إهانة، ثم ما لبث أن أفرج عنه.
وقد
اعتقل بعض الشباب التابعين للأستاذ عبد
البديع، ولم يكن لهم في العير ولا
النفير، فكلمت قائد الشرطة في ذلك الوقت
في شأنهم، فأفرج عنهم فورًا.
أرض
وقرض من دولة قطر
|

|
|
القرضاوي في بيته في قطر |
في
يوم من شهر رمضان في هذه السنة (1392هـ = 1972م)،
وبعد درس من دروس العصر سألني الشيخ
خليفة أمير قطر: هل تملك بيتًا في قطر؟
قلت له: يا طويل العمر أنا أسكن على حساب
قطر، قال: يعني بالإيجار؟ قلت: نعم، قال:
ألا تحب أن يكون لك بيت تملكه؟ قلت: بلى،
ومن ذا الذي لا يحب ذلك؟ قال: وما يمنعك من
ذلك؟ قلت: وأنا أضحك: المصريون يقولون في
مثل هذه الحالة: "العين بصيرة، واليد
قصيرة". الأرض وحدها بمبلغ، فضلا عن
البناء والتأثيث.
قال:
سآمر لك بأرض وقرض، يساعدك على البناء.
وبعد
درس اليوم التالي قال الشيخ خليفة: وجدنا
لك مكانًا مناسبًا جدًّا، في شارع السد،
وسآمر عبد الرحمن بو حميد مدير إدارة
التسجيل العقاري يتصل بك، ويريك المكان،
ويرتب كل شيء.
وقد
تم كل شيء فعلا بسرعة، كما قال الشيخ،
وتسلمت الأرض، وتسلمت القرض الذي يعطى
لكبار الموظفين القطرين، ويقسط على
عشرين سنة، ولكنه لم يكن كافيًا، "كان
نحو 35 ألف ريال"، ولم تكن البنوك
الإسلامية قد نشأت بعد في قطر، حتى أدخل
معها في مرابحة تسدد على عدة سنوات كما
يحدث الآن؛ ولذا لجأت إلى بنك قطر الوطني
ليقرضني مبلغ ثلاثمائة ألف ريال قطري،
وقال البنك: عليك فوائد مقدارها كذا
وكذا، فقلت لهم: ألا يمكن الاستثناء من
هذه الفوائد؟ قالوا: هذا غير ممكن، قلت:
حتى لو جاءكم أمر من الأمير؟ قالوا:
الأمير يملك أن يتصرف في هذا بأي طريقة،
وقد يتحملها هو.
قابلت
الأمير، وقلت له: تعلم أني أحرم الفوائد،
فأرجو أن تعفيني من هذا الأمر، قال: سآمر
البنك أن لا يطالبك بأية فوائد.
وكانت
هذه المنحة تأكيدًا لجنسيتي القطرية
التي اكتسبتها بجوازي القطري.
واتفقت
مع صديقنا الأخ سالم حسن الأنصاري -لديه
شركة مقاولات- أن يقوم ببناء البيت، وقد
كانت المباني في ذلك الوقت تتكلف كثيرًا
جدًّا، ومواد البناء باهظة الثمن؛ ولذا
بنى البيت بطريقة لم تعجبني في النهاية،
ولم يكن هذا البيت الذي أتوق إليه، لهذا
آثرت أن أؤجره ولا أسكنه، ورجَّح ذلك أن
عليَّ قرضين: قرضًا طويل الأجل، وقرضًا
قصير الأجل، وإجارة البيت تساعد في قضاء
هذا الدين، ولا سيما أن راتبي كان
محدودًا، وقد جمد عند حد معين لعدة سنين،
وذلك قبل أن تنشأ جامعة قطر، وأنضم إليها.
ندوة
التشريع الإسلامي في ليبيا
في
أوائل سنة 1972م وصلتني دعوة من ليبيا
للمشاركة في "ندوة للتشريع الإسلامي"
دُعي إليها عدد من كبار العلماء من مصر
وغيرها من أنحاء العالم الإسلامي،
لمساعدة اللجنة العليا التي أنشئت بقرار
من العقيد القذافي قائد الثورة الليبية،
برئاسة المستشار علي علي منصور، وكانت
مهمة هذه اللجنة: تنقية القوانين الوضعية
في ليبيا من كل ما يخالف الشريعة
الإسلامية.
والمفروض
أن هذه مرحلة تتبعها مرحلة أخرى تقوم على
استنباط تشريعات وقوانين إسلامية، مؤسسة
على اجتهاد إسلامي معاصر، وهذه تحتاج إلى
وقت وإلى إعداد، وإلى علماء يجمعون بين
الأصالة والمعاصرة.
ومن
المعروف أن القوانين الوضعية لا تخالف
الشريعة الإسلامية مخالفة صريحة إلا في
القانون الجنائي الذي لا يعترف بخصوصية
العقوبات الإسلامية التي تتمثل في
الحدود، مثل حد السرقة، وحد الزنى، وحد
القذف، وحد قطاع الطرق، وحد شرب الخمر،
وإن كان هناك رأي قوي يرى أن عقوبة حد شرب
الخمر عقوبة تعزيرية، منوطة إلى الإمام
أو القاضي.
كما
تخالف القوانين الوضعية الشريعة
الإسلامية في تحريم الفوائد الربوية،
وتحريم المعاملات التي تشمل على غرر فاحش.
وأهم
من ذلك هو أن المنطلق الذي تنبعث منه
القوانين الوضعية غير المنطلق الذي
تنبعث منه الأحكام الشرعية، فمنطلق
القوانين اعتبارات بشرية محضة، أما
منطلق الأحكام الشرعية، فهو وحي الله
المتمثل في القرآن والسنة، وهذا لا يحجر
على المسلمين أن يجتهدوا لأنفسهم فيما لا
نص فيه، عن طريق القياس أو الاستحسان أو
الاستصلاح أو غيرها. ويمكنهم أن يقتبسوا
من غيرهم ما يرونه أصلح لهم، وأليق بجلب
الخير لهم، ودفع الشر عنهم.
وفرق
بين أن يصدر التشريع بناء على قرار حاكم
أو مجلس، وأن يصدر بناء على أمر الله
تعالى به في كتابه وعلى سنة رسوله، وعلى
ما اقتضته قواعد الشريعة ومقاصدها.
المهم
أني تلقيت الدعوة، وعرضتها على
المسئولين في وزارة التربية والتعليم،
فسمحوا لي بإجابة الدعوة، لا سيما أن
ليبيا هي التي ستتكفل بتذكرة الطائرة،
ونفقات الإقامة، ولن تتكلف قطر شيئًا.
وكانت
هذه أول مرة أخرج فيها من قوقعة قطر -في
أثناء العام الدراسي- إلى العالم من
حولي، وتعتبر الخطوة الأولى للانطلاق
الكبير بعد ذلك.
كانت
بطاقة الدعوة الليبية تشتمل على عدة
موضوعات، طلبت إليَّ الكتابة في أحدها،
وهو الموضوع الأول: الشريعة صالحة لكل
زمان ومكان.
واستخرت
الله وبدأت في الكتابة في الموضوع،
وأرسلته إليهم، فلقي القبول من اللجنة
المشرفة، وفي شهر مايو من هذه السنة (1972م)
توكلت على الله، وسافرت إلى ليبيا عن
طريق بيروت.
وكانت
الندوة مقامة تحت إشراف "كلية
الدراسات العربية والإسلامية" في
مدينة البيضاء، وهذه الكلية كانت تسمى
قديمًا: الجامعة السنوسية، وكانت تضم عدة
كليات، فاختصرت في كلية واحدة، وحذف
عنوانها، حتى لا يبقى للسنوسيين ذكر ولا
أثر.
وهذا
ما يؤخذ على الأنظمة الانقلابية: إنها
تريد أن تلغي التاريخ قبلها، كما تريد أن
يبدأ التاريخ بها، والإنصاف يقتضي أن
تذكر محاسن من قبلك؛ ليذكر محاسنك من
يأتي بعدك، ولكن هذا شأن الإنسان من قديم.
وقد
ضمت هذه الكلية إلى الجامعة الليبية، وهي
الجامعة الوحيدة في البلاد، فأصبحت إحدى
كلياتها، وكان مدير الجامعة صديقنا
الكبير الأستاذ عمر التومي الشيباني،
وعميد الكلية فضيلة الشيخ إبراهيم.
يعيروننا
بأكل الفول!
ذهبت
من بيروت إلى بني غازي، وبت في أحد
الفنادق بها، وفي الصباح نزلت إلى المطعم
لتناول الفطور، فجاءني النادل "الجرسون"
وكان مصريًّا، فسألني: ماذا نقدم لك؟ قلت:
أول شيء الفول المدمس، فقال: ألا تطلب
شيئًا بدل الفول؟ وقلت له: ولم؟ ألا يوجد
عندكم فول؟ قال: يوجد عندنا، ولكنهم
يعيروننا بأننا شعب الفول! قلت: يا عجبًا!
وهل أكل الفول معرة أو جرم حتى نعيَّر به؟
وما الفرق بين من يفطر على الفول أو على
الحمص أو على الحلبة أو على البيض ونحوه؟
يا بني، لا تعبأ بهذه الترهات، واعتز
بنفسك؛ فالفول من الطيبات التي رزقها
الله للناس، دعني من هذا كله، وائتني
بطبق الفول، ولا مانع من أن تخلطه بالحمص
أو بالبيض المسلوق، "ربنا يديمه علينا".
وسافرت
إلى مدينة البيضاء بالسيارة، حتى وصلت
إليها، وقد حضر معظم المدعوين، ثم اكتمل
عددهم يوم الافتتاح، وكان القذافي
غائبًا عن البلد، فناب عنه أحد قادة
الثورة، نسيت اسمه.
|

|
|
الشيخ مصطفى الزرقا |
وبدأت
جلسات الندوة بعد ذلك، وقد شارك فيها عدد
من العلماء المرموقين، من أبرزهم: الشيخ
محمد أبو زهرة، والشيخ الخفيف، والدكتور
محمد بيصار، والشيخ مصطفى الزرقا،
والدكتور صبحي الصالح، والدكتور حسين
حامد حسان، وغيرهم ممن لا يحضرني اسمه
الآن، كما شارك عدد من العلماء الذين
يعملون في ليبيا، مثل: دكتور عبد العزيز
عامر، ودكتور عبد الجواد محمد، وبعض رجال
الاقتصاد الليبيين.
وكانت
هذه أول مرة ألقى فيها العلامة أبو زهرة،
والعلامة الخفيف، وجهًا لوجه. أما الشيخ
الزرقا فقد سعدت بلقائه قبل ذلك، حين كان
يعمل أول خبير للموسوعة الفقهية في
الكويت.
وكان
نجم الندوة -دون منازع- هو الشيخ أبو
زهرة، الذي كان يعلق على المتكلمين،
ويتدفق كالسيل العرم وهو يتكلم، أُذِن له
أم لم يُؤذَن، فلا يملك أحد أن يمنعه، ومن
يمنع السيل من التدفق، أو النجم من
التألق؟!
وقد
ألقيت بحثي، وكان كل بحث يُمنَح ربع ساعة
لإلقائه؛ لتكون هناك فسحة مناسبة
للمناقشة، ولكن بحثي كان طويلا، فقلت لهم:
إني قطعت إلى هنا أطول مسافة قطعها أحد
المدعوين، وبحثي طويل، فينبغي أن تعطوني
فرصة مناسبة لطول المسافة التي قطعتها!
وضحك الجميع، وقابلوا اقتراحي بالقبول،
وأخذت نصف ساعة في عرض الموضوع، وعلق
الأستاذ الزرقا على البحث، فقال: كان
القرضاوي موفقًا في تحريره، كما كان
موفقًا في تمريره.
والحمد
لله لقي البحث القبول من الحضور.
كانت
هذه الرحلة فرصة للتعرف على العلامة أبي
زهرة، الذي طالما قرأت له، واشتقت إلى
لقائه ولكن لم يتح لي للأسف أن ألقاه
وجهًا لوجه، فقد كنت قبل التخرج مشغولاً
بالدراسة والدعوة، وبعد التخرج شغلت
بالاعتقال، ثم بهمِّ لقمة العيش، ولم تكن
لأبي زهرة وأمثاله فرصة ليظهر ويلقى
تلاميذه ومحبيه فيها. لهذا قرت عيني
بلقاء الشيخ الجليل. والحقيقة أن الشيخ -رحمه
الله- فرح بلقائي، وأثنى على كتابي "فقه
الزكاة"، وقد استشرته في النزول إلى
مصر في صيف هذا العام، فأنا منذ سنة 1964م
لم أنزل مصر، فقال: انتظر حتى أستشف لك
الوضع، وأخبرك بالموقف، ولا ضرورة
لاستعجال النزول هذه السنة. وهو ما ركنت
إليه.
أبو
زهرة يفجر قنبلة
وفي
هذه الندوة فجر الشيخ أبو زهرة قنبلة
فقهية، هيجت عليه أعضاء المؤتمر، حينما
فاجأهم برأيه الجديد.
وقصة
ذلك: أن الشيخ رحمه الله وقف في المؤتمر،
وقال: إني كتمت رأيًا فقهيًّا في نفسي من
عشرين سنة، وكنت قد بحت به للدكتور عبد
العزيز عامر، واستشهد به قائلا: أليس
كذلك يا دكتور عبد العزيز؟ قال: بلى. وآن
لي أن أبوح بما كتمته، قبل أن ألقى الله
تعالى، ويسألني: لماذا كتمت ما لديك من
علم، ولم تبينه للناس؟
هذا
الرأي يتعلق بقضية "الرجم" للمحصن
في حد الزنى، فرأى أن الرجم كان شريعة
يهودية، أقرها الرسول في أول الأمر، ثم
نسخت بحد الجلد في سورة النور.
قال
الشيخ: ولي على ذلك أدلة ثلاثة:
الأول:
أن الله تعالى قال: "فإذا أُحصِنَّ فإن
أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات
من العذاب" [النساء: 25]، والرجم عقوبة
لا تتنصف، فثبت أن العذاب في الآية هو
المذكور في سورة النور: "وليشهد
عذابهما طائفة من المؤمنين" [النور: 2].
والثاني:
ما رواه البخاري في جامعه الصحيح عن عبد
الله بن أوفى أنه سئل عن الرجم.. هل كان
بعد سورة النور أم قبلها؟ فقال: لا أدري.
فمن
المحتمل جدًّا أن تكون عقوبة الرجم قبل
نزول آية النور التي نسختها.
الثالث:
أن الحديث الذي اعتمدوا عليه، وقالوا:
إنه كان قرآنًا ثم نسخت تلاوته وبقي حكمه
أمر لا يقره العقل، لماذا تنسخ التلاوة
والحكم باق؟ وما قيل: إنه كان في صحيفته
فجاءت الداجن وأكلتها لا يقبله منطق.
وما
إن انتهى الشيخ من كلامه حتى ثار عليه
أغلب الحضور، وقام من قام منهم، ورد عليه
بما هو مذكور في كتب الفقه حول هذه الأدلة.
ولكن الشيخ ثبت على رأيه.
وقد
لقيته بعد انفضاض الجلسة، وقلت له: يا
مولانا، عندي رأي قريب من رأيك، ولكنه
أدنى إلى القبول منه. قال: وما هو؟
قلت:
جاء في الحديث الصحيح: "البكر بالبكر:
جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب: جلد
مائة، ورجم بالحجارة".
قال:
وماذا تأخذ من هذا الحديث؟ قلت: تعلم
فضيلتك أن الحنفية قالوا في الشطر الأول
من الحديث: الحد هو الجلد، أما التغريب أو
النفي، فهو سياسة وتعزير، موكول إلى رأي
الإمام، ولكنه ليس لازمًا في كل حال.
وعلى
هذا فثبت ما جاءت به الروايات من الرجم في
العهد النبوي، فقد رجم يهوديين، ورجم
ماعزا، ورجم الغامدية، وبعث أحد أصحابه
في قضية امرأة العسيف، وقال له: اغدُ يا
أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها.
وكذلك ما روي أن عمر رجم من بعده، وأن
عليا رجم كذلك.
ولكن
الشيخ لم يوافق على رأيي هذا، وقال لي: يا
يوسف، هل معقول أن محمد بن عبد الله
الرحمة المهداة يرمي الناس بالحجارة حتى
الموت؟ هذه شريعة يهودية، وهي أليق
بقساوة اليهود.
وكان
رأي الشيخ الزرقا مع الجمهور، ولكنه
يخالف الجمهور في تعريف "المحصن"
فعندهم: أن المحصن من حصل له الزواج، وإن
فارقته زوجه بطلاق أو وفاة، وبات في واقع
الحال لا زوجة له، وعند الزرقا: المحصن:
من له زوجة بالفعل. وهذا رأي الشيخ رشيد
رضا ذكره في تفسير المنار.
توقفت
طويلا عند قول الشيخ أبي زهرة عن رأيه:
أنه كتمه في نفسه عشرين عاما، لماذا
كتمه، ولم يعلنه في درس أو محاضرة أو كتاب
أو مقالة؟ لقد فعل ذلك خشية هياج العامة
عليه، وتوجيه سهام التشهير والتجريح
إليه، كما حدث له في هذه الندوة.
وقلت
في نفسي: كم من آراء واجتهادات جديدة
وجريئة تبقى حبيسة في صدور أصحابها، حتى
تموت معهم، ولم يسمع بها أحد، ولم ينقلها
أحد عنهم!!
ولذلك
حين تحدثت عن معالم وضوابط الاجتهاد
المعاصر، جعلت منها: أن نفسح صدورنا
للمخطئ في اجتهاده، فبهذا يحيا الاجتهاد
ويزدهر، والمجتهد بشر غير معصوم، فمن حقه
-بل الواجب عليه- أن يجتهد ويتحرى ويستفرغ
وسعه، ولا يلزمه أن يكون الصواب معه
دائمًا، وما دامت صدورنا تضيق بالرأي
المخالف للجمهور، فلن ينمو الاجتهاد،
ولن يؤتي ثمراته.
على
أن ما يحسبه بعض الناس خطأ قد يكن هو
الصواب بعينه، وخصوصًا إذا تغير المكان
والزمان.
ويبدو
أن هذه الحملة الهائجة المائجة التي
واجهها الشيخ أبو زهرة جعلته يصمت عن
إبداء رأيه؛ فلم يسجله مكتوبًا بعد ذلك.
وربما لأن الشيخ الكبير لم يعمر بعد ذلك
طويلا؛ فقد وافته المنية بعد أشهر، عليه
رحمه الله ورضوانه.
وقد
رأيت الشيخ نسب هذا الرأي في كتابه "العقوبة"
إلى الخوارج، واستدل لهم بما ذكره في
ندوة ليبيا، وأعتقد أن ذلك كان أسبق من
الندوة.
حوار
ساخن عند القذافي
|

|
|
معمر
القذافي |
بعد
أن انتهت الندوة، قالوا لنا: أنتم
مطلوبون للقاء القذافي قائد الثورة في
مدينة طرابلس، فاستعدوا للذهاب إلى بني
غازي، ومن هناك ستأخذنا طائرة خاصة إلى
العاصمة طرابلس، وقد وصلنا في حوالي
العاشرة مساء، ثم نقلنا إلى مقر مجلس
الثورة، لننتظر نحو نصف ساعة، حتى حضر
العقيد، ومعه اثنان من القادة: أحدهما
يجلس عن يمينه، وهو عبد السلام جلود
نائبه، والثاني: لا نعرفه.
وكان
يصحبه بعض المدنيين، منهم الأستاذ
إبراهيم الغويل المحامي، ومنهم صحفي
يساري، اسمه: صادق نيهوم، كان كأنه
المتحدث باسمه، وهو علماني جريء طويل
اللسان.
وقد
أثار القذافي موضوعات شتى، كان من أهمها
كلام حول أمرين خطيرين: "السنة" وإن
لم يفصح تمامًا عن أفكاره حولها، ولكن
أوحت عباراته وتعليقاته، بأن لديه
شكوكًا وشبهات حول ثبوت السنة، وحول
حجيتها.
والثاني
حول "الردة" ولماذا يقتل المرتد؟
وتكلم العلماء يدافعون عن حد الردة،
وعقوبة المرتد، وأثار الصادق نيهوم
سؤالين: هل الردة موقف عقلي أو هي جريمة
ضد الجماعة؟ وأجاب هو عن سؤاله، فقال: إن
الردة موقف عقلي، إنسان اقتنع بدين، ثم
تغير فكره وتحول اقتناعه، فلم يَعُد يؤمن
به.. فلماذا يعاقب؟
قلت
له: إن الردة ليست مجرد موقف عقلي، إنها
تغيير للولاء من أمة إلى أخرى، هل يباح
للإنسان أن يغير ولاءه لوطنه إلى أعداء
وطنه بدعوى أنه حر في ولائه؟ إن أحدًا لا
يقبل منه ذلك، ويعتبر كل الناس ذلك منه
خيانة وطنية، يعاقب عليها بالإعدام،
والردة هي تغيير الولاء من أمة الإسلام
إلى أعدائها؛ فهو بردته أصبح عدوًّا
لأمته، مواليًا لأعدائها.
وتطرق
الحديث إلى العلماء ودور العلماء، وعزلة
العلماء عن المشاركة في توجيه المجتمع،
وتحدث الإخوة المشايخ: أن العلماء لا
يتأخرون عن القيام بواجبهم، إذا فتح
الباب لهم، وأتيح لهم أن يبينوا للناس
شرع الله.
وقلت
في ذلك: إن العلماء مستعدون أن يكونوا
خدمًا لمن يخدم الشريعة.
وهنا
قال الشيخ أبو زهرة: إننا لسنا خدمًا لأحد
كائنًا من كان.
قلت:
يا مولانا، إننا خدم لمن يخدم الشريعة؛
فخدمتنا في الحقيقة إنما هي للشريعة.
قال:
نحن سادة ولسنا خدمًا!
رجال
الثورة يقرؤون كتبي
وقد
طالت الجلسة إلى ما يقرب الثانية مساء،
ثم انفضت، وانصرف العقيد وصحبه، ولكن قبل
انصرافه فوجئت بالعضو الذي كان عن يمين
القذافي يقبل عليّ ويصافحني بحرارة،
ويقول: أنا المقدم بشير هوادي عضو مجلس
الثورة، وأنا من قراء كتبك ومن المعجبين
بك، وقال: عندي كذا وكذا من كتبك، قلت له:
اسمح لي أن أبعث إليك ببقية الكتب. قال:
أكون شاكرًا وممتنًا، ويكون هذا فضلا منك.
وقد
بقينا بعدها يومين في طرابلس لقيت
أثناءها الأخ الفاضل الحاج أحمد حلمي عبد
المجيد، أحد قادة الإخوان، ونائب عثمان
أحمد عثمان وممثله في ليبيا التي يوجد
لشركة عثمان فيها مشروعات كبرى.
ذكرت
للحاج حلمي ما قاله بشير هوادي، فشجعني
على إرسال الكتب إليه، ولكنه أضاف: هناك
رجل آخر مهم في مجلس الثورة، هو من قرائك
ومحبيك أيضًا، هو المقدم مصطفى الخروبي؛
فحبذا أن ترسل إليه هو الآخر مجموعة كتبك.
وقد فعلت ذلك، بمجرد رجوعي إلى قطر.
أما
بشير هوادي فبعد عدة سنوات اختلف مع
القذافي وأطيح به، وأما الخروبي "اللواء
مصطفى الخروبي" فما زال أحد القيادات
المهمة في ليبيا، ولا تزال بيني وبينه
مودة، حتى إنه زار قطر منذ سنوات ولم أكن
موجودًا، فأرسل إلي باقة ورد إلى منزلي.
وحين زرت ليبيا في عام 2002م أرسل إلي بهدية
في الفندق الذي أنزل فيه.
والعجيب
أني سألت الإخوة في ذلك الوقت "1972م"
عن كتبي، فوجدتها ممنوعة من دخول ليبيا!
العودة
إلى قطر عن طريق بيروت
|

|
|
زهير الشاويش |
وآن
لي بعد هذه الأيام الحافلة أن أعود إلى
قطر، فامتطينا الطائرة من طرابلس إلى
بيروت، وقد بت فيها عند الأخ الصديق زهير
الشاويش الذي رأى البحث الذي قدمته
للندوة في ليبيا، فطلب مني أن يتولى
نشره، وصدرت الطبعة الأولى منه عن المكتب
الإسلامي في بيروت، وبعد أن نزلت إلى مصر
سنة 1973م، نشرته مع عدد من الكتب في مصر،
وقد نقحته وأضفت إليه، في طبعات لاحقة،
كما أفعل في كثير من كتبي، وهو شأن كل
مؤلف، يستدرك على نفسه، فيزيد ويحذف،
ويهذب ويعدل، طلبًا للكمال الممكن، ما
وجد إليه سبيلا.
سفر
الأولاد إلى مصر
وعدت
إلى قطر؛ لأواجه امتحانات آخر العام،
وأستعد للإجازة الصيفية التي دنا
موعدها، وبعد البحث والتشاور وجدت أن
الوقت غدا مناسبا لسفر الأولاد وحدهم هذا
العام، بعد انقطاع ثماني سنوات عن السفر
إلى مصر، وبعض أولادي لم يروا مصر قط، مثل
أبنائي الذكور: محمد وعبد الرحمن وأسامة،
وبناتي لم يرين مصر إلا صغيرات جدًّا؛
لذا لا يعرفن عنها شيئًا، فإذا كانت
ظروفي حتى الآن لا تسمح بالسفر، فليسافر
الأولاد على بركة الله.
وقد
سافرت والأسرة إلى بيروت، وبقينا فيها
أيامًا في فندق شبلي بسوق الغرب، ثم
ودعتهم في مطار بيروت ليصلوا إلى القاهرة
بسلام.
وبقيت
وحدي في لبنان، متنقلا بين جبالها في
الشمال والجنوب؛ فقد ذهبت فترة إلى منطقة
"الضِّنّية" بالقرب من طرابلس، ولكن
للأسف رأيت المناطق الإسلامية غير معنيّ
بها، مثل المناطق المسيحية والدرزية.
السفر
إلى سوريا بالسيارة
في
هذا الوقت جاء صهري -شقيق زوجتي- الأخ
سامي عبد الجواد من الدوحة في إجازة؛
ليقضي أيامًا قليلة في لبنان، ثم ينطلق
لزيارة سوريا لزيارة مصايفها، وزيارة
الأخ الصديق أبي البراء سليمان الستاوي
في منزله في حلب، وهو متزوج منها وأصهاره
هناك.
وكانت
فرصة أن أجدد عهدي بسوريا، بعد عشرين
عامًا من زيارتي الأولى لها "سنة 1952م"
ولكن بقيت مشكلة؛ فالمفروض أن مثلي ممنوع
من دخول سوريا، كما أن كتبي ممنوعة من
دخولها.
|

|
|
ارتديت البذلة الإفرنجية في سفري لسوريا |
ومع
هذا قررت أن أجازف بالدخول، عن طريق
السيارات بالبر، وهم في البر لا يدققون
في جوازات الداخلين في الصيف كثيرًا،
تشجيعًا للسياحة.
وفعلا
ركبنا السيارة أنا وصهري وزوجته وابنه
الصغير أيمن، ولا أذكر هل كان معنا أحد
آخر أو لا؟ وكنت ألبس البذلة الإفرنجية،
فهي الأنسب لي في هذه الظروف. وعند الدخول
إلى سوريا قدمنا الجوازات مجموعة، وكانت
عدة سيارات داخلة معنا، فنظروا في
الجوازات نظرة سطحية، وبخاصة أن جوازي
قطري، وليس بين سوريا وقطر أي حساسية في
العلاقات، وختموا الجوازات بسهولة
وسرعة، وردوها إلينا.
وحمدت
الله أن لم تحدث مشكلة في الدخول، فهل
يحدث شيء بعد الدخول؟ الواقع أني لا أنوي
القيام بأي نشاط من أي نوع، فإنما جئت
سائحًا أتمتع بهواء سوريا فقط، ولم أجئ
داعية ولا مدرسًا، ومن كان كذلك لم يلفت
نظر أحد وهذا ما كان.
يا
سبحان الله! منذ عشرين سنة دخلت سوريا
التي كانت تحكم حكمًا عسكريًّا، واضطررت
أن أتخفى في تعاملي مع الناس تحت اسم "عبد
الله المصري"، واليوم أدخلها تحت ستار
"سائح عربي"، وحتى اليوم وأنا أكتب
هذه المذكرات لم يتح لي دخول سوريا بوصفي
عالمًا وداعية مسلمًا!
بعد
دخول سوريا ذهبنا أول ما ذهبنا إلى منطقة
جميلة بالقرب من دمشق تسمى "العين
الخضراء"، استأجرنا فيها حجرتين،
وبقينا فيها، نمتع أعيننا وحواسنا كلها
بماء العين الدافق البارد، والخضرة
حولها، وبالوجوه الحسنة التي تزور
المكان، كما قال الشاعر قديما، وكانت
أيامًا جميلة، مرت كما يمر النسيم
الناعم، ثم ودعناها لنسير إلى عاصمة
الأمويين "دمشق" أو "جلق" كما
سميت من قبل.
ورأينا
نهر "بردى" وتذكرت قول شوقي:
سلام
من صبا بردى أرقُّ ودمع لا يكفكف يا دمشق!
وقوله
في مقام آخر:
آمنت
بالله واستثنيت جنة دمشق روح وجنات
وريحان!
وبعدها
مررنا على مصايف دمشق، حتى انتهينا إلى
"الزبداني" وبقينا فيه فترة، وأذكر
أننا لم نبِتْ هناك، ولكن عدنا إلى دمشق؛
لنزور تحفتها المعمارية الرائعة "الجامع
الأموي" وما فيه من فخامة وروعة في
أعمدته وسقوفه وجدرانه، وساحاته
وحجراته، من جميل الفسيفساء وزخارف
البناء. وكم كانت حسرتي وحزني، وأنا
أتجول في هذا الجامع العظيم الذي شهد
عظمة الأمويين، واتساع الدولة الإسلامية
في عهدهم التي وصلت الصين شرقًا والأندلس
غربًا، حتى رأيناها في وقت واحد، تحارب
في جهات أربع في أنحاء العالم، يقود
جيوشها أربعة من قوادها الكبار: مسلمة بن
عبد الملك في الصين، وقتيبة بن مسلم في
سمرقند، ومحمد بن القاسم في الهند، وموسى
بن نصير ومعه طارق بن زياد في الأندلس أو
أسبانيا.
أين
الخلفاء والأمراء العظام الذين كانوا
يؤمون الناس في محراب هذا المسجد، أو
يعتلوا منبره ليخطبوهم؟ وحكام هذا البلد
اليوم لا علاقة لهم بالمسجد ولا بالصلاة؟
وتذكرت
هنا قول أمير الشعراء أحمد شوقي في
قصيدته عن دمشق:
مررت
بالمسجد المحزون أسأله: هل في المصلى أو
المحراب مروان؟
|

|
|
صلاح الدين الأيوبي |
كما
زرنا قبر صلاح الدين الأيوبي الذي زاره
القائد الفرنسي "غورو" أثناء الحرب
العالمية الأولى، وقال له بشماتة بعد
انتصارهم على الأتراك: "ها قد عدنا يا
صلاح الدين"!
بقينا
يومين أو ثلاثة في دمشق، في أحد الفنادق
هناك، واشترينا بعض الأشياء من "سوق
الحمدية" منها بعض التحف، ومنها بعض
المفارش وكسوة لطقم عندنا، واستضافنا آل
دعبول في منزلهم هناك، ولم يكن الأخ
رضوان أبو مروان موجودًا، حيث لا تسمح
الظروف بدخوله. وهنا تذكرت الكثيرين من
أبناء دمشق الذين لا يستطيعون دخولها:
العالم الداعية الأديب الأستاذ عصام
العطار، والعالم الداعية الدكتور محمد
الهواري، والعالم المؤلف الداعية
الدكتور محمد أديب الصالح، والعالم
المحدث الشيخ محمد الصباغ، والعالم
المحقق الناشر الشيخ زهير الشاويش،
وكثيرين.
ثم
عقدنا العزم على الذهاب إلى حلب، مرورًا
بحمص وحماة، مستأجرين سيارة تاكسي
لتوصيلنا، وعند مرورنا بحمص ترحمنا على
علامة سوريا، الفقيه الداعية، ابن حمص
الشيخ مصطفى السباعي عليه رحمة الله.
وتذكرت الأيام الطيبة التي قضيتها مع
الإخوة في حمص سنة 1952م. وتذكرت الإخوة من
علماء حمص المحرومين من العودة إليها،
مثل الشيخ محمد علي مشعل وغيره.
وعند
مرورنا بحماة تذكرت عالمها ومرشدها
الكبير رجل التقى والورع الشيخ محمد
الحامد رحمه الله، وتذكرت عالمها
المعاصر الداعية الثائر الشيخ سعيد حوى،
وتذكرت إخواننا الحمويين الذين يعملون
في قطر وغيرها، ولا يستطيعون العودة إلى
بلدهم الحبيب: مصطفى الصيرفي، وعدنان سعد
الدين، ونعسان عرواني، وغيرهم.
وعند
حماة توقفنا قليلاً للاستراحة والصلاة،
وشراء بعض الحلوى الحموية الشهيرة "الشعيبيات".
وانتهينا
إلى حلب "الشهباء" لننزل ضيوفًا على
الأخ الصديق سليمان الستاوي، وقد رحب بنا
هو وأهله وأحباؤه، وأكرموا وفادتنا غاية
الإكرام، وقابلنا أقارب الأستاذ عادل
كنعان، وإن كان هو لا ينزل إلى سوريا، ككل
إخواننا الذين لا يأمنون لحزب البعث، وإن
لم يؤخذ عليهم أي جرم، ولكن الأنظمة
الشمولية القاهرة لا تفرق بين بريء ومسيء.
وتذكرت
إخواننا الكرام من علماء سوريا ودعاتها
الذين غادروها من سنين، ولم يعودوا إليها:
العالم المحدث الشيخ عبد الفتاح أبو غدة،
والعالم الفقيه الشيخ مصطفى الزرقا،
والعالم الشاعر الأستاذ عمر بهاء الدين
الأميري، والعالم السياسي الدكتور معروف
الدواليبي، والعالم الداعية أبو الفتح
البيانوني، وشقيقه الأستاذ علي
البيانوني. وآخرين كثيرين لا يتسع المقام
لذكرهم.
وبعد
يومين أو ثلاثة أيام قضيناها في حلب،
زرنا فيها قلعتها الشهيرة وسجنها
الرهيب، وتجولنا في أنحاء حلب، فهي مدينة
عريقة، لها تاريخ ولها عبقها الخاص، وهي
مدينة سيف الدولة الحمداني، وأبي فراس
الشاعر الفارس، وأبي الطيب المتنبي،
وغيرهم من العلماء والأدباء والفلاسفة.
ومن
حلب انطلقنا إلى منطقة اصطياف قريبة من
الحدود التركية أظن أن اسمها "شطب"
وبقينا فيها مدة لا أذكرها ثم انتقلنا
إلى مصيف على البحر اسمه "عين البسيط".
ثم
انطلقنا من هذه المنطقة إلى اللاذقية؛
ليستضيفنا شقيق الأخ الصديق الأديب
الباحث الأستاذ هاني طايع الذي لا يستطيع
أيضًا النزول إلى سوريا.
ومن
اللاذقية ودعت الأخ سامي وأهله، ليستكمل
إجازته في سوريا، وسافرت أنا إلى لبنان
عن طريق طرطوس، ونزلت بفندق شبلي في سوق
الغرب.
إلى
تركيا مع الشيخ عبد المعز
وبعد
رجوعي إلى لبنان، حضر فضيلة الأخ الكبير
الشيخ عبد المعز عبد الستار إلى بيروت في
طريقه إلى تركيا، فسأل عني، ولقيته،
وأخبرني أنه مسافر إلى تركيا، ويريد أن
أكون معه، وبخاصة أنني ذهبت إليها مرتين،
وأصبحت خبيرًا بمداخلها ومخارجها،
وجوامعها ومتاحفها وأسواقها.
وسافرنا
من بيروت إلى إستانبول مرة واحدة، عن
طريق الطيران التركي، وكان مع الشيخ
ابناه محمد وعبد الستار.
وفي
هذه الزيارة جددت العهد بزيارة المناطق
التي زرتها من قبل سنتي 1967، 1968م، فزرتها
مرة أخرى مع الشيخ عبد المعز.
وسافرنا
إلى "يالوا" وإلى "بورصة"
وركبنا التلفريك، واستمتعنا بجبل بورصة،
وأكلنا اللحم المشوي، وحلينا بالبطيخ،
على العادة في تلك الزيارة.
وفي
عودتنا حدثت لنا حادثة، لولا لطف الله
تعالى بنا لكنا هلكنا، فقد كان في الطريق
مطر مستمر، تسبب في انزلاق "الباص"
الذي نركبه، وكاد ينقلب بنا، لولا أنه
اتجه نحو الجبل، ومن شدة الصدمة وقع
الناس في داخل الباص، واصطدم بعضهم وجرح
بعضهم، سقطت الأمتعة التي كان يحملها بعض
الناس، وخصوصًا "الكربوز" وهو
البطيخ، "والقاوون" وهو الشمام، و"الشفتلي"
الخوخ والدراق، فقد تدحرجت هذه الأشياء،
ونزلت من الحافلة، وهي تجري وتركض بسرعة
في الطريق النازل من أعلى إلى أسفل. وسقطت
إحدى النساء من الحافلة، واصطدمت
بالأرض، وسالت منها الدماء، ونقلتها
إحدى السيارات إلى أقرب مستشفى، ولا ندري
ماذا فعل الله بها.
وتعطلت
السيارة، ووقفنا حتى جيء لنا بسيارة
أخرى، وقلنا: الحمد لله، لو اتجهت
الحافلة "الباص" نحو الوادي، لكان
في ذلك هلاك محقق، والعجيب أن أحدًا لا
يعرف عنا شيئًا، فلله الفضل والمنة، ففي
كل قدر لطف. وقد قال ابن عطاء: من ظن
انفكاك لطفه تعالى عن قدره، فذلك لقصور
نظره: "إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو
العليم الحكيم" [يوسف: 100].
ثم
عدنا إلى لبنان مرة أخرى، وقد أوشكت
الإجازة أن تنتهي، وقرب موعد وصول
الأولاد من القاهرة إلى بيروت.
وبعد
أيام قليلة عادت زوجتي وأولادي، بعد أن
عاشوا هذه الإجازة في مصر، واستمتعوا بجو
مصر، ونيل مصر، وعبق مصر، وإن قالوا: إن
عدم وجودك معنا جعلنا نشعر دائمًا أن
هناك فراغًا لا يسده أحد، قلت: أرجو الله
ألا يحدث ذلك في المستقبل.
ومن
لبنان عدنا إلى قطر -أنا والعائلة- نستقبل
عامًا دراسيًّا جديدًا، نسأل الله أن
يكون خيرًا من سابقه، وأن يمدنا فيه
بعونه، ويحرسنا بعينه، وأن لا يكلنا إلى
أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك.
|