|
رسالة
إلى المودودي
|
|
|
أبو الأعلى المودودي |
وأهم ما أذكره في
هذه السنة (1968 – 1969) أن بعض الإخوة اقترح
علي أن أراسل جامعة "البنجاب" في
لاهور بجمهورية باكستان الإسلامية، وهي
جامعة عريقة، وفيها قسم للدراسات
الإسلامية، ورئيس الجامعة العلامة علاء
الدين الصديقي الذي كان رئيسا لقسم
الدراسات الإسلامية من قبل، حين حصلت
إحدى طالبات القسم (جميلة شوكت) على درجة
الماجستير عن بحثها حول كتاب "الحلال
والحرام في الإسلام" قال المحبذون:
فالجامعة تعرفك ولا تجهلك، ورئيسها
يعرفك ولا ينكرك، وهو على صلة طيبة
بالأستاذ العلامة أبي الأعلى المودودي
أمير الجماعة الإسلامية الذي يكن له كل
مودة وتقدير.
ورأى
هؤلاء الإخوة أن من الخير أن أكتب
للأستاذ أبي الأعلى المودودي، وأعرض
عليه الأمر، طالبا مشورته بعد أن يكلم
العلامة الصديقي.
وبادرت
بكتابة رسالة إلى الإمام المودودي، شرحت
له فيها الموقف، وانسداد الطرق في وجهي
بالنسبة للدراسات العليا في مصر، ما دام
الوضع الحالي باقيا، وانفتاح فرجة أمامي
في جامعة البنجاب، إلى آخر ما جاء في
الرسالة.
وسرعان
ما أجابني الأستاذ المودودي: أنه كلم
صديقه البروفسور الصديقي، وأنه يرحب كل
الترحيب بكم، وهو يعرفكم جيدا، وكذلك
أساتذة القسم الإسلامي في الجامعة، كلهم
مرحبون ومتعاونون، ونصحني أن أسارع
بالمجيء إلى لاهور، للتفاهم مع المختصين
حول الخطوات التي يجب اتخاذها للوصول إلى
الهدف.
وحمدت
الله تعالى أن فتح لي هذا الباب، وعقدت
النية على الذهاب إلى لاهور بمجرد انتهاء
العام الدراسي، وكنا في أواخره.
باكستان
لأول مرة
وطويت
صفحة السنة الدراسية في منتصف يونيو
كالمعتاد، وبدأت أعد العدة للسفر إلى
باكستان لأول مرة، وأرى هذا البلد الكبير
الذي انفصل عن الهند الكبرى ليستقل
بشعائره وشرائعه ومقوماته وخصائصه، دون
أن يتعصب أحد ضده، وكانت باكستان في ذلك
الوقت تعد أكبر دولة إسلامية في العالم؛
فقد كانت لا تزال تضم باكستان الغربية،
وباكستان الشرقية (التي انفصلت بعد ذلك،
وكونت جمهورية بنجلاديش).
جواز
سفر قطري
وكنت
أسافر في ذلك الوقت بوثيقة قطرية تتجدد
كل سنة، فذهبت إلى الشيخ خليفة بن حمد
نائب حاكم قطر وولي العهد؛ لأطلب منه
تجديد الوثيقة، فسألني: أين تسافر هذا
العام؟ فأخبرته بأني مسافر إلى باكستان
للحصول على الدكتوراة بعد أن أغلق أمامي
باب الأزهر، فقال لي: كنت وعدتك أن نرقي
الوثيقة القطرية إلى شيء أفضل، وهذا أوان
ذلك، سآمر بإعطائك جواز سفر قطريا كاملا،
تأخذ به كل حقوق القطريين. وأصدر أمره إلى
السيد علي بن أحمد الأنصاري مدير إدارة
الجوازات والجنسية بتنفيذ ذلك فورا،
وفعلا في الحال بدأ بالتنفيذ، وطلب مني
بعض الصور، وصدر الجواز القطري لي
ولزوجتي ولبناتي الأربع، وابني محمد؛
فلم يكن أبنائي عبد الرحمن وأسامة قد
ولدا بعد، وهكذا عوضني الله تعالى بجواز
قطري أجوب به أنحاء الأرض، بعد تعنت
السلطات المصرية معي، ورفضها تجديد جواز
سفري؛ لترغمني على العودة إلى مصر، ولم
يكن معقولا أن أذهب برجلي طوعا واختيارا
من الدار إلى النار.
أيام
في كراتشي
وقطعت
التذكرة على الطائرة الباكستانية إلى
كراتشي ثم إلى لاهور، ونزلت أولا في
كراتشي، فوجدت جوها أشبه بجو الخليج في
الحرارة والرطوبة، وقد استقبلني الإخوة
في الجماعة الإسلامية بكراتشي، وهم
الذين حجزوا لي الفندق، وكان فندقا
متواضعا، ولكنه يؤدي الغرض، وقد تعودنا
العيش على ألوان الحياة بنعومتها
وخشونتها، ووردها وشوكها، وأي مكان
سيكون أفضل من السجن الحربي وأكثر رفاهية.
زرت
الجماعة الإسلامية في مقرها، وكان أمير
الجماعة في كراتشي الأستاذ غلام محمد
غائبا، والتقيت بالموجودين من الجماعة،
وألقيت كلمة في دار الجماعة، كما زرت بعض
الشخصيات الإسلامية، مثل الأستاذ إسحاق
ظفر الأنصاري -والد الدكتور ظفر إسحاق-،
كما سألت عن الشيخ محمد شفيع العثماني
مفتي كراتشي -والد صديقنا الشيخ محمد تقي
العثماني-، فوجدته خارج كراتشي.
لقاء
المودودي في لاهور
وبعد
يومين أو ثلاثة في كراتشي امتطيت الطائرة
إلى لاهور؛ ليستقبلني الإخوة أعضاء
الجماعة الإسلامية، ومنهم الأستاذ رحمة
إلهي الأمين العام للجماعة، مندوبا من
الأستاذ المودودي، ومعه الأخ الداعية
الفاضل الشيخ خليل أحمد الحامدي مدير
القسم العربي في الجماعة الذي يتحدث
العربية بطلاقة، وقد تعرفت عليه وتوثقت
صلتي به من قبل.
أبى
إخواننا في الجماعة الإسلامية إلا أن
ينزلوني ضيفا عليهم، فاشترطت عليهم أن
تكون الضيافة لمدة ثلاثة أيام، ثم
يدَعوني وشأني.
وفي
المساء لقيت الإمام المودودي في دار
الجماعة، ورحب بي هو وإخوانه جميعا، ولا
سيما نائبه الأستاذ طفيل محمد، ورتبوا لي
عددا من اللقاءات بأعضاء الجماعة،
وخصوصا جمعية الطلبة المسلمين التي
توجهها الجماعة، وزيارة بعض البلاد حول
مدينة لاهور، وعقد بعض المؤتمرات
الصحفية.
ورحبت
بهذا كله، ولكني طلبت أن يرتبوا لي زيارة
لجامعة البنجاب، ومقابلة رئيسها
وأساتذتها، حتى لا نضيع الأمر الذي جئت
من أجله، وقالوا: هذا طبيعي ومنطقي بلا
ريب.
تكريم
بالغ في لاهور
والحقيقة
أن الإخوة في الجماعة الإسلامية أكرموني
غاية الإكرام، وفي كل يوم كان يعزمنا
أحدهم على وليمة، يدعى إليها مولانا
المودودي وكبار الجماعة، وكان بعض
الإخوة يريد أن يأخذ لنا صورة تذكارية
بهذه المناسبة، ولكن المودودي -كعلماء
باكستان والهند عموما- يشددون في أمر
الصور؛ فكان الأستاذ المودودي يقول لهم:
خذوا بمذهب القرضاوي الذي رجحه في "الحلال
والحرام".
والعجيب
أني لم آخذ معي شيئا من هذه الصور، فليت
أحدا من الإخوة الذين يقتنونها يتحفني
بشيء منها، وله مني الشكر، ومن الله
الأجر.
ومن
فضل الله تعالى أن أكثر من جهة في لاهور
أخذت تكرمني، وتحتفي بي، منها: جمعية
علماء باكستان، ومنها: جامعة البنجاب
التي أقامت احتفالا كبيرا ودعت إليه جمعا
غفيرا، وتحدث فيه عدد من الناس من
الأساتذة والعلماء والدعاة، نسيت
أسماءهم لطول المدة.
وزرت
قسم الدراسات الإسلامية في الجامعة،
والتقيت أساتذته وتحدثت إليهم، كما
تحدثوا إلي، ولقيت الطالبة التي أخذت "الماجستير"
عن كتابي "الحلال والحرام" جميلة
شوكت، وأظنها كانت قد حصلت على الدكتوراة
وقتها.
نوعان
من الدكتوراة
ثم
لقيت العلامة علاء الدين الصديقي الذي
أحسن استقبالي، وهش لي، وفتح صدره
وجامعته لمساعدتي، وقال: نحن نضع كل
إمكاناتنا في معاونتك، ثم شرح لي الوضع
في الجامعة من ناحية الدراسات العليا،
وقال: نحن عندنا نوعان من الدكتوراة:
الدكتوراة المعتادة، وهي التي يقدم
الدارس فيها أطروحته تحت إشراف أستاذ،
حتى إذا أكملها حددت له لجنة لمناقشتها،
وفي النهاية يحصل على الدكتوراة بالدرجة
التي يستحقها.
وهناك
نوع آخر من الدكتوراة أعلى من الأولى،
ويسمى "دي لت"، وهذه درجة لا تعطى
على أطروحة أو رسالة معينة، ولكنها تعطى
على مجموع إنتاج الباحث، يقدر ذلك عدد من
كبار العلماء، وهذه لا تمنح إلا للقلائل
الذين لهم عطاء علمي متميز.
قال:
أما النوع الأول، فهو يسبب لنا -بالنسبة
لك- مشكلة؛ لأننا لا نجد من يشرف عليك من
هيئة التدريس عندنا، وهم يعتبرون أنفسهم
في منزلة تلاميذك، ولذا فأنا أقترح أن
تمنحك الجامعة الدكتوراة من النوع الآخر،
وهو الأليق بك وبإنتاجك، وهذا يتطلب أن
تقدم لنا عدة نسخ من كل ما كتبته؛ لنعرضه
على عدد من كبار الأساتذة.
قلت
له: إن كان ولا بد، فليكن على رأس هذا
الإنتاج بحثي الكبير عن "فقه الزكاة"
وقد تعبت فيه نحو عشر سنوات، ولكنه لم
يطبع بعد.
قال:
هذا أفضل، ويجب أن تبادر بطبعه، وتقدمه
مع سائر كتبك، وكلما سارعت كان أجدر
بإنهاء الأمر على ما تحب؛ فإن الظروف قد
تتغير.
قلت
لهم: أمهلوني نحو خمسة أشهر أو ستة حتى
يتم طبع الكتاب، وعلى الله التسهيل.
البحث
عن "الجبن"
وكنت
قد استأذنت الجماعة الإسلامية بعد ضيافة
الأيام الثلاثة أن أنتقل إلى فندق مناسب
أقضي فيه ما بقي لي من أيام في لاهور،
وفعلا نزلت فندق "أمباسدور" أو فندق
السفراء، وهو ليس بعيدا كثيرا عن مقر
الجماعة، ولكنه يحتاج أن تركب "الركشا"
وهي العجلة أو السيارة الصغيرة أم ثلاث
عجلات، وهي تسع شخصين يركبان في الخلف،
ويقودها السائق، وكانت أجرتها رخيصة جدا.
ومن
اللطائف في الأيام التي قضيتها في الفندق
أني بحثت عن "الجبنة" فلم أجد لها
عند الباكستانيين أثرا، ولم أسمع لها
عندهم خبرا؛ فهم لا يعرفون إلا اللبن
الحليب، أو اللبن الرايب أو الزبادي،
يتناولونه محلى بالسكر. وقلت للأخ خليل
الحامدي ومساعده فيض الرحمن: ألا تعرف
باكستان "الجبن" أبدا؟ قال الشيخ
خليل: باكستان لا تعرف "الجبن" لكن
تعرف الشجاعة! قلت له: إنما نبحث عن الجبن
لنقضي عليه!
وأخيرا
بعد البحث في بعض المحلات الكبيرة وجدوا
بعض الجبن الإفرنجي، لا الجبن الأبيض،
وعرفت من هذا الاختلافَ بين الشعوب في
عاداتها ومأكولاتها؛ فرغم أن الشعوب
الهندية شعوب زراعية فإنها لا تعرف الجبن،
على حين نجد الفرس والأتراك والعرب
والأوربيين يتفننون في صناعة الأجبان
بأشكال ومذاقات شتى.
أنشطة
مكثفة مع الجماعة الإسلامية
قمت
ببعض الأنشطة، وألقيت عددا من المحاضرات
مع الطلبة المسلمين وغيرهم، وذكرت
للإخوة التلاقي بين أفكار الجماعة
الإسلامية، وأفكار الإخوان المسلمين،
حتى قلت لهم: إن الإخوان المسلمين هم
الجماعة الإسلامية في الشرق العربي،
والجماعة الإسلامية هم الإخوان المسلمون
في شبه القارة الهندية.
وأجرت
بعض الصحف وبعض المجلات حوارات معي، كانت
إجاباتي فيها مسددة، كما نظم الإخوة
مؤتمرا صحفيا لي، أجبت فيه عن عدد من
التساؤلات التي طرحت، وكان الإخوة
مسرورين بنتائج ذلك كله.
وكانت
باكستان الشرقية -وعاصمتها دكا- في ذلك
الوقت في حالة من الاضطراب والغليان،
وقال مولانا المودودي لي: ليتك تذهب إلى
دكا؛ فهي تحتاج إلى مثلك في هذا الوقت
الذي يعمل دعاة الانفصال مؤيدين من أعداء
باكستان وأعداء الإسلام.
قال
المودودي: إنك ستجد باكستان الشرقية جنة
الله في أرضه، وأنهارها أشبه بالبحار.
ولكن
الإخوة العارفين في الجماعة قالوا: إن
تكثيف الشيخ نشاطه الدعوي والسياسي في
هذا الوقت قد يعكر على الموضوع الذي جاء
من أجله، وهو الحصول على الدكتوراة؛
فربما شوش بعض المغرضين أو الخصوم على
الشيخ، ووضعوا العقبات في طريقه.
ولذا
توقفت عن النشاط العام إلا قليلا؛ حتى
ننتهي من تحقيق الهدف الذي جئت إلى لاهور
أساسا من أجله، وسأظل أذكر تلك الأيام
الجميلة التي قضيتها في لاهور (ما يقرب من
ثلاثة أسابيع)، ولقاءاتي بالعلامة
الإمام المودودي وإخوانه ورفقاء دربه في
الدعوة إلى الله، جزاهم الله عني خيرا.
العودة
إلى قطر ومنها إلى بيروت
وبعد
أن لقيت رئيس الجامعة العلامة الصديقي،
وغير باقتراحه المسار المعتاد للحصول
على الدكتوراة، قررت السفر عائدا إلى قطر،
ومنها إلى بيروت؛ سعيا لتقديم كتاب "فقه
الزكاة" للمطبعة.
وعدت
إلى قطر، لأصطحب أسرتي، ومسودة بحثي عن
"الزكاة"؛ لنسافر إلى لبنان، ومن
مطار بيروت استقللنا سيارة لتوصلنا إلى
"سوق الغرب" للإقامة المؤقتة في "فندق
فاروق" الذي اعتدنا النزول به، حتى
نستأجر بيتا مناسبا لنا.
وبعد
أيام قليلة عرفنا أن عددا من إخواننا
السوريين مثل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة
والأستاذ عدنان سعد الدين قد استأجروا
منازل لهم في قرية "قرنايل"، وهي
قريبة من قرية "حمانا" التي نزلنا
بها صيف سنة 1965م، وأن بالقرب منهم منزلا
ملائما لنا، وقد زرتهم، ورأيت المنزل
وحديقته الجميلة، ووجدته في غاية
المناسبة لنا، وخصوصا أننا نجاور الأخ
أبا عامر عدنان سعد الدين؛ فهو الجار ذو
القربى، وقد قال العرب من قديم: الجار قبل
الدار، والرفيق قبل الطريق.
وانتقلت
مع الأسرة من فندق فاروق إلى قرنايل
لنقيم بها ما بقي من الصيف، وهو حوالي
شهرين، وننزل ما بين يوم وآخر إلى بيروت
للقاء بعض الأحبة، وشراء بعض اللوازم،
ومثل ذلك كله للاتفاق مع المطبعة ودار
النشر على طبع الكتاب الذي اخترت له
عنوان "فقه الزكاة.. دراسة مقارنة
لأحكامها وفلسفتها في ضوء القرآن والسنة"،
وكان الاتفاق مع الأستاذ عادل عاقل مدير
دار الإرشاد للنشر على أن يقوم بنشر
الكتاب، وقد اتفق هو مع مطبعة "دار
القلم" لتقوم بالطباعة.
وسلمت
المطبعة قدرا مناسبا من الأصول لتبدأ
الطباعة بسرعة ما أمكنها؛ فالزمن لا
ينتظرنا، وجامعة البنجاب تستعجلنا،
وكلما فرغوا من ملزمة وصححوها التصحيح
الأولي سلموا لي "البروفة" الأخيرة
لأصححها وأعتمدها لتطبع بعد التصحيح.
وبدأنا
العمل، ولكن الوقت كان قصيرا؛ فلم ننجز
من طبع الكتاب أكثر من خمس عشرة ملزمة،
والكتاب كبير سيصدر في مجلدين.. ولهذا
اتفقت مع المطبعة أن ترسل إلي ما تنجزه من
الملازم إلى الدوحة أثناء العام الدراسي؛
لأصححه وأرده على المطبعة، حتى لا نتعطل
كثيرا.
بيد
أن هذا الاتفاق لم ينفذ إلا في نطاق محدود،
ولم يرسلوا إلي إلا عددا قليلا من
الملازم، معتذرين بأعذار شتى من انقطاع
التيار الكهربائي، ومن إضراب العمال،
وغير ذلك، ولم يتحقق ما رجوته أو ظننته من
إمكان طباعة الكتاب في نحو ستة أشهر؛
فهذا كان ضربا من التمني، وما كل ما يتمنى
المرء يدركه.
وكان
لا بد أن نتدارك ذلك في الصيف القادم (سنة
1970م) لنعوض هذه الأيام التي ضاعت منا دون
أن نحقق الإنجاز الموعود.
انقلاب
النميري في السودان
|
|
|
جعفر نميري |
في سنة 1969م حدث انقلابان عسكريان في
الوطن العربي، كلاهما كان في الجناح
الأفريقي من العالم العربي، وكلاهما
مجاور لمصر: أحدهما في الجنوب، والآخر في
الغرب؛ أحدهما في بلد جمهوري، والآخر في
بلد ملكي.
الانقلاب
الأول: وقع في مايو في جمهورية السودان
الذي قام به الجيش بقيادة جعفر نميري،
والذي أطاح بالحكم الديمقراطي الذي جاء
بعد انقلاب عبود. ولا ندري ماذا يحمل هذا
الانقلاب الجديد للسودان؟ وإن كنت قد
أصبحت أتوجس شرا من الانقلابات العسكرية
التي أمست في أوطاننا عدوا للحرية، ونقمة
على الشعوب، تعِد بالديمقراطية ولا تفي
بما وعدت، ولا يستطيع أحد أن يحاسبها،
ترى هل يكون هذا الانقلاب الجديد مثل ما
جربته شعوبنا من قبل: في مصر، وفي سوريا،
وفي العراق، أم سيكون وجها آخر، يقلب
النظام، ثم يرد الحكم إلى المدنيين، وإلى
الشعب يختار لنفسه من يراه أهلا للولاية،
ويتحمل مسؤولية من يختار؟!
انقلاب
القذافي في ليبيا
|
|
|
معمر القذافي |
والانقلاب الثاني وقع في أول سبتمبر، أو
في الفاتح من سبتمبر في المملكة الليبية؛
فقد فوجئنا ونحن في لبنان في أول سبتمبر
بما أذاعته وكالات الأنباء من انقلاب
عسكري في ليبيا على الملك السنوسي، تقوده
فئة من الشبان، ولا أدري هل ذكر اسم قائد
الانقلاب في أول الأمر أم أُجل بعض الوقت.
وكان
الملك إدريس السنوسي رجلا صالحا في نفسه،
ولكنه أحيط ببطانة سوء، انحرفت بالحكم،
وأساءت إلى البلاد والعباد؛ فكان لا بد
من تغيير، وكان التغيير في العالم العربي
له صيغة واحدة في كل الأقطار، هي صيغة
الانقلاب العسكري، منذ سن هذه السنة حسني
الزعيم في سوريا، وتبعه الضباط الأحرار
بقيادة عبد الناصر في مصر، وعلى دربهم
سار عبد الكريم قاسم في العراق.
وأذكر
أننا تناقشنا عقب سماعنا بنبأ الانقلاب
أو الثورة -كما سميت فيما بعد-: هل تكون
هذا الثورة خيرا أو رحمة للشعب الليبي؛
يُطعَم بها بعد جوع، ويأمن من خوف، ويعيش
حرا سيدا في أرضه، أم تكون صورة كسائر
الثورات التي فرح الناس بها في أول الأمر،
وصفقوا بأيديهم، ورحبوا بها من أعماق
قلوبهم، ثم ما لبثوا أن انقلب سرورهم غما،
وفرحهم ترحا، وأمسوا يتمنون اليوم الذي
يتحررون من نيرها، وسوط عذابها، بعد أن
جرعتهم كؤوس الذل، وأذاقتهم عذاب الهون،
ومرغت أنوفهم في التراب؛ فباتوا يتمنون
أن تعود العهود البائدة، على ما كان فيها
من فساد وانحراف، وأضحى يناسبهم قول
الشاعر قديما:
دعوت
على عمرو فمات فسرني بليت
بأقوام بكيت على عمرو!
وقلنا:
لندع ذلك للأيام؛ فهي التي ستكشف الأصيل
من الزائف، وتميز المحق من المبطل، ويبقى
القانون الإلهي الذي لا يتخلف: "فَأَمَّا
الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي
الأَرْضِ" [الرعد: 17].
|