آخر تحديث: 16/2/2009م

 
         
الحلقة (6)
تحليل لأسباب النكبة

في هذه الحلقة من مذكراته، يتعرض فضيلة الدكتور القرضاوي بالتحليل لأهم الأسباب التي أدت إلى وقوع نكبة حزيران يونيو 1967، مبرزا أن أهم أسبابها هو تخلي الأمة عن دينها وتغييب عقيدتها، ثم يأتي بعد ذلك حكم القهر والإذلال والبطش الذي عانت منه شعوب الأمة، مستشهدا ببعض ما اعترف به أنصار هذا الحكم وسدنته بعد وقوع النكبة...

الدين هو السبب الأول!!

ميخائيل نعيمة

كان وقوع هذه النكبة الكبرى مجالا رحبا لتحليلات المحللين لأسبابها وعواملها، وقد رأينا في ذلك شطحات وعجائب من التحليلات ينبغي أن نرصد أهمها هنا.

وأعجب ما قرأنا في تعليل الهزيمة: أن سببها هو الدين! نعم، الدين!!

هكذا كتب الأديب المهجري المعروف "ميخائيل نعيمة" في استفتاء أجرته مجلة "الآداب" البيروتية بعد نكبة حزيران، وسكتت عليه المجلة سكوت المقر المؤيد.

قالت المجلة: ما هو في رأيكم الدرس الأكبر الذي يحسن بالعرب أن يتعلموه من الهزيمة؟

وقال الكاتب الشاعر: "في رأيي أن الدرس الأكبر الذي يجب أن يتعلمه العرب من هزيمتهم النكراء أن الدنيا لا تُساس بالدين! فالدين موطنه السماء التي لا يعرفها أحد، والدنيا موطنها الأرض التي لا يجهلها أحد...".

إلى أن قال: "فإذا كان العرب ممن يعتقدون أن حقوقهم لا تُصان ولا تسترد إلا بالحرب، وأن الحرب لا يكسبها إلا السلاح، وأن السلاح لا يخلقه إلا العلم والمال، فما عليهم إلا أن يتعبدوا للعلم والمال؛ لعل العلم والمال لا يخذلهم حيث خذلهم ربهم"!![1].

وهذه الكلمات إنما هي خيال شاعر، لا فكرة حكيم. وهو مع هذا خيال متهافت سقيم. والخطورة - كما قال الأستاذ محمد المبارك[2] - أن يُظَن كل أديب كبير، مفكرا كبيرا! وليس الأمر كذلك.

إن الشاعر الذي يعيش هناك وراء البحار، يظن العرب هنا يقيمون في زوايا العبادة، بين ليل قائم، ونهار صائم، ناءت رءوسهم بحمل العمائم، وأيديهم بحمل المسابح. فلما شبت نار الحرب دخلوها، وسلاحهم التمائم والتعاويذ، وهذا الخيال كله باطل.

فالحكومات التي اشتركت في الحرب حكومات عصرية، تعتمد على أحدث الأساليب، في الأسلحة والتدريب، وهي كلها حكومات علمانية تفصل الدين عن الدولة، إن لم يقم بعضها بالفعل باضطهاد الدين والتضييق عليه، وعلى دعاته، وقد كان الدعاة إلى الدين -عندما حلت النكبة- في سجونها ومعتقلاتها بالألوف وعشرات الألوف.

هوامش على دفتر النكسة

نزار قباني

ولو أن الشاعر المهجري قال: "إن سبب النكبة هو التدين المدخول أو الزائف" لكان له وجه.

ولقد كان الشاعر نزار قباني الذي لم يُعرَف باتجاه روحي -كميخائيل نعيمة- أدنى إلى السداد في تعقيبه على النكبة بقصيدته الشهيرة "هوامش على دفتر النكسة" فقد جاء فيها:

"لا تلعنوا السماء، إذا تخلت عنكمو، لا تلعنوا الظروفْ

فالله يؤتي النصر من يشاء.. وليس حدادا لديكم يصنع السيوفْ".

وصور الفراغ الروحي والأخلاقي للأمة فقال:

"جلودنا ميتة الإحساسِ

أرواحنا تشكو من الإفلاسِ

أيامنا تدور بين الزار والشطرنج والنعاس

هل نحن خير أمة قد أخرجت للناس؟!".

والجواب بداهة: لا، فالله قد خاطب هذه الأمة بقوله: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" [آل عمران: 110] فأين منا هذه الخصائص والنعوت؟

ويصف "نزار" التدين الكاذب المنحرف فيقول:

"نقعد في الجوامع

تنابلا كُسالى

نشطر الأبيات أو نؤلف الأمثالا

ونشحذ النصر على عدونا.. من عنده تعالى"!

وعلى أية حال، قد كان الدين معزولا تماما عن المعركة، ولم يكن له فيها دور إيجابي ولا سلبي، لا قبل المعركة ولا في أثناء المعركة.

كان هناك حرص شديد من أكثر المسؤولين على إبعاد العنصر الديني عن الحرب، لأسباب واعتبارات لا محل لها هنا.

بل الذي يذكره الشعب العربي -قبل المعركة بأيام- أن الدين كان عرضة للهجوم والسخرية والقذف بالحصى والحجارة، حتى اجترأ مجترئ من الثوريين، أن يكتب في صحيفة علنية رسمية -تصدر في سوريا- هذه العبارات:

"... والطريق الوحيدة لتشييد حضارة العرب وبناء المجتمع العربي، هي: خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد، الذي يؤمن أن الله والأديان والإقطاع والرأسمال والاستعمار والمتخمين وكل القيم -التي سادت المجتمع السابق- ليست إلا دُمى محنطة في متاحف التاريخ"!![3]

ولقد ذكرت ما شهدته بنفسي في قطر في الساعات الأولى، اجتماعا في مقر "منظمة التحرير" ضم المئات بل الألوف من الناس من الفلسطينيين والقطريين والمصريين وغيرهم، ووقف رجل عالم فاضل من أهل البلاد يخطب في هذا الجمع، وكان مما دعا إليه في كلمته: أن ارجعوا إلى الله وتمسكوا بدينه ينصركم على عدوكم.. فما كان من بعض الشباب المفتونين بعبادة الأوثان البشرية إلا أن قالوا: لا دين إلا السلاح؟

هذه هي الروح التي كانت سائدة هنا وهناك. فكيف يزعم زاعم أن الدين سبب الهزيمة؟!! وأن علينا أن نتخلى عن الدين لننتزع النصر من أحشاء الهزيمة؟

ثم أي دين يعنيه الكاتب؟ إنه لا شك يعني الدين على وجه العموم، والإسلام على وجه الخصوص. فهو الدين الذي تعتنقه أغلبية الأمة، وتنص دساتير دولها على أنه دين الدولة الرسمي.

فهل يمكن أن يكون الإسلام سبب الهزيمة، أي هزيمة؟ كلا.

وكيف يكون ذلك؟ وهو الذي يقول في كتابه: "وَأَعِدوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُم من قُوةٍ وَمِن ربَاطِ الْخَيْلِ" [الأنفال: 60] ويقول: "وَد الذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم ميْلَة وَاحِدَة" [النساء: 102]. "يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعا" [النساء: 71].

بل أقول: إن التحليل الدقيق والعميق لأسباب الهزيمة يقول بصراحة: إن سببها الحقيقي يكمن في تخلينا عن حقيقة الدين، عن الإسلام الصحيح، الإسلام الحق الذي يعد الأمة للجهاد، ويطهر الأمة من الميوعة والتحلل وأسباب الخذلان.

لقد كان لتخلينا عن الإسلام - مصدر قوتنا ومددنا الروحي والنفسي - نتائج كثيرة لمسنا آثارها، حين دخلنا المعركة دون أن نتسلح بالإيمان، لمواجهة أمة تحاربنا باسم الدين.

وكان من نتائج التخلي عن الإسلام انطلاق الغرائز الدنيا، وطغيان الشهوات البهيمية، وانتشار المجون والفسق، والتحلل من عقدة الفضائل والمُثُل العليا، فالعفاف والإحصان والاحتشام والحياء من أخلاق الرجعية المتزمتة، وخصائص المجتمعات المتخلفة التي لم تر نور القرن العشرين.

أما اللهو والخلاعة والصور العارية أو شبه العارية والقصص الخليعة، والأدب المكشوف والغناء الفاحش، والأزياء المثيرة فهذه هي سمات الحضارة، وعنوان التمدن، وشارة التحرر من ربقة التقاليد العتيقة البالية.

فلا تعجب إذا وزعت - قبل المعركة بأيام - عشرات الآلاف من صور المطربات والممثلات على الجنود المرابطين على خط النار، تشجيعا لهم، وتقوية لروحهم!!.

وأخيرا كان من نتائج تخلينا عن الإسلام أننا دخلنا المعركة بمعزل عن الله، شاعرين بالاستغناء عنه، ذاكرين كل اسم إلا اسمه، منتظرين كل عون إلا عونه، مترقبين أي مدد من أي جهة إلا مددا يأتي من جهة السماء!

كانت بعض الإذاعات تلهب حماس المحاربين في ساعات القتال الرهيبة بمثل هذه الكلمات: قاتلوا واضربوا واسحقوا العدو. إن الفنانين والفنانات من ورائكم.. إن فلانة المطربة معكم والأخرى الممثلة بجانبكم!!

أما الله وملائكته وتأييده فلم يكن في الحساب.

دخلنا المعركة والغرور حشو رؤوسنا، والرياء ملء نفوسنا، والكبر ملء أنوفنا، لم ندخلها في تواضع المؤمنين، وزهد المخلصين، وصدق التائبين، وتوبة الصادقين.

لم يقل قائد لزملائه أو لجنوده يوم الحرب ما قاله خالد يوم "اليرموك": إن هذا اليوم من أيام الله، فلا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، فأخلصوا لله جهادكم، وتوجهوا لله بعملكم، فإن هذا يوم له ما بعده.

وهكذا خضنا الحرب بلا عقيدة، وقاتلنا بلا إيمان.. خضناها متوكلين على الروس، فخذلنا الروس، معتمدين على السلاح فلم ينفعنا السلاح.

لقد وضع القرآن للمؤمنين شروط النصر عند اللقاء فقال: "يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَة فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرا لعَلكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِن اللهَ مَعَ الصابِرِينَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرا وَرِئَاءَ الناسِ وَيَصُدونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ" [الأنفال: 45-47].

فهل راعينا هذه الشروط الستة ونفذناها؟ بل هل وعيناها وحفظناها؟ بل هل خطرت لقادتنا على بال؟ كلا ثم كلا.

لا عجب إذن - وقد تخلينا هكذا عن الإسلام - أن يحجب الله نصره عنا، وأن يسلط عدوه علينا. فإنه لم يعِد بالنصر إلا من نصره وأعز دينه: "وَلَيَنصُرَن اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِن اللهَ لَقَوِي عَزِيزٌ * الذِينَ إِن مكناهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصلاَةَ وَآتَوُا الزكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ" [الحج: 41،40].

هذا هو في نظري السبب الحقيقي للهزيمة، وهو سبب أعمق جذورا، وأبعد مدى، وأطول عمرا، من حرب "حزيران"، فإن ساعة الحرب هي ساعة الحصاد لما زُرع أيام السلم.

فليت شِعري لماذا يقحم فريق من الناس اسم الدين واسم الله بعد الهزيمة؟ وعندما كانوا يظنون النصر قريبا لم يجر ذكر الله على ألسنتهم، ولم يخطر على قلوبهم. وإنما ذكروا "هُبَلهم" و"مَناتهم" و"عُزاهم" وسائر آلهتهم التي يلتمسون عندها المدد والعون.

أجل.. لقد كانوا ينتظرون المعونة من أي جانب إلا من الله، فلا غرو أن يتخلى الله عنهم، ويكلهم إلى أنفسهم، ويوليهم ما تولوا. فلم يغن عنهم أولياؤهم من الله شيئا. لقد كانت جيوشنا وشعوبنا أحوج ما تكون إلى تعبئة إيمانية صادقة تجعل الجندي العادي أسدا هصورا.

عودة للتعبئة الدينية

إن التعبئة الدينية الأخلاقية للشعب أو الجيش أصبحت أمرا ينادي به جميع الفئات الواعية من العرب والمسلمين.

وما زال في آذاننا صوت وكيل الخزانة في القاهرة الذي وقف يقول في أحد المؤتمرات: "لا بد من إدخال الدين في المعركة، فإن اليهود يقاتلوننا انتقاما لهزيمتهم في خيبر، وغيرها".

فهو رأي لم يدعُ إليه علماء الدين فحسب، بل دعا إليه رجال مدنيون في جميع القطاعات، ولم يناد به المدنيون فحسب، بل نادى به القادة العسكريون أيضا.

فهذا القائد الأردني السيد "عبد الله التل" يرسم سبيل النجاة كما يراه في قضية فلسطين[4] فيقول:

أولا: يجب أن نخوض معركة فلسطين على أساس الجهاد الديني، ذلك لأن فلسطين بلد إسلامي مقدس، كل شبر فيه ممزوج بدماء الصحابة والمجاهدين، يضم المسجد الأقصى أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، الذي أسري بالنبي الكريم إليه. ويضم مسجد الصخرة، ومئات المساجد والمقامات الإسلامية الأثرية المقدسة، ويضم كذلك المقدسات المسيحية وأهمها قبر المسيح ومهده.

ثانيا: إن فلسطين ليست بلدا عربيا اغتُصب فحسب، وإنما هي بلد إسلامي بالدرجة الأولى، لأنها تعد مهوى أفئدة 700 مليون مسلم، يقدسونها كما يقدسون مكة المكرمة والمدينة المنورة. وهي ليست ملكا لعرب فلسطين وحدهم، ولا للأمة العربية وحدها، وإنما هي ملك جميع المسلمين، وواجب الدفاع عنها فرض عين على كل مسلم على وجه الأرض.

والمسيحيون أيضا!!

بل أقول: إن هذه التعبئة لم يدع إليها المسلمون وحدهم، بل دعا إليها الواعون المخلصون من المسيحيين العرب أيضا.

يقول الكاتب العربي المسيحي الأستاذ "حبيب جاماتي":

"لقد حان الوقت لكي تركز الدعاية العربية ضد الصهيونية على المشاعر الدينية، بعدما ظلت إلى الآن مركزة على نواح كثيرة أخرى ما عدا الدين.

إن الدعوة الصهيونية قامت على الفكرة الدينية وعلى الشعور الديني وعلى التعصب الديني، وعلى إثارة النعرة الدينية دون غيرها من النعرات، وما الناحية العنصرية في تلك الدعوة غير مظهر من مظاهر التعصب الديني. ففي الشرق الأدنى الآن بقعة من الأرض العربي سرقها اليهود باسم الدين، وأنشأوا فيها دولة قائمة على الدين ولا يزالون يبثون في أنحاء العالم دعاياتهم المنبعثة من الدين.

وبناء على أن مقاومة السلاح بمثله من البديهيات التي لا تتطلب تفكيرا، ولا تستحق جدلا، وبناء على أن العرب حتى الآن قد بنوا دعايتهم المضلة لدعاية اليهود على أسس وحجج ودعائم وحقائق سياسية واقتصادية واجتماعية وتاريخية تاركين الناحية الدينية جانبا، فإن الحالة الخطيرة التي وصلت إليها قضية فلسطين من جراء ذلك كله تتطلب الآن أن يعمد العرب إلى نفس السلاح الذي استخدمه اليهود ضدهم.. وهو إثارة النعرات الدينية ليقابلوا بها النعرة الدينية اليهودية"[5].

وهذه الكلمات الصريحة الناصعة تبطل كل حجة لأولئك الذين يريدون إبعاد الدين وإخفاءه، مجاملة لإخواننا النصارى، الذين قد يسوؤهم ذكر الإسلام، وتعبئة المشاعر باسمه وتحت رايته، فهذه دعوى مراودة. وما أصدق ما قاله السياسي المصري الشهير "مكرم عبيد": أنا نصراني دينا مسلم وطنا!.

حكم القهر والإذلال.. سبب ثانٍ

وسبب آخر من أخطر أسباب الهزيمة، هو أن الشعب فقد الحرية.

أمسى الشعب تحت سلطان الأنظمة الثورية يرزح تحت نِير القهر والقمع والإذلال، تحت حكم الحزب الواحد، أو التنظيم الواحد، وتحت حكم الفرد الذي لا يجوز لأحد أن يقول له: لم؟ ناهيك بأن يقول: لا!

إن الشعب الذي يحيا في خوف من حكامه، ولا يأمن على نفسه ولا على أهله، ولا على عيشه، ويتوقع أن يأتيه "زوار ما بعد منتصف الليل" وهم الذين سميناهم "كلاب الصيد" ليتخطفوه في أي وقت.. مثل هذا الشعب لا يتوقع منه إنجاز، أو تحقيق نصر على عدو.

لقد جرد هؤلاء الحكام هذه الشعوب من كل أسلحة القوة، ومن كل معاني المقاومة.

لقد أذلوا كرامتها، وأهدروا آدميتها، وسلطوا عليها سيف الإرهاب، وسوط العذاب، حتى سكتت على الضيم، وأغضت العين على القذى، وجرت الذيل على الهوان.

لقد خنقوا كل فكر حر، وكسروا كل قلم حر، وأخرسوا كل صوت حر، ولم يسمحوا بالعيش والظهور إلا لحملة القماقم، ومحرقي البخور، بين أيدي الظلمة المستبدين.

لقد غلت في عهدهم المعيشة ورخص الإنسان، وعمرت المراقص، وخربت المساجد، وضُيق الخناق على الأفكار، وأُطلق العنان للشهوات، وأكرم أهل النفاق، وأهين أهل الإيمان.

أولئك هم الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار.

ولقد أحسن الشاعر "نزار قباني" حين صور هؤلاء الطغاة وموقفهم من الحريات ومن الشعوب، فقال:

"لو أحد يمنحني الأمانْ

لو كنتُ أستطيع أن أقابل السلطانْ

قلت له: يا سيدي السلطانْ

كلابك المفترسات مزقت ردائي..

ومخبروك دائما ورائي

عيونهم ورائي..

أنوفهم ورائي..

أقدامهم ورائي..

كالقدر المحتوم، كالقضاء..

يستجوبون زوجتي..

ويكتبون عندهم أسماء أصدقائي..

يا حضرة السلطان

لأنني اقتربتُ من أسوارك الصماء

لأنني.. حاولت أن أكشف عن حزني وعن بلائي..

ضُربتُ بالحذاءِ..

أرغمني جندك أن آكل من حذائي..

يا سيدي..

يا سيدي السلطان..

لقد خسرتَ الحرب مرتين

لأن نصف شعبنا

ليس له لسان..

ما قيمة الشعب الذي

ليس له لسان؟

لأن نصف شعبنا

محاصَرٌ كالنمل والجرذانْ

في داخل الجدران..

لو أحد يمنحني الأمانْ!

من عسكر السلطان

قلتُ له:

لقد خسرتَ الحرب مرتين

لأنك انفصلتَ عن قضية الإنسان"...

فإذا كنا نريد لأمتنا أن تنتصر، وكنا نريد من أمتنا أن تجاهد، فلنزح من طريقها هذه الحجارة التي تعوق سيرها. هذا الإرهاب الحاكم الذي يفعل بأنفس الأمة ما تفعله الأمراض الفتاكة بأجسامها.

إن الجهاد لا يقوم إلا على الرجال، والرجال لا ينشأون إلا في ظل الحرية، أما تلك الأنظمة البوليسية المتجبرة على خلق الله، فلن تخلق إلا شعبا من العبيد. والعبيد إنما يحسنون فن الخدمة والطاعة ولكن لا يحسنون فن البطولة وصناعة الموت.

ولقد روت كتب الأدب أن عنترة العبْسي كان - لسواد لونه - غير محظي عند أبيه، وكان يعامله معاملة العبيد، كل مهمته أن يرعى الجمال ويحلب النوق، فلما أغارت يوما إحدى القبائل على عبس، وكاد المغيرون ينتصرون، وعنترة يقف موقف المتفرج، كأن الأمر لا يهمه، قال له أبوه: كِر - يريد منه أن يشترك في الذود عن القبيلة - فقال له عنترة: العبد لا يحسن الكَر، وإنما يحسن الحلاب والصر.. فقال الأب: كِر وأنت حر.

وهنا ظهرت بطولة العبسي الأسود راعي الإبل وحالب النوق، فقلبت موازين القوى، وردت المغيرين على أعقابهم مخذولين. وكان ذلك بتأثير الشعور بنعمة الحرية: "كر وأنت حر".

هيكل يعترف

محمد حسنين هيكل

لم يملك الأستاذ "هيكل" - المحامي الأول عن عبد الناصر وعن ثورة 23 يوليو - برغم تبريراته الواسعة للهزيمة، إلا أن يعترف بكثير من الأخطاء، وكثير من الانحرافات، التي ارتكبتها القيادات الثورية، فيقول في مقالاته في الأهرام في شهر 10/1967 ذاكرا عدة حقائق:

"الحقيقة الأولى: أننا كنا نواجه عدوا تلقى مساعدات غير عادية.

والحقيقة الثانية: أن عدونا تصرف بما حصل عليه من الإمكانيات ببراعة غير عادية.

والحقيقة الثالثة: أننا تصرفنا أمامه بقصور غير عادي.

إن الضربة الأولى التي فاجأتنا كانت متوقعة بالطريقة التي جاءت بها تقريبا. وفي الوقت الذي جاءت فيه تقريبا أيضا.

ولكن الفشل في توقيها كان مذهلا!

لقد صُعق الجنرال "موردخاي هود" قائد طيران العدو الذي قام بالعملية على أساس نجاحه من الضربة الأولى، صعق قبل غيره عندما جاءته نتائجها.

وكان قوله الذي نقل عنه: إن ما حدث يفوق أكثر أحلامي جنونا!! قال هيكل: ولذلك قلت: إن حادث 5 يونيو 67 غير معقول، إلى جانب أنه غير مفهوم، فضلا عن أنه - قبل ذلك - غير مسبوق، وغير ملحوق!

ويخيل إلي أنه لا بديل لأن نتبين صراحة أن الوطنية ليست صراخا، وليست حمى، إنما الوطنية إيمان.. والإيمان معرفة.. والمعرفة فهم!

ويقول هيكل في 10-11-1967: لقد تيقنت الأمة العربية أنه ليس بالشعارات تتحقق أماني الشعوب، ولكن بالفعل، وليس بالخلط، ولكن بالوضوح!

ويقول في 17-11-1967: إن أجهزة المخابرات إذا تركت بغير رقابة كافية تكتسب في نموها طبيعة سرطانية مدمرة.

إن الجبهة الداخلية لا تستطيع أن تستفيد أي شيء من جو الإبهام والغموض وهي تستطيع أن تستفيد كل شيء من جو الانفتاح والوضوح!.

ويقول: "إن الذين يمارسون الإرهاب ليسوا أصحاب عقائد مهما ادعوا.. ولا أقول أكثر من ذلك".

وفي 28-6-1968 يقول: إن مفاجأة صباح 5 يونيو حطمت الطيران على الأرض في ساعات، وأغلب الظن - على أساس الظروف الموضوعية وحدها - فإن هذا الطيران بغير مفاجأة كان سيضرب من الجو خلال أيام على أساس الأوضاع التي دخل بها المعركة.

وفي 30-6-1968: "إن خطأنا الأول هو أن ألفاظنا جميعا كانت تعبر في كثير من الأحيان عن أكثر مما نقصده، وأكثر مما نستطيعه!".

ويقول الماركسي المعروف لطفي الخولي - رئيس تحرير "الطليعة" المصرية - في ملحق الأنوار بتاريخ 15-12-1968: يتحدث عن المؤسسات الحزبية:

أليست هذه الأخيرة مهزومة الآن؟ ألم تسقط مع من سقط في 5 حزيران؟ بل لعلها قد سقطت قبل ذلك، بدليل أن 5 حزيران كان، ولو أنها في المستوى المطلوب لما كان!

جنبلاط والبيطار يدينان الثورية

وكتب الأستاذ كمال جنبلاط رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" في لبنان مقالا عن "الذهنية العربية والنكسة المستمرة" قوبل بالاهتمام الكبير في الأوساط الثورية وغير الثورية على السواء، ومما جاء في هذا المقال الخطير:

"أخذنا منذ سنتين أو ثلاث نتلهى بشعارات سحرية وميثولوجية أخرى عممتها - للاستغلال الرخيص لعواطف الناس - حركات حزبية في الشرق العربي، أطلقت في ما أطلقته تعابير ومفاهيم أخذت تنحدر من التصور الثوري الطوباوي الواحد. فامتلأت صحفنا وأنديتنا وعقول معظم مثقفينا بكلمات جوفاء، ترددها أصداء وخلايا جوفاء في العقل والخاطر السحري الميثولوجي لنفسيتنا: الثورية والثوريون، والتحرر والتحرريون، والذهنية الثورية، والفكر الثوري، والعقائد الثورية، والجماهير الثورية، والعلم الثوري، والفن الثوري، والنهج الثوري، والمجتمع الثوري... إلخ حتى أصبحت كلمة ثورة وثورية تلصق بأي اسم ومفهوم آخر، وأضحت حشوا في كلماتنا وفي كتاباتنا وفي عقولنا.

إن التحدث عن الثورية يغطي، أو هو مركب تعويض وتغطية عن عجزنا عن القيام بواجب العمل الاجتماعي والسياسي المباشر، وعن الاضطلاع بطاقة العلم العقلانية الكاملة التي هي الأساس الحقيقي لكل تقدم في العالم الحديث.

ومثل كمال جنبلاط الأستاذ صلاح البيطار - أحد مؤسسي "حزب البعث العربي الاشتراكي" في سوريا، رئيس حكومتها لعدة مرات - الذي أصدر بيانا ضافيا أعلن فيه انفصاله عن الحزب، وحلل أخطاءه وانحرافاته قبل حركة 23 شباط وبعدها، واستطرد إلى إدانة جميع الحركات الثورية والعقائدية الأخرى التي أثبتت إخفاقها الذريع، وعجزها التاريخي عن الاندماج بالشعب وعن تحريك جماهيره، مهيبا بالثوريين المناضلين في جميع الأحزاب، إلى الانفصال عن أحزابهم، والعمل على إنشاء حركة عربية جديدة للوطن العربي كله، كي لا تبقى الساحة السياسية فارغة، ولا يبقى الشعب غارقا في الظلام. وهذا بعض ما جاء في هذا البيان:

"كنت أول من حذر إلى حتمية سقوط الحزب فيما سقط فيه بعدئذ، من تخبط في متاهات الفكر، وجهالات السياسة، وصنمية التنظيم، إلى سيطرة الطفولة اليسارية، والعقلية العسكرية، والمغامرة الانتهازية، إلى الارتداد عن المواقع القومية الوحدودية والديموقراطية الشعبية، إلى التسلح بالهوس الثوري، والثرثرة الاشتراكية، لإرهاب القوى الثورية، وتصفية الفئات العسكرية والمدنية، وضرب الوحدة الوطنية للشعب.. وعسكرة الحزب، وتسيير أعضائه ومن ورائهم الشعب بالعصا والقوة. على أن تحذيري لا يعني تبرئة نفسي من حملي نصيبي من المسؤولية.

على أن النكبة القومية لم تكشف عن عجز حزب البعث وحده، فالأحزاب والمنظمات العربية العقائدية الأخرى لم تكن أحسن منه حظا. ولا غرابة في ذلك إذا عرفنا أن أمراضا وعللا من النوع ذاته الذي فتك بحزب البعث، قد فتكت بالأحزاب الأخرى.

ولقد كشف الواقع الموضوعي، عن أن جميع هذه الأحزاب والحركات كانت إبان النكبة في حالة غيبوبة، يوم كان الشعب في قمة حضوره ويقظته، ويوم كان وحيدا من دون قيادة حربية تقود حركته، ويوم وجد نفسه في واد والأحزاب والحركات في واد آخر!".

بين الأعراض الظاهرة والأسباب الدفينة

ونحن - كما قال الأستاذ قدري قلعجي - نرحب ولا شك بهذه الاعترافات التي تصدر من "أهل البيت" لأنهم أدرى بما فيه[6].

بيد أننا مع ترحيبنا بهذا الذي سموه "النقد الذاتي" وبهذه الاعترافات "الثورية" نرى أنها جميعا لم تشخص حقيقة الداء، ولم تهتد إلى لب المشكلة، إنها تحدثت عن أعراض المرض، لا عن أسبابه الدفينة الكامنة وراء المظاهر، ولما جهلوا حقيقة العلة لم يهتدوا قطعا إلى وصف الدواء.

إن العلة الحقيقية التي تعانيها هذه الأمة، والتي جهلها أو تجاهلها الاشتراكيون الثوريون - حتى الذين اعترفوا منهم بعجز الثورية العربية وإفلاسها - أنهم حاولوا جهد طاقتهم أن يخلعوا هذه الأمة من عقيدتها الأصيلة، ليفرضوا عليها عقيدة دخيلة، وأن يسوقوها بالدبابات والمدافع تارة، وبالإذاعات والإعلام طورا، لتعيش في إطار أيديولوجيات مستوردة مصطنعة، تصادم معتقدات الأمة وشرائعها وأفكارها ومشاعرها وقيمها وأخلاقها وتقاليدها.

وليس من السهل ولا من الممكن أن تتخلى الأمة عن عقيدتها وشريعتها ومثلها ورسالتها، فتتخلى بذلك عن مقومات حياتها. لهذا لم يكن بد من الصدام والصراع الظاهر والخفي بين الأمة وبين هؤلاء الذين حرفوا مسيرتها. ونتيجة هذا كله الحيرة والتمزق وبعثرة الجهود والأموال والأعمار في غير جدوى، بل في الهدم والتخريب لا في البناء والإنشاء.

إن هؤلاء الثوريين الاشتراكيين - إن افترضنا إخلاصهم - لم يفهموا أمتهم، ولم يعرفوا حقيقتها.. كما أنهم لم يعرفوا عدوهم الذي يتحدى بقلته كثرتهم، وبرقعته الضيقة أقطارهم الواسعة!

لقد ادعوا أن إسرائيل مجرد دولة عنصرية، وأن الصهيونية حركة قومية سياسية فحسب، وأغفلوا الجانب الديني في قيام الصهيونية وفي تكوين إسرائيل، كما أغفلوا هذا العامل الديني في توجيه شعوبهم وجيوشهم، على حين عنيت به إسرائيل كل العناية، فربحت وخسروا، وانتصرت وانهزموا.

كتب بن جوريون في رسالته إلى الرئيس ديجول في مطلع عام 1968 يقول:

"إن سر بقائنا بعد التدمير البابلي والروماني، وحقد المسيحيين الذين أحاطوا بنا ألف عام، يكمن في صلاتنا الروحية بالكتاب المقدس! وعندما جاءت اللجنة الملكية البريطانية إلى القدس في آخر سنة 1936 لتدرس مستقبل الانتداب قلت لها: الانتداب الخاص بنا هو التوراة! لقد استخرجنا منه قوتنا؛ لنقاوم عالما عاديا، ولنستمر في الإيمان بعودتنا إلى بلادنا"[7].

وفي الصفحات الأخيرة من مذكرات "وايزمان" ما يعتبر وصية وتوجيها عاما لإسرائيل:

"هدفنا بناء حضارة تقوم على المثل الصارمة للآداب اليهودية، عن تلك المثل يجب ألا نحيد، كما فعلت بعض العناصر في حياة الوطن القومي القصيرة، بإحناء الركب أمام آلهة غرباء. لقد كان الأنبياء دائما يؤنبون الشعب اليهودي بأشد القسوة من أجل هذه النزعة. وكلما عاد الشعب إلى الوثنية وكلما ارتد؛ كان يعاقب من قبل إله إسرائيل الشديد. وإنه من الصعب القول فيما إذا كان سيظهر أنبياء بين اليهود في المستقبل القريب. ولكنهم إذا اختاروا الحياة الصادقة الصعبة النقية على الأرض في منازل مبنية على المبادئ القديمة، وإذا استهدفوا في نشاطهم قيما حقيقية، في الصناعة والزراعة والعلم والأدب والفن، عندها يطل الله بعطف على أبنائه الذين عادوا بعد تيه طويل إلى بيتهم ليخدموه، وعلى شفاههم مزمور، وفي أيديهم مجرفة، محيين بلادهم القديمة، وجاعليها مركز حضارة إنسانية".

هذا هو اتجاه إسرائيل، وصناع أمجادها وانتصاراتها.

أما في أرض الثورية العربية، فكل دعوة إلى الإسلام "رجعية" وكل ذي فكر وقلم يدعو إلى الإسلام الصحيح يجب أن يكون مصيره حبل المشنقة، أو زنزانة السجن، أو العزلة الخانقة تحت الإقامة الجبرية!

يقول الكاتب المسيحي السوري الدكتور أديب نصور:

"استطاعت إسرائيل أن تعبئ لمصلحتها العاطفة الدينية عند اليهود في العالم، وتتلقى منهم العون والمزيد من العون، بينما كانت السياسة العربية الثورية تعادي الدول الإسلامية غير العربية، وتخاصم الدول الإسلامية العربية، وتصمها بالرجعية والتخلف لتمسكها بالدين، وتعتبر كل تقارب بين المسلمين تحالفا استعماريا، وتهمل الجانب المسيحي في العالم العربي، وتجرد إنسانها الثوري من قوة روحية هائلة، وتجرد سياستها الخارجية من بُعْد هو الأساس من أبعادها.

"إن الخطر الأكبر لم يداهمنا من انقضاض طيران العدو، وغزو ألويته ودباباته، وإنما جاء من انهيار داخلي سبق المعركة بأعوام، ومن محاولة الانتحار الأدبي. والتخلي عن الحقيقة والفضائل والقيم قضى على أمم كثيرة من قبل في التاريخ. إن ما حدث داخل المجتمعات الثورية كان وحده سببا كافيا ليجلب لنا الدمار الروحي والدمار المادي جميعا"[8].

اقرأ في الحلقة القادمة:

  • رحلة إلى لبنان وتركيا

  • عربية مكسرة تكفي!

  • البحث عن مصطفى بلجة


[1] مجلة الآداب - عدد تموز (يوليو) 1967.

[2] في كتابه "جذور الأزمة في المجتمع العربي".

[3] من مقال المدعو "إبراهيم خلاص" في مجلة "جيش الشعب" السورية.

[4] في كتابه: خطر اليهودية على الإسلام والمسيحية.

[5] مجلة الشبان المسلمين-القاهرة-عدد أبريل 1964.

[6] مقدمة وثائق النكسة ص10.

[7] جريدة لوموند الفرنسية 10/1/1968.

[8] انظر: النكسة والخطأ لأديب نصور ص159 وراجع كتابنا: الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا؟ فصل: لماذا فشلوا في حرب فلسطين؟ ص 307-315.

عودة للصفحة الرئيسية للملف
من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع