آخر تحديث: 16/2/2009م

 
         
الحلقة (13)
عبد الناصر في الميزان

ومات عبد الناصر

جنازة عبد الناصر

في سبتمبر 1970م وفي يوم 28 منه أعلن نبأ هائل على العالم العربي.. إنه موت عبد الناصر.

في هذه الليلة اتصل الأخ الأستاذ عبد البديع صقر بي، وقال: إن إذاعة القاهرة أوقفت كل برامجها، ولا تذيع إلا القرآن، و"المارشات" العسكرية، وكذلك إذاعة "صوت العرب". ويبدو أن عبد الناصر مات، ويتوقع إذاعة الخبر بعد قليل.

ولم تمض إلا برهة قليلة؛ حتى سمع الناس صوت أنور السادات ينعى إلى الشعب المصري وإلى الأمة العربية رجلا من أعز الرجال، ومن أغلى الرجال!

الصوت الذي أعلن البيان الأول لثورة 23 يوليو -أو لانقلاب 23 يوليو- هو نفس الصوت الذي أذاع نبأ وفاة الرجل الذي فجَّر هذه الثورة.

لا شماتة في الموت.. ولكن

لا شماتة في الموت، وكلنا من هذه الكأس شاربون، وإلى هذا المصير ذاهبون. ولكننا -نحن الإخوان- بشر، يحكمنا ما يحكم البشر من عواطف ومشاعر. فقد مات الرجل الذي قهرنا وأذل كبرياءنا، وذقنا على يديه ألوان العذاب.. الرجل الذي سجن رجالنا، وسجن كل من يساعد أسرنا بعشرة قروش؛ حتى يموت أولادنا من الجوع، وتضطر نساؤنا إلى مد اليد، أو ما هو أكثر من ذلك، تحت قهر الحاجة، وعضة الجوع، والجوع كافر لا يرحم.. الرجل الذي علق المشانق لدعاتنا وعلمائنا: عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي، وسيد قطب وغيرهم. والذي قتل أكثر من عشرين منا جهرة في ليمان طرة، وقتل آخرين خفية في أتون التعذيب.. وتحت لهيب السياط والكي بالنار، وغيرها من الآليات المستوردة من النازية والشيوعية.

الرجل الذي منعنا من حقنا في وظائف الدولة، ونحن أولى الناس بها بمقتضى مؤهلاتنا، وتقدمنا في ترتيب الناجحين، وألجأنا إلى أن نطرق أبواب المدارس الخاصة؛ ليردنا من يردنا، ويقبلنا من يقبلنا على هون!

الرجل الذي سلط علينا أجهزة إعلامه -مقروءة ومسموعة ومرئية- لتفتري علينا الأكاذيب، وتتقول علينا الأقاويل، وتشوه وجه دعوتنا، وترمي بالإفك رجالنا، ولا تمكننا من أن نقول كلمة في رد البهتان، وتفنيد الافتراء.

الرجل الذي أغلق دُورنا، وعطل مسيرتنا، وعوق دعوتنا، وجمد حركتنا، في حين أطلق الحرية للشيوعيين واللادينيين!

سيد قطب

لقد مات الرجل المسئول الأول عن ذلك كله؛ فمن حقنا أن نتنفس الصعداء، وأن نستبشر بموته، وأن نتوقع تغييرا من وراء ذلك يكون في صالحنا، وفي صالح وطننا وأمتنا. "فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا" [الشرح: 6،5].

هكذا كان موقفنا نحن الإخوان المسلمين الذين أصابنا ما أصابنا في عهد عبد الناصر، وكنا من ضحايا جبروت هذا النظام الشمولي الطاغوتي الذي قهرنا وقهر شعب مصر كله معنا.

لكن جماهير شعبنا المصري وشعبنا العربي حزنت على عبد الناصر، وبكت عليه، وخرجت جموعها بعشرات الألوف، ومئات الألوف، مودعة حزينة منتحبة.

خواطر حول الموت

إن شعبنا المصري شعب عاطفي، تهزه المصائب، وتغلب عليه الأحزان، ويبكي على الموتى بحرارة وحرقة؛ لهذا بكى عبد الناصر الذي مات فجأة، ومات قبل سن الشيخوخة المعتاد، ولم تُجْدِ معه محاولة الأطباء، ولا أنواع الدواء، وقد اجتمع حوله من النطاسيين والخبراء أكبرهم قدرًا، وأثقلهم وزنًا، لكن الداء إذا كان من السماء بطل الدواء، وعز الشفاء. "ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون" [المنافقون: 11].

هذه نهاية كل حي: أن يموت، وأن يوارَى في حفرة، وأن يدع الأهل والولد، والأعوان والخلان، وأن يواجه وحده عمله في حفرته أو في قبره.

هذه نهاية الرسل والأنبياء كما قال الله لرسوله: "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ" [الزمر: 30، 31]، وقال له: "وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" [الأنبياء: 34، 35].

وهذه نهاية الملوك والأمراء والأباطرة وغيرهم من أصحاب السلطان، وذوي الهيل والهيلمان، ممن ملكوا القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وممن كانت الجيوش الجرارة تحرسهم، والرجال الأقوياء يخدمونهم، والشعوب رهن إشارتهم، وطوع إرادتهم، ثم أتاهم هازم اللذات، ومفرق الجماعات: الموت، ففارقوا هذا كله، ولم يغن عنهم هذا كله من الله شيئا! فارقوه مكرهين، وواجهوا مصيرهم منفردين. ولسان حالهم يقول: "مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ" [الحاقة: 28، 29].

أو يقول ما قاله أحد الملوك الكبار من المسلمين، وهو على فراش الموت: "يا من لا يزول ملكه، ارحمن من زال ملكه"!

طافت هذه الأفكار والأحاسيس بخاطري بعد موت عبد الناصر. وقلت في نفسي: لماذا لا يعتبر الناس بالموت؟ لماذا ينسى كل حي أنه ولد ليموت؟ لماذا ينسى المرء مَن شيعه من أقارب وأحبة وأصدقاء وواراهم التراب؟ لماذا ينسى الملوك والرؤساء أن الملك لو دام لمن قبلهم ما وصل إليهم؟ وأنه سينتقل منهم إلى مَن بعدهم؟!

هذه خواطر واعظ أو داعية، لن تغير من الواقع شيئا. فالناس هم الناس، يدفنون الموتى بأيديهم، ثم يعودون من دفنهم ليمارسوا حياتهم، وكأن شيئا لم يكن. ولعل هذه الغفلة عن مصيبة الموت من نعمة الله على الإنسان، حتى تعمر الأرض، وتستمر ساقية الحياة تدور ولا تتوقف. لكن زيادة هذه الغفلة واستمرارها هو الخطر الذي لا يليق بأهل الإيمان.

موقف قطر وأهل الخليج

كان وقع موت عبد الناصر شديدا على أهل قطر، وأهل الخليج عامة؛ فقد كانوا -بصفة عامة- معجبين به، محبين له؛ فهو الزعيم الذي أشعرهم بوجودهم أمام الاستعمار المتغطرس، وقد كانوا منسيين لا يحس بهم أحد، حتى ظهر "صوت العرب" من القاهرة يناديهم بصوت جهوري: أخي في عمان، أخي في دبي، أخي في قطر، أخي في البحرين...

أحمد سعيد

وكان صوت أحمد سعيد مدير صوت العرب ورفقائه الأولين: محمد أبو الفتوح، ومحمد عروق، وسيد الغضبان وغيرهم يحرك الساكن، ويثير الكامن في هؤلاء العرب على ضفاف الخليج الذي كان يسمى "الخليج الفارسي"، فأصبح لسان الإعلام الجديد يطلق عليه "الخليج العربي". وقد تعلقت قلوب أهل الخليج أكثر بعبد الناصر، حين "أمّم" قناة السويس، وواجه التحدي الغربي الذي تمثل في العدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) على مصر، وإعلان عبد الناصر من منبر الأزهر: سنقاتل، سنقاتل.

كما وقف عبد الناصر في وجه الغرب حين خرج من أَسر احتكار السلاح، واشترى سلاحه من المعسكر الشرقي الشيوعي، ثم تحدى أمريكا في بناء السد العالي، معتمدا على روسيا والاتحاد السوفيتي.

كل هذا حبب عبد الناصر إلى أهل الخليج، وخصوصا بعد تبنيه لدعوة "القومية العربية" التي صادفت هوى في قلوب كثير من العرب، بعد سقوط الخلافة، وضعف الرابطة الإسلامية.

فلا غرو أن يحزن أهل الخليج على فراق عبد الناصر، وإن كان وقع الموت على أهل قطر وأهل الخليج عامة خفيفا هينا، لا يزلزل الإنسان الخليجي، كما يزلزل الإنسان المصري. لكنهم على أي حال تأثروا بموت عبد الناصر.

وجاء التوجيه في قطر إلى خطباء المساجد أن يصلوا صلاة الجنازة -صلاة الغائب- على عبد الناصر، وفي جامع الشيوخ (الجامع الكبير) وقف المصلون جميعا خلف الإمام ليصلوا ما عدا واحدا، رفض القيام والمشاركة في الصلاة، هو أخونا الكريم الشيخ مصطفى جبر رحمه الله، قال: أنا لا أصلي على ظالم وطاغية! وكان الشيخ مصطفى موظفا في وزارة التربية. فأمر وزيرها الشيخ قاسم بن حمد آل ثاني رحمه الله حين بلغه ذلك بإيقافه عن العمل! وقد توسطنا له عند الوزير، فرفع عنه العقوبة.

تعزية في عبد الناصر

أسرة عبد الناصر تقف على قبره

ولم تكن في قطر سفارة لمصر -أو للجمهورية العربية المتحدة كما كانت تسمَّى، حتى بعد انفصال سوريا- لكن الجالية المصرية ومعها بعض أهل قطر أقامت حفل عزاء لعبد الناصر، تتقبل فيه تعزيات المعزين.

وقد قاطعه الإخوان عامة إلا قليلا منهم، رأوا أن من واجب المجاملة أن يعزوا فيه، وقال بعضهم -وكان من المعتقلين الذين نالهم من الأذى والبلاء ما نالهم-: إني أشفي غليلي بالعزاء فيه!

وكنت ممن قاطع هذا الحفل، ولكن أخوين كريمين زاراني في بيتي ورجواني أن أشارك في هذا العزاء، قالا: لِما لك من وزن خاص في قطر، وتعزيتك ستكون لها معنى، وتدفع أذى كثيرا عن الإخوان الذين لم يشارك جمهورهم في هذا العزاء؛ فقد يصيبهم أذى كما أصاب أخانا مصطفى جبر الذي رفض الصلاة على عبد الناصر... وما زالا يلحان عليَّ حتى استجبت لهما، وذهبت معهما، وأنا رجل أضعف أمام ضغط الإلحاح. وقد ذهبت والحفل يوشك أن ينفضَّ، ولكن كان لحضوري اعتبار خاص قدره كل الموجودين.

كان الأخوان اللذان زاراني وألحّا علي في المشاركة هما الأخ الحاج محمد حلمي المنياوي، والأخ عبد الحميد طه من إخواننا القدامى في قطر، ويعمل رئيس منطقة تعليمية في قطر.

أما الحاج حلمي المنياوي فهو أحد ضحايا عبد الناصر؛ فقد كان صاحب "دار الكتاب العربي" للطباعة والنشر في القاهرة، وهي إحدى الدور الرائدة التي كان لها دورها في نشر الكتب الإسلامية والعربية التي تطورت مبكرا تطورا كبيرا، وكان الحاج حلمي من أعضاء الهيئة التأسيسية للإخوان، وقد انتهت مؤسسته الكبيرة على يد عبد الناصر، واضطر الرجل أن يهاجر، ويعمل موظفا في مؤسسة "دار العلوم" للطباعة التي يملكها آل عبد الغني في قطر. ولهذا لما جاءني الحاج حلمي مع الأخ عبد الحميد طه، وألح عليَّ أن أذهب معهما للعزاء، وقال الحاج حلمي: إن في هذا رعاية لأمثالي الذين لا ظهر لهم ولا تاريخ في قطر. صعب عليّ هذا الرجل الذي كان ملء السمع والبصر في مصر سنوات طويلة. وقيل من قبل: ارحموا عزيز قوم ذل!

ونُقل خبر تعزيتي في عبد الناصر إلى الإخوة في الكويت وغيرها مجردة عن دواعيها وملابساتها؛ فإذا بي أواجه حملة شعواء من الإخوان عليَّ أني عزيت في الطاغية الذي عذب الإخوان، وعطل دعوتهم، وعوَّق مسيرتهم، وفعل بهم الأفاعيل، وكان بعض الإخوة السطحيين المساكين يتقربون إلى الله تعالى بالتشنيع عليَّ، والنَّيْل من عِرضي، وكأني لست ممن ابتلوا بجحيم عبد الناصر، ولا ممن ذاقوا الويلات على يديه.

لكن عيب الجماعات الكبيرة أن فيها أناسا تغلب عليهم النزعة "الظاهرية" في قراءة الوقائع، وفي تحليل الأمور؛ فيحكمون على الأمور بظواهرها القريبة، دون النظر إلى آفاقها البعيدة، لا يعرفون ما يسميه الفقهاء فقه المقاصد، ولا فقه المآلات. هذا الفقه الذي جعل الرسول يبقي على المنافقين وهم يكيدون له ويمكرون به. وقد أشار عليه المخلصون من أصحابه بقتلهم والاستراحة من شرهم. فكان رده: "أخشى أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه".

هذه الفئة في الإخوان وفي غيرها من الجماعات التي لا تنظر إلا إلى مواضع أقدامها عالية الصوت، قادرة على التشويش والتشويه، ولو إلى زمن، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل، سُنّة الله في خلقه: " بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ" [الأنبياء: 18].

وقفة لتقويم عبد الناصر وعهده

لقد غيب الموت عبد الناصر، وطويت صفحته من دنيانا، ولقي ربه بما له وما عليه، وسيجزيه ربه بما يستحقه، يوم تُبلَى السرائر، إذا بُعثر ما في القبور، وحُصل ما في الصدور، وهو سبحانه يعلم السر وأخفى، ولا يضيع عنده مثقال ذرة، ولا يخاف أحد عنده ظلما ولا هضما. ومعنى الظلم: أن يحمل وزر غيره، ومعنى الهضم: أن يضيع أجر عمله.

ومن الناس من إذا مات ماتت خطاياه معه، فطوبى له. ومنهم من يموت ولا تموت ذنوبه، بل تبقى من بعده آثار ظلمه وعدوانه، وهو الذي قال الله تعالى في أمثاله: "ونكتب ما قدموا وآثارهم" [يس: 12].

هل من حقنا أن نقف وقفة متأنية لتقويم عبد الناصر وعهده، وما فيه من حسنات وسيئات، وإنجازات وإخفاقات؟ هل كانت ثورة 23 يوليو خيرا أم شرا على المصريين والعرب؟

ربما توقف بعض أهل الدين من الناحية الشرعية، وقالوا: نحن أُمِرنا أن نذكر محاسن موتانا، وجاء في الحديث: "لا تذكروا هلكاكم إلا بخير"، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الأموات؛ لسببين: الأول: أنهم أفضوا إلى ما قدموا، وأمسوا عند رب عادل يحاسبهم.

والثاني: أن سب الأموات يؤذي الأحياء ممن يهمه أمر الميت من أبناء وأقارب.

لهذا يتورع بعض المتدينين من الكلام عمَّن مات، وإن أصابه من ظُلمه ما أصاب، ويكل أمره وجزاءه إلى من لا تخفى عليه خافية، ولا يضيع عنده مظلمة مظلوم، ولا حق مهضوم.

لكن إذا كان السب ممنوعا؛ فإن النقد الحق مشروع، لا سيما من كان يتحمل مسؤولية عامة؛ فإن من حق الناس أن ينقدوا أعماله، ويثنوا على ما كان فيها من حق وخير، وينكروا ما كان فيها من باطل وشر. وهذا ما فعله المؤرخون المسلمون الأثبات في تقويم الخلفاء والأمراء من بني أمية وبني العباس وغيرهم. وقالوا: كان فلان عادلا، وكان علان ظالما، وأوسعوا الحجاج بن يوسف ذما وتجريحا.

فالتعديل والتجريح من أجل مصلحة الدين ومصلحة الأمة أمر مشروع. وعلى هذا مضت سنة أئمة الحديث في خير القرون ومن بعدهم يقولون عن الموتى في كتبهم: هذا مغفل، وهذا كثير الغلط، وهذا مدلس، وهذا كذاب، وهذا أكذب الناس؛ ليحذروا الأمة أن تثق بهؤلاء، أو تأخذ عنهم الدين.

وسيظل من حق المظلوم أن يصرخ شاكيًا من ظالمه، حيا كان أو ميتا، ما دامت مظلمته قائمة، كما قال تعالى: "لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا" [النساء: 148].

فلسفتي في تجميع كل القوى

وأنا لا أريد -بحق- أن أنكأ الجراح، ولا أن أنبش القبور، ولا أن أذكِّر بالماضي الأليم، ولا سيما في هذا الوقت الذي تواجه الأمة فيه أخطارا جساما، وقد كاد لها أعداؤها كيدا، ومكروا بها مكرا كبّارا.

وقد عرفت من سيرة الإخوان ومن أخلاقهم أنهم لا يحاولون أن يثأروا ممن ظلموهم، بل يدخرون ما أصابهم عند الله الذي لا يضيع عنده عمل عامل، ولا يظلم أحدا مثقال ذرة، وهو الذي سيأخذ لهم حقهم، ويجزيهم الجزاء الأوفى. وهذا ما سجله تاريخهم في عهد الملكية، وعهد الثورة. وقد كان بوسعهم أن ينتقموا من ظالميهم الذين ساموهم سوء العذاب، بعد أن ترك كثير من هؤلاء مناصبهم، وزال سلطانهم؛ فأصبحوا بلا ظفر ولا ناب! لكنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يفكروا فيه، وتركوا ذلك للقدر الأعلى الذي ثأر لهم من خصومهم، فرأوا نهايتهم السوداء في حياتهم.

رأوا "حمزة البسيوني" وقد دخلت سيارته في سيارة أمامها في الليل، تحمل أسياخا من الحديد، حطمت سيارته وقطعت جسده تقطيعا.

ورأوا "شمس بدران" يدخل السجن معهم، لكنه لم يكن متماسكا كما كان، بل كان ذليلا منهارا.

ومن هنا لا تعجبوا إذا دعوت إلى نسيان المظالم والمآسي الماضية، وحثثت على رصّ الصفوف، وتجميع القوى كلها؛ لمواجهة الخطر المحدق، ومقاومة العدو الشرس، قائلين: عفا الله عما سلف. ولهذا رحبت باجتماع القوميين والإسلاميين من العرب في صورة المؤتمر القومي الإسلامي، وكنت أحد الذين اشتركوا في إعداد الورقة التي تمثل الجانب الإسلامي، وحضرت أكثر من مرة دورات هذا المؤتمر في بيروت. ولا شك أن "الناصريين" في مصر وفي غيرها من العالم العربي جزء أساسي من هذا المؤتمر.

ومع هذا لا يسعني -وأنا أتحدث عن هذا الجانب الهام من التاريخ في سيرتي ومسيرتي- أن أتجاهل ذلك، وأغض الطرف عنه، وسيلومني الكثيرون أني لم أقل رأيي، وقد وعدت قارئ هذه المذكرات في الجزء الثاني أن أقول رأيي في عبد الناصر وعهده عندما يأتي الحديث عن وفاته. وكل من يتعرض للعمل العام لا بد أن يتعرض للنقد في حياته وبعد مماته.

اختلاف شديد في عبد الناصر

لا ريب أن الناس في رجل كعبد الناصر جد مختلفين؛ فله أنصار يرتفعون به إلى أعلى عليين، وله خصوم يهبطون به إلى أسفل سافلين. وبين مدح المغالين في المدح وقدح المبالغين في القدح تضيع الحقيقة.

ومما لا يخفى على ذي لب أن عين المحب لا ترى عيبًا فيمن تحب، ولا ترى غير المحاسن والمزايا، كما ورد: "حبك الشيء يعمي ويصم"، وعين الكاره والساخط لا ترى غير العيوب والسقطات. وهذا ما عبر عنه الإمام الشافعي من قديم بشعره الذي يحفظه الخاص والعام:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا

وهل يستطيع إنسان أن يتجرد من عواطف الحب والكره أو الرضا والسخط، وينظر إلى من يقومه نظرة "موضوعية" خالصة، بعيدة عن "الذاتية" تماما؟

لا يجرؤ بشر أن يدعي ذلك، وإن بلغ في تزكية النفس ما بلغ؛ فلا بد أن تغلبه بشريته، فيحاول -واعيا أو غير واع- أن يضخم بعض الهنات الصغيرة، أو يصغر بعض الحسنات الكبيرة، أو نحو ذلك.

ولقد توقفت فترة من الزمن في تقويم عبد الناصر؛ باعتباري ممن جرحتهم سهامه، وأصابهم ظلمه، ولا تزال آثار جراحه في جسده، وآثار مظالمه في نفسه، تأتيه في صورة كوابيس بالليل، وذكريات أليمة في النهار، ومضايقات في أشكال شتى، منها ما يعرفه الناس، ومنها ما لا يعرفونه. ومن كان في مثل حالي ربما لا يتوقع منه أن يكون منصفا في تقويم الرجل.

ويهمني أن يعلم قارئي أني لا أدعي العصمة لنفسي، ولا أزعم أني فوق البشر الذين يتأثرون بمشاعر الحب والبغض، لكني أرجو أن أسلك "النهج الوسط" الذي اخترته منهاجا لي في حياتي كلها، ورضيت به، وألقى الله عليه.

لقد رأيت من الناس من يجعل من عبد الناصر ملاكا رحيما، وبطلا أسطوريا، وقائدا لا يشق له غبار، وسياسيا فاق السياسيين، ومصلحا بز المصلحين!

هو عندهم منقذ وطني، ومحرر سياسي، وزعيم عربي، ورائد إفريقي، وربما أضافوا إليه وقائد إسلامي! فهو الذي دبر الثورة، وطرد الملك، وحرر مصر من الإقطاع، وحررها من الإنجليز، وهو داعية القومية العربية، والتحرر الإفريقي، وأحد أبطال كتلة عدم الانحياز، ومنشئ المؤتمر الإسلامي في مصر.

وزعم بعض المداحين أنه سمع خطباء مصر الثلاثة "مصطفى كامل، وسعد زغلول، وجمال عبد الناصر"، فوجده أبرز الثلاثة على التأثير في الجماهير بلغته الشعبية السهلة! (أي بلغته العامية المبتذلة فاق الخطباء الذين تدرس خطبهم في كتب الأدب)!!

إلى آخر ما يروج من سلع المديح والإطراء والمبالغات في سوق النفاق؛ حتى سمى بعض الكتاب مصر في ذلك العهد "نفاقستان"!

وما تضخه أجهزة الإعلام بمختلف أدواتها وألوانها من مواد مقروءة أو مذاعة أو متلفزة كلها مسخرة لتمجيد الزعيم، وأقوال الزعيم، وأعمال الزعيم، وأفكار الزعيم، وبطولات الزعيم، لا تتوقف، ولا تتوانى يوما ولا بعض يوم حتى مات! بل بعد أن مات إلى يوم 15 مايو 1971م يوم ضرب السادات "مراكز القوى" الناصرية -التي ظلت تحكم باسمه من بعده- ضربة قاضية لم تقم لها بعدها قائمة.

وانكشف المستور

هنا بدأ المخبوء ينكشف، والمستور يظهر للعيان، والذي أخرسه الخوف يتكلم، والمخدوع بالدعاية والشعارات ينزع الغشاوة عن عينيه ليرى، وبدأت الصحف "القومية المؤممة" تفيض بالمقالات والتحقيقات والتعليقات، وأصحاب الأعمدة اليومية يفيضون بما كتموه في صدورهم.

وظهرت كتب كثيرة تتحدث عن مظالم تلك الفترة، وعن مآسي تلك السنين، وعن الأموال التي هلكت، وعن الفرص التي ضاعت، وعن القباب الضخمة التي شيدت وليس تحتها شيخ، وعن الدعايات الهائلة التي ضللت الشعب؛ حتى جرى وراء السراب يظنه ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا!!

ظهر كتاب توفيق الحكيم "عودة الوعي"، وظهر كتاب جلال الحمامصي "حوار وراء الأسوار"، وكتاب المستشار محمد عبد السلام "سنوات عصيبة"، وكتاب سامي جوهر "الصامتون يتكلمون"، وكتاب محمد عبد الرحيم عنبر "محاكمات جمال عبد الناصر"، وكتابه "ويل لهؤلاء من محكمة التاريخ"، وكتاب محمد شوكت التوني "قضية التعذيب الكبرى"، و"محاكمات الدجوي"، وكتاب "في معتقل أبي زعبل" لإلهام سيف النصر، وكتاب د. إبراهيم عبده "رسائل من نفاقستان"، و"مذكرات عبد اللطيف البغدادي"، وكتاب "كلمتي للتاريخ.. كنت رئيسا لمصر" للرئيس محمد نجيب، وكتاب صلاح الشاهد "ذكرياتي بين عهدين"، وكتاب محمد أنور رياض "القابضون على الجمر"، وكتاب عادل سليمان وعصام سليمان "شهداء وقتلة في عهد الطغيان"، ومصطفى أمين في كتبه: من "سنة أولى سجن" إلى "سنة تاسعة سجن"، وكتاب "عبد الناصر" لأحمد أبو الفتح، وكتاب أنيس منصور "عبد الناصر المفترَى عليه والمُفترِي علينا"، وما كتبه أحمد رائف "البوابة السوداء" و"سراديب الشيطان"، وما كتبه الدكتور أحمد شلبي في الجزء التاسع من موسوعة التاريخ الإسلامي عن حوليات عصر جمال عبد الناصر، الذي سماه "عصر المظالم والهزائم". وكتب لا أذكر أسماء مؤلفيها، مثل "أموال مصر وكيف ضاعت؟" وكتاب "الموتى يتكلمون".

هذا غير ما كتبه الإخوان مثل زينب الغزالي "أيام من حياتي"، ومثل جابر رزق "مذابح الإخوان في سجون ناصر"، ود.علي أبو جريشة في عدد من كتبه "في الزنزانة"، و"دعاة لا بغاة"، و"عندما يحكم الطغاة"، وحسن عشماوي "الإخوان والثورة"، واللواء عبد المنعم عبد الرؤوف في كتابه: "أجبرت فاروق على التنازل عن العرش" وعباس السيسي في كتابه "في قافلة الإخوان المسلمين"، ومحمود عبد الحليم في كتاب "الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ"، وعمر التلمساني "قال الناس ولم أقل في حكم عبد الناصر"، ومحمد حامد أبو النصر "سر الخلاف بين عبد الناصر والإخوان"، وصلاح شادي "صفحات من التاريخ"، وجابر الحاج "زلزال التآمر الناصري"، وكتاب "25 عاما في جماعة مرورا بالغابة" لحسن دوح، وكتاب "عندما غابت الشمس" لعبد الحليم خفاجى وغيرها.

وهناك أفلام عبرت عن هذا الحقبة المظلمة الظالمة، وإن لم تذكر الأسماء صراحة، مثل فيلم "البريء"، وفيلم "الكرنك".

وإذا كنا رأينا من جعل من عبد الناصر "ملاكا رحيما" وأضفى عليه من الفضائل ما أضفى، وجعل تاريخه أبيض من الثلج، ولم يحاسبه على خطيئة ولا خطأ واحد؛ لأنه لم يصدر منه شيء من ذلك؛ فهناك فريق آخر على النقيض من هؤلاء، جعل من عبد الناصر "شيطانا رجيما"، يجرده من كل فضيلة، وينسب إليه كل رذيلة، ولا يضيف إلى رصيده حسنة واحدة؛ فثورته كانت وبالا على مصر والعرب، وعهده كان شرا وبلاء على المصريين والعرب والمسلمين. ويتمنى هؤلاء العودة إلى عهد الملكية البائدة، قائلين: إن عهد الملك فاروق -على ما كان به من فساد وانحراف- لم ترتكب فيه من المظالم والشرور ما ارتكب في عهد عبد الناصر.

حتى الحسنات الظاهرة في عهد عبد الناصر مثل: "تأميم قناة السويس" التي صفقت لها مصر، وصفق لها العرب جميعا ضنوا أن يحسبوها في ميزانه، وقالوا: إنه استعجل في أمر كان سيتم طبيعيا بعد ثلاثة عشر عاما، بدون أن يجازف بالدخول في حرب مع دول كبرى كبريطانيا وفرنسا، وأن يتيح فرصة لإسرائيل لتدخل معهما في حرب ضد مصر.

ونسي هؤلاء أن الشركة الاستعمارية العتيدة كانت تخطط لاستمرار السيطرة على القناة، وربما لو تركهم حتى تنتهي المدة ولم يفاجئهم بقرار التأميم؛ لكانوا أعدوا العدة لإفشال أي محاولة للاستيلاء على القناة.

وحتى بناء "السد العالي" ذكروا من آثاره السلبية ما ذكروا، وأنه "هدف عسكري" سهل لإسرائيل، يمكن أن تلجأ لضربه في ساعة البأس، عندما تحيط بها المخاطر في وقت ما، وفي هذا غرق مصر وهلاك الحرث والنسل.

ويأخذون عليه أنه ضيع جهودا وأموالا في مغامرات فاشلة، في الكونغو، وفي اليمن، وفي غيرها. وأنه لم يدخل حربا إلا خسرها، كما في سنة 1956م، وسنة 1967م. وقد استطاع إعلامه الذي برع في الكذب وقلب الحقائق أن يجعل هزيمة سنة 1956 نصرا يحتفل به كل عام. مع أن البغدادي يقول في مذكراته: إنه قال له: نحن ضيعنا البلد. وإنه ليس أمام مجلس الثورة وأعضائه إلا أن ينتحروا جميعا. وطلب من زكريا محيي الدين إحضار زجاجة من السم "سيانور البوتاسيوم" تكفي لعدد الأعضاء وأكد كلامه بقوله: إني جاد فيما أقول!.

وينقمون عليه أنه قهر الشعب المصري، وأهان كرامته، وأذل كبرياءه، وحطم نفسيته، وقيد حريته، وكبله بالأغلال التي جعلته غير قادر على الحركة يمنة أو يسرة.

ويضيفون إلى مآثمه: أنه ألغى الحياة الديمقراطية من مصر، وهي من أوائل الديمقراطيات في الشرق، وفرض على الناس دكتاتورية الحزب الواحد، الذي اختلفت تسميته من "هيئة التحرير" إلى "الاتحاد القومي" إلى "الاتحاد الاشتراكي" ولم يسمح لمعارض أن يكون له صوت يسمع، وإن كان من رفقائه في الثورة، ابتداء من رشاد مهنا، إلى محمد نجيب، إلى خالد محيي الدين، إلى عبد المنعم عبد الرؤوف، إلى آخرين. حتى خطيب ثورته والمتحدث الديني باسمه، لم يسلم من أذاه 

الشيخ الباقوري

وبطشه، وهو الشيخ أحمد حسن الباقوري، فقد طوح به، وطرده من منصبه شر طرده، لا لشيء إلا لأن رجلا ذم في بيته عبد الناصر، وهو الأديب المحقق محمود شاكر، وقد قيل: إن الباقوري لم يكن حاضرا وقت الكلام عن عبد الناصر!.

وقد ابتلى مصر بفكرة أن يكون للعمال والفلاحين نصف مقاعد مجلس النواب، وهي بدعة لم تتخلص مصر منها إلى اليوم.

ويزيدون على ذلك: أنه أضر بالاقتصاد المصري، نتيجة سيطرة القطاع العام، الذي أخفق في إدارة مؤسساته، حتى أصبحت تخسر خسارات فادحة، بعد أن كانت تكسب مكاسب هائلة، يوم كانت ملك القطاع الخاص.

ولا ينسى هؤلاء أن يضعوا في ميزان سيئاته: الإساءة إلى الدين والشريعة، حين ألغى المحاكم الشرعية، وأساء إلى قضاتها بتلفيق تهم لهم لم يثبتها قضاء عادل، وأصدر قانون تطوير الأزهر الذي يتاح فيه للكليات المدنية في جامعة الأزهر أن تأخذ خيرة طلابه، وأن لا يبقى للكليات الأصلية الدينية "أصول الدين والشريعة واللغة العربية" غير المتردية والنطيحة وما يعاف السبع أن يأكله. هذا مع أني رفضت هذا التفسير، ودافعت عن التطوير في الجزء الثاني من هذه المذكرات.

كما سخر عبد الناصر من علماء الدين في خطبه، واتهمهم بأن أحدهم من أجل وليمة عند إقطاعي، يقدم فيها خروف أو ديك رومي: يبيع دينه، ويصدر فتواه في إقرار المظالم الواقعة على الفلاحين، وهضم حقوقهم، وأكل عرقهم.

هذا ما ذكره خصوم عبد الناصر عن شخصه، وعن عهده. وليس كل ما قالوه حقا، كما أنه ليس كله باطلا.

تفريق لا بد منه

ثم إني أفرق تفريقا واضحا بين أمرين:

أولهما: ما كان من "اجتهادات" قد تصيب، وقد تخطئ، وهو مأجور على صوابه، ومعذور في خطئه، بل ربما كان مأجورا أجرا واحدا، إذا صحت نيته، وتحرى في اجتهاده، واستشار أهل الذِّكر والخبرة، واستفرغ وسعه في الوصول إلى الحقيقة والرأي الأرشد.

وذلك مثل سياسته في إفريقيا وفي اليمن وفي غيرها، فأقصى ما يقال فيها: إنه سياسي فاشل. وفرق بين الفاشل والظالم! ولكن الفشل إذا تكرر واستمر يصبح كارثة على الوطن، وعلى الأمة. ففشل الفرد العادي وإخفاقه على نفسه، أما فشل الزعيم المستمر، ففيه خسارة الأمة وتأخرها، وضياع فرصها في النهوض والتقدم.

وثانيهما: ما كان من مظالم ومآثم متعمدة، كما حدث لمعارضي عبد الناصر عامة، وللإخوان المسلمين خاصة، فلا يستطيع مدافع أن يدافع عن عبد الناصر، في إيقاع هذه الكم الهائل من المظالم والمآثم: من شنق وتقتيل، وتشريد وتنكيل، وإيذاء وتعذيب، ومصادرة وتضييق، لجماعة كانت هي أول من ساند ثورة عبد الناصر، بل كانت أول من أوحى إليه بضرورة العمل الوطني داخل الجيش، كما اعترف عبد الناصر بنفسه في المذكرات التي كتبها الأستاذ حلمي سلام رئيس تحرير المصور بعنوان: "الثورة من المهد إلى المجد" وذلك أوائل ما قامت الثورة، وقال فيها: إن أول من لفت نظره إلى هذا العمل: هو الصاغ ذو الوجه الأحمر م. ل، يقصد: محمود لبيب أحد العسكريين الأحرار الذين عملوا مع عزيز باشا المصري، وكان وكيلا للإخوان في عهد المرشد الأول حسن البنا.

بعض الناس يهونون من الأهوال التي عاناها الإخوان، ولو ذاقوا معشار ما ذاقوا، لكان لهم رأي آخر، وقول آخر. وقد قيل: النار لا تحرق غير القابض عليها. وقال الشاعر:

لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها

والقرآن يقرر مع كتب السماء "أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (المائدة: 33).

ويقول رسول الإسلام: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مسلم".

ومن العجب أن يتحدث هؤلاء عن أهمية حقوق الإنسان، وحقوق الأفراد، وحق الحرية المقدس، وحق الفرد في أن يأمن على نفسه وأهله وماله وخصوصياته.. فإذا وصل إلى الإخوان استثناهم من هذا كله، كأنما ليست لهم حقوق، وإذا وصل إلى عبد الناصر استثناه من هذا كله، كأنما ليس عليه واجبات، وكأن من حقه أن يصادر ويعذب ويظلم ويبغي في الأرض بغير الحق. بلا حسيب ولا رقيب.

ولقد بينت في حديثي عن السجن الحربي في الجزء الماضي: مسؤولية عبد الناصر عن الجرائم الوحشية والاعتداءات الهمجية، التي وقعت في السجن الحربي، وأنه شهد بنفسه بعض وقائع التعذيب، وأنه لا يعقل أن يتم هذا الذي تناقله الناس في الآفاق دون علمه، وقد ذكرنا أن هيكل مؤرخ عبد الناصر اعترف بأنه كان يعلم، وعرضت عليه وقائع، فلا معنى لتبرئته بدعوى أنه يجهل ما يجري!

وحتى لو لم يعلم، فهو المسؤول الأول عن هذه الوحوش الآدمية، التي عينها في مناصبها لتنهش لحوم الناس، وتفترسهم، وهم مطمئنون إلى أنهم محميون، وأن ظهورهم مسنودة إلى جدار السلطان.

إن رسولنا الذي لا ينطق عن الهوى أخبرنا أن امرأة أدخلها الله النار، من أجل هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.

هذا في حبس هرة، فكيف بمن حبس الألوف من الناس، وسقاهم كؤوس العذاب، وجرب فيهم ما استورده من أدوات التعذيب من عند الشيوعيين أو غيرهم، وسلط عليهم كلاب البشر، وكلاب الكلاب، وقد كانت الكلاب الحقيقية أرحم من الكلاب البشرية في كثير من الأحيان.

إن شر ما فعله عبد الناصر في مصر أنه أذل الإنسان المصري وقهره، وأحياه في خوف دائم أن يدهمه زوّار منتصف الليل، أو زوار الفجر، من كلاب الصيد، فتتخطّفه، وتذهب به إلى مكان سحيق وراء الشمس، لا يستطيع أحد الوصول إليه، وقد أصبح المصريون يتجسس بعضهم على بعض، ويشك بعضهم في بعض، حتى أصبح الأخ يتجسس على أخيه، بل الابن على أبيه، وفقدت الأسرة الثقة بعضهم ببعض.

وقد اعترف الرئيس أنور السادات في كتابه "البحث عن الذات" بما زرعته الثورة من خوف ملأ صدور الناس، وشل إرادتهم، حين قال: انتهى مجلس الثورة في 22 يونيو سنة 1956م، عندما انتخب جمال عبد الناصر رئيسا للجمهورية بالاستفتاء. ولكن قبل أن ينتهي المجلس كان الشعور بالخوف قد عم البلاد.. هذا في رأيي أبشع ما يمكن أن يصيب الإنسان! فالخوف يقتل الشخصية، ويشل الإرادة، ويمسخ تصرفات البشر!.

وقال في حديث له في "الأهرام": لاحظت أن أكبر خطأ ارتكب في حق الإنسان المصري: كان هو زرع الخوف. فبدلا من أن نبني الإنسان، أصبح همنا أن نخيفه، والخوف أخطر ما يهدم كيان الفرد أو الشعب. فقد كانت أرزاق الناس كلها ملكا للحاكم: إن شاء منح، وإن شاء منع. وكان المنع مصحوبا في أغلب الأحيان بمصادرة حرية الفرد واعتقاله، ثم فصل جميع أهله من وظائفهم، مع اتخاذ إجراءات ضدهم!.

وأحسب أن السادات شاهد من أهلها، فهو من صناع ثورة يوليو، ونائب عبد الناصر.

إن خسارة الإنسان المصري هي الخسارة الكبرى، وليس الإنسان المصري هم هؤلاء الذين يتجمعون في السرادقات في الاحتفالات المعدة، ويُلقَّنون هتافات يرددونها كالببغاوات: ناصر ناصر.

وأذكر أن عبد الناصر ذهب إلى إحدى المدن في أول الثورة، فهتف الناس باسم نجيب، فثار عليهم، وقال في حرقة بحرارة: إنما قمنا لنحرر الناس من عبادة الزعماء، والهتاف للأشخاص، أي يكون الهتاف للوطن. فلما أصبح بعد ذلك الهتاف باسمه أصبح مشروعا ومحمودا!

لقد أذل عبد الناصر الشعب المصري، كما أذل الحجاج بن يوسف الشعب العراقي من قبل. وكان في ذلك خسارة معنوية لا تقدر بثمن، ولا تقاس بالمادة.

لقد أراد عبد الناصر أن يدير مصر كما يدير صاحب الدكان دكانه، أو صاحب المزرعة مزرعته. وقد قال مرة: أريد أن أضغط على زر، فتتحرك مصر كلها من أسوان إلى الإسكندرية! وأضغط على زر آخر فتسكن مصر كلها.

ولقد قال لي مرة أحد شيوخنا الفضلاء "الدكتور محمد يوسف موسى": إن هذا البلد سجن كبير، له باب واحد، وقفل واحد، ومفتاح واحد، في يد سجان واحد، هو عبد الناصر!.

وإن كان هذا "السجان" قد غدا في فترة من الفترات "سجينا" لدى بعض مرؤوسيه، كما هو معروف في سيرة عبد الناصر: أن عبد الحكيم عامر صديقه قد أصبح هو الذي يحكم مصر حقيقة، سواء ما يتعلق بالجيش أم ما يتعلق بالشعب، وصار عبد الناصر "طرطورا" أو "ديكورا" صار كما قيل: يملك ولا يحكم!.

عبد الناصر والوحدة العربية

عبد الناصر والقوتلي بعد الاتحاد

وفي قضية "الوحدة العربية" جاءت الوحدة الاندماجية مع سوريا إلى عبد الناصر على طبق من ذهب، ورضي الشعب السوري أن يصهر مع الشعب المصري في بوتقة واحدة، وتنازل الرئيس السوري "شكري القوتلي" عن كرسي رئاسته، واكتفى بأن يكون "المواطن العربي الأول".

لكن عبد الناصر، بسوء تصرفه، وغلبة الاستبداد عليه، ترك الأمور في الإقليم الشمالي لـ"عامر" يتصرف فيها كيف يشاء، بدل أن يعين نائبا حقيقيا له من زعماء سورية أنفسهم.

لقد سلط عامر أجهزة المخابرات ـ أو المكتب الثاني كما يسميها السوريون ـ على الشعب السوري، وعبث عبد الحميد السراج وبطانته بحريات الشعب وحرماته ومقدراته، فلم يكن من الشعب السوري الذي قدم الوحدة ورضيها إلا أن يرفضها ويتخلص منها، فاختار نار الانفصال، ولا جنة الوحدة. وكان الضابط عبد الكريم النحلاوي مدير مكتب عامر في سورية أحد الذين قادوا حركة الانفصال!.

عبد الناصر وفلسطين

هذا في قضية الوحدة العربية، فماذا فعل عبد الناصر في قضية فلسطين؟.

لقد انتهى مصير القضية إلى نكبة حزيران أو يونيو 1967م واحتلت إسرائيل ما بين القنطرة في مصر والقنيطرة في سوريا. أي احتلت سيناء والجولان مع الضفة الغربية وغزة، بل اعترف عبد الناصر بلسانه في خطابه في 23 يوليو 1967م أن الطريق كان مفتوحا أمام إسرائيل إلى القاهرة ودمشق.

لقد ظهر أن هناك أخطاء فادحة ارتكبت قبل هذه الحرب، وفي أثناء هذه الحرب، كتب عنها الكاتبون والمحللون السياسيون، والخبراء الإستراتيجيون. وقد سميت "حرب الأيام الستة" والواقع أن النتيجة حسمت بعد الساعات الست الأولى، بعد القضاء على طيران مصر، ومطارات مصر بضربة قاضية وسريعة، أبقت القوات البرية المصرية في سيناء مكشوفة بلا غطاء.

وكانت الروح المعنوية في غاية الوهن إلى حد الانهيار. إذ لم يسلح الجندي المصري بسلاح الإيمان الذي به يتخطى العقبات، ويصنع البطولات، ويقدم الغالي من التضحيات. كانوا يوزعون على الجنود صور المطربات والممثلات، بدل أن يوزعوا عليهم المصاحف. لم يسلح المقاتل المصري بعقيدة تشد أزره، بأنه يقف في وجه عدو دنس المقدسات، واغتصب أرض النبوات، أرض الإسراء والمعراج، وأن هذا العدو خطر على ديننا ودنيانا وأوطاننا ومقدساتنا، وأن وقوفنا في وجهه جهاد في سبيل الله، وأن من قُتل منا فهو شهيد حي يزرق عند الله.

لم يقل له مثل هذا الكلام؛ لأن هذا كلام الرجعيين، الذين يوظفون الدين في مثل هذه المعارك، والمطلوب منا: أن نوظف الدبابة والطائرة والبارجة، وندع الدين للعجائز وخطباء المساجد، أو رهبان الكنائس.

على حين كان العدو يسلح جنوده بعقيدة إيمانية، ورؤية توراتية، وأحلام تلمودية. ولهذا قلت: إنهم انتصروا علينا؛ لأنهم دخلوا المعركة ومعهم التوراة، ودخلناها وليس معنا القرآن، دخلوها يهودا يعتزون باليهودية، ولم ندخلها نحن مسلمين نعتز بالإسلام. دخلوا يهتفون باسم موسى، ولم نهتف باسم محمد. قالوا: الهيكل، ولم نقل: الأقصى. عظموا السبت، ولم نعظم الجمعة. كان الدين عندهم شرفا يباهون به، وكان الدين عندنا تهمة نبرأ منها!.

لقد جردوا القضية من كل معنى ديني لها، في حين قال موسى ديان وزير الدفاع: إن جيش إسرائيل مهمته حماية المقدسات لا مجرد حماية المؤسسات.

حتى العلمانيون من الإسرائيليين أمثال بن جوريون، وظفوا الدين لخدمة قضيتهم.

ولهذا كان جنودنا فارغين من كل معنى روحي يدعوهم إلى الثبات والتضحية، فلما وقعت الواقعة، كان كل واحد منهم يقول: النجاة، النجاة. تركوا أسلحتهم ودباباتهم ومجنزراتهم دون أن يكلف أحدهم نفسه أن يشعل فيها عود ثقاب، حتى لا يستفيد منها عدوه، ويأخذها غنيمة باردة، سالمة من كل سوء.

إن من المعروف أن الأسلحة لا تقاتل وحدها، ولكن تقاتل بأيدي رجالها الأبطال، واليد التي تستعمل السلاح إنما يحركها هدف سام، مرتبط برسالة عليا، يؤمن بها الجندي، ويضحي بالنفس والنفيس في سبيلها.

وقد انتهت المعركة بما سموه "النكسة"، ولكن أخطر من النكسة، هو تغيير السياسة العربية رأسا على عقب، واتخاذ فلسفة جديدة مناقضة للفلسفة القديمة تماما. فقد كانت فلسفة الأمة قائمة على أن إسرائيل اغتصبت أرض العرب بالعنف والإرهاب والدم والحديد والنار، وشردت أهلها ـ بعد أن أخرجتهم منها ـ في الشمال والجنوب والشرق والغرب، وأن وجود إسرائيل في أرض فلسطين، وأرض العرب المغتصبة: وجود باطل، وأن إزالة هذا الاغتصاب الظالم فريضة على الأمة، طال الزمن أم قصر، فإن مضي الزمن لا يجعل الباطل حقا، ولا يقلب الحرام حلالا.

وهذا ما كان عليه العرب قبل هذه النكبة أو النكسة، ولكن عبد الناصر تبنى فلسفة جديدة، تقوم على إزالة آثار العدوان! أي عدوان 1967م، وكأن هذا العدوان الجديد أعطى الشرعية للعدوان القديم: عدوان 1948م.

عبد الناصر هو المسؤول الأول عن تغيير السياسة العربية كلها في هذا المجال، فلم يكن أحد غيره يقدر على تغيير هدف الأمة التي أسلمت إليه القياد، ومنحته الثقة.

وهذا التنازل الكبير، بل الخطير، هو أساس كل ما عانته الأمة بعد ذلك من تنازلات جر بعضها إلى بعض، من كامب ديفيد، فمدريد، فأوسلو، حتى حالة الاستسلام والتخاذل التي نشهدها اليوم. فهو الذي غير الإستراتيجية الأصلية ـ إستراتيجية الجهاد والكفاح ـ إلى إستراتيجية التنازل والاستسلام. والأمة إذا بدأت طريق الانحدار، فلن يقفها حاجز ولا شيء، حتى يسعفها القدر بمن يردها إلى أصلها، ويشعل ما انطفأ من جذوتها.

هل كان عبد الناصر عميلاً؟

ومما يسأل عنه هنا: هل كان عبد الناصر عميلا؟

لقد اتهمه بعض خصومه بأنه كان عميلا لأمريكا، وكتب الصحفي المعروف محمد جلال كشك كتابا سماه "ثورة 23 يوليو الأمريكية"! قال فيه كلاما كثيرا، وذكر فيه وقائع شتى.

وآخرون قالوا: إنه انتهى عميلا لروسيا، وللاتحاد السوفييتي، وكتب بعضهم كتابا قال فيه: الروس قادمون!.

بل سمعت من قال: إنه عميل لإسرائيل، وإنه التقى مع بعض اليهود عندما كان محاصرا في الفالوجا في حرب فلسطين، واتفق معهم اتفاقيات سرية، إذا وصل إلى الحكم!!.

وأنا بصفتي عالما مسلما يحتكم إلى الشرع الذي يرى أن الأصل في الناس البراءة، وأن الإنسان لا يدان إلا ببينة، وأن الشك يفسر لصالح المتهم: أرفض هذه الاتهامات التي لا دليل عليها، وهذه الدعاوى العريضة التي تنقصها البينات، وقد جاء في الحديث: "لو أخذ الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر". وقال الشاعر:

والدعاوى ـ ما لم يقيموا عليها بيّنات ـ أبناؤها أدعياء!

والاتصال بالأمريكان قبل الثورة أو بعدها: لا يثبت العمالة لهم.

فالعميل: مَن لا هدف له ولا رسالة يعمل من أجلها. ولكن هدفه ورسالته تتلخص في خدمة من يعمل لحسابه، وتحقيق أهدافه.

ولقد أيد الإخوان عبد الناصر عند قيامه بالثورة، وبعد قيامه بالثورة، وكانوا أول أعوانه، بل كانوا سنده الشعبي البارز، حتى دب الخلاف بين الطرفين، فلماذا لم يتهم في ذلك الوقت بأنه عميل أمريكي؟.

هل كان عبد الناصر ماركسيا؟

ومما يسأل هنا أيضًا: هل كان عبد الناصر ماركسيا؟.

إن من المعروف أن عبد الناصر في فترة من تاريخه اصطدم بالماركسيين ـ الشيوعيين ـ وأدخلهم السجون، وإن لم يصبهم من التعذيب والتنكيل ما أصاب الإخوان.

ولكنه بعد ذلك، اصطلح مع الشيوعيين، وأطلق سراحهم، ولم يكتف بالإفراج عنهم، بل مكَّن لهم في أجهزة الإعلام والثقافة، فأصبحوا في وقت من الأوقات هم الذين يوجهون الفكر والثقافة في مصر.

فهل كان هذا لتغير في سياسة عبد الناصر أو لتغير في فكره؟

المفهوم أن هذا كان نتيجة لتغير في سياسة عبد الناصر، نظرا لارتباطه بالمعسكر الشرقي، وتحالفه مع الاتحاد السوفيتي في أكثر من مجال: في مجال التسليح، وفي بناء السد العالي، وفي مجال الخبراء العسكريين والفنيين، وغير ذلك. وقد ظل الروس يعملون في مصر، ويؤثرون في سياستها، حتى جاء السادات، وقرر قراره الحاسم بإخراجهم منها!!

وقد لام خروشوف عند افتتاحه مبنى السد العالي: عبد الناصر، أنه يدعو إلى الاشتراكية، ولكنه لا يمكن الاشتراكيين من إقامتها، ولا اشتراكية من غير اشتراكيين.

وكان لهذه الإشارة مغزاها وأثرها، فسرعان ما تغير الموقف من الاشتراكيين، وفسح المجال لهم، ليثبوا على مراكز الدولة، ولا سيما بعدما تولى علي صبري رئاسة الوزارة، وأعلنوا التمهيد لمرحلة "التحول العظيم" يعنون: التحول إلى "الاشتراكية العلمية".

ومن قرأ "الميثاق" الذي يمثل فكر عبد الناصر: وجد فيه رشحات من الفكر الماركسي في مواضع شتى، ولكن لا نستطيع أن نصف الميثاق بأنه ماركسيّ تماما.

نجد أثر الماركسية في تقليص الجانب الإيماني والفكرة الغيبية والقيم الروحية، فلا تكاد تحسها وتشعر بها.

كما لا نجد أثرا لشريعة الإسلام الذي يدين به عبد الناصر، ويدين به شعب مصر. بل قال وهو يتحدث عن الأسرة: لا بد أن نسقط بقايا الأغلال التي تكبل الأسرة. والسياق يبين أنه يشير إلى التشريعات الإسلامية في الزواج والطلاق وغيرها.

هل كان عبد الناصر متدينا؟

ونسأل، ويسأل معنا كثيرون: هل كان عبد الناصر متدينا؟

سأل الأديب يوسف القعيد الأستاذ محمد حسنين هيكل: هل كان عبد الناصر متدينا؟ فأجاب هيكل: كان عبد الناصر متدينا.

ولكنه لم يدلل على تدينه بشيء، واكتفى بتقرير هذا الأمر، وكفى.

ولعله يقصد أنه لم يكن ملحدا جاحدا للغيبيات من الألوهية والوحي والإيمان بالآخرة. ولا يقصد أنه كان متمسكا بشعائر الدين وفرائضه الحتمية، وأنه يخشى الله في أموره، ويضع الآخرة نصب عينيه، ويزن كل شيء بميزان الحلال والحرام عند الله، كما هو شأن المتدينين.

والحق أن عبد الناصر لم يُعرَف بشرب الخمر، كما لم تعرف عنه علاقات نسائية محرمة، ولكنه لم يشتهر عنه إقامة الصلوات، التي فرضها الله على المسلمين خمس مرات في اليوم والليلة. لم يقل أحد ممن كتبوا عنه: إنه دخل عليه فوجده يقيم الصلاة، أو إنه دعا زواره يوما ليقيم معهم الصلاة، أو إنه في مجلس من المجالس التي كان يعقدها توقف مرة ليصلي وحده، أو مع زملائه.

ولم يحك مؤرخ عبد الناصر الملازم له ـ أعني الأستاذ هيكل ـ شيئا من ذلك، على كثرة ما حكى من تفصيلات حياته، في الحضر والسفر، والخلوة والجلوة.

حتى صلاة الجمعة لم يعرف أين كان يصليها عبد الناصر، ولقد حكم عبد الناصر ثمانية عشر عاما، كل سنة فيها 52 جمعة، فأين كان يصلي هذه الجمع؟.

لقد كان للملك فاروق ـ ولأبيه الملك فؤاد قبله ـ إمام خاص، تعينه وزارة الأوقاف، ليصلي به في مسجده في قصره، في الجمع خاصة، وفي الصلوات الأخرى في بعض الأوقات. فمن إمام عبد الناصر؟ وهل له مسجد في منزله في منشية البكري؟ أو بجوار منزله؟!!.

هناك جمع معروفة ومعلنة في مناسبات معينة، أو لزيارة بعض الضيوف، رآه الناس فيها مصليا للجمعة، ولكن ما عدا ذلك لم يعرف أين صلى عبد الناصر نحو 900 جمعة أمر الله الناس إذا سمعوا النداء أن يستجيبوا لداعي الله، ويسعوا إلى ذكر الله ويذروا البيع.

كان الرئيس أنور السادات حريصا على أداء الشعائر، فلهذا قالوا عنه: الرئيس المؤمن.

وظهر هذا في سياسة كل منهما، فالسادات حين خاض معركة العاشر من رمضان 1393هـ ـ 6 أكتوبر 1973م، تجلى فيها أثر التدين في الضباط والجنود، وفي الشعارات، فقد كان شعار المعركة: الله أكبر. في حين كانت كلمة السر في حرب يونيو 1967 "برّ بحر جوّ". وللأسف لم ينتصروا في بر ولا بحر ولا جو.

اقرأ في الحلقة القادمة:

  • وظهر "فقه الزكاة".

  • ظهور تلفزيون قطر.

عودة للصفحة الرئيسية للملف
من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع