آخر تحديث: 16/2/2009م

 
         
الحلقة (5)
النكبة وتوابعها

في هذه الحلقة يصل بنا الدكتور القرضاوي إلى سنة 1967، وما وقع فيها من أحداث جسام هزت العالمين العربي والإسلامي، على رأسها نكبة يونيو، وسقوط القدس والضفة الغربية والجولان وسيناء في أيدي الصهاينة. كما يتعرض لردود الفعل الشعبية والحكومية تجاه تلك الأحداث.

حادث التسمم في الدوحة

عدنا إلى قطر بعد قضاء الإجازة في (الخليل) وباشرت عملي المعتاد في إدارة المعهد الديني، والمشاركة في النشاط الديني والثقافي العام في قطر.

ومضت الأيام تجري في أعنتها، يصبح الصباح، ويمسي المساء، وتشرق الشمس وتغرب، ويعمل الليل والنهار في عمر الإنسان لا يتوقفان، يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد.

لا أذكر في أشهر السنة الدراسية الأولى حدثا مهما يستحق التسجيل، إنما وقعت الأحداث المهمة ـ بل الشديدة الأهمية ـ في أواخر العام الدراسي.

أول حدث وقع في الدوحة في أواخر شهر مايو 1967: إصابة عدد كبير من الناس بتسمم، أدخل منه كثيرون إلى المستشفى الوحيد في الدوحة، وهو مستشفى الرميلة، حتى ضاق بالناس، وتوفي أحد المدرسين المصريين ـ وهو مدرس علوم ـ في هذا التسمم. وفزع الناس من هذا الأمر غاية الفزع.

وقيل: إن سببه أن الدقيق ـ أو الطحين ـ في أحد مخابز الدوحة، كان غير سليم، وقد أصابه تلوث أو تعفن، لا أدري من أين جاء؟

وقيل غير ذلك.

د. عز الدين يودع معارف قطر

د. عز الدين إبراهيم

وكان أخونا وصديقنا الدكتور عز الدين إبراهيم مساعد مدير المعارف، قد قدم استقالته من منصبه، وأراد أن يستقل بالعمل العلمي الجامعي الأكاديمي، ويستريح من العمل الإداري. وحق له ذلك، فعز الدين من العقليات النادرة التي لا يجوز أن تدفن في الأعمال الإدارية، ويحرم الناس من نتاجها العلمي والفكري. وأعتقد ـ بحكم مخالطتي له ومعرفتي به ـ أن لديه مواهب وقدرات يستطيع بها أن ينتج إنتاجا يكون له وزنه وقيمته في عالم الفكر.

لهذا فرحت بقراره التعاقد مع جامعة (الرياض) على العمل أستاذا للغة العربية والأدب العربي، وشجعته على ذلك. وكنت ناويا أن أقيم له (حفل تكريم) يليق بمقامه بهذه المناسبة، ولكن جاء حادث التسمم، وانشغال الناس، وانزعاجهم في أول الأمر انزعاجا شديدا بخطره عليهم، دون أن يعرفوا له سببا: مانعا من إقامة هذا الحفل في هذا الوقت الذي كان مناسبا له، قبل انتهاء العام الدراسي.

نكبة حزيران (يونيو) 1967

الخسارة فادحة

ثم لم يلبث أن وقع حدث آخر أكبر حجما، وأعظم خطرا، وأشد هولا، بآلاف المرات، بل ملايينها، من حادث التسمم.

إنه الزلزال المدمر الذي وقع في المنطقة، فغير من حالها، وقلب موازينها رأسا على عقب، وما زلنا نعاني آثاره المرة إلى اليوم.

إنه نكبة الخامس من حزيران (يونيو) 5/6/1967م الذي عرف بـ(حرب الأيام الستة). والذي هَزَمت فيه (إسرائيل) مصر وسورية، هزيمة ثقيلة، واستولت على سيناء في مصر، والجولان في سورية، بضربة خاطفة قاضية، حطمت بها الطيران المصري، بضرب الطيارات وهي رابضة في مطاراتها، فدمرت الطائرات، وخربت المطار، وشلت بذلك سلاح الجو المصري، شللا كليّا، لا شللا نصفيا. وأضحت القوات المصرية في سيناء مكشوفة بلا غطاء جوي، يحميها ويحرسها من الضربات  الجوية للعدو المتربص.

استيقظنا في الصباح على هذه القارعة الهائلة، وهذا النبأ المفزع، وأخذنا نتتبع الإذاعات والتلفازات، ونشرات الأخبار، لنعرف المزيد عما حدث.

ولم يكن لقطر في ذلك الوقت إذاعة ولا تليفزيون، فكنا نفتح إذاعة مصر، وتليفزيون مصر، فإذا هما يقولان كلاما، وتقول إذاعة لندن وغيرها كلاما آخر. ثم عرفنا بعد ذلك أن أكثر البيانات التي كانت تذيعها مصر إنما هي أكاذيب ملفقة، تحاول أن تمسك بها الناس أن يثوروا، فهي تخدعهم بمعسول القول، وأخبار النصر، وإسقاط طائرة في المكان الفلاني، وأخرى في مكان آخر، والناس تصدق هذا الهراء، وتركض من مكان إلى آخر لتبحث عن حطام الطائرة المسقطة، فلا تجد له أثرا، ولا تسمع له خبرا.

حتى قال لي الأستاذ صلاح جلال ـ محرر باب العلوم في (الأهرام) الذي اختير بعد ذلك نقيبًا للصحفيين ـ وكان يتردد على قطر بين الحين والحين: إننا كنا ـ ونحن صحفيون في أكبر جريدة في العالم العربي ـ نجهل الحقيقة، فكنا نجري مع عوام الناس في الشوارع نبحث عن الطائرات التي أسقطها جيشنا الباسل، لنكتب عنها شيئا، فنعود بخفي حنين، كما يقول العرب، أو بغير خف أصلاً.

وكنا نحن في الخارج أكثر فهما لما وقع من أهلينا وإخوتنا في مصر، لأن لنا مصادر أخرى لمعرفة ما حدث غير الإذاعة والتلفزيون المصريين.

بين حماسين

ومن أول ما وقعت الحرب، ارتفع نبض الشارع العربي والإسلامي، واتقدت شعلة الحماس للجهاد في صدور الناس من كل جنس ولون، ونادى جمهور الناس: أن حيّ على الجهاد، لمقاومة الصهاينة، والدفاع عن الأقصى والمقدسات.

واستقبلت منظمة التحرير الفلسطينية بالدوحة آلاف الناس يقفون في طوابير طويلة، يريدون تسجيل أسمائهم في المتطوعين لإنقاذ فلسطين. وكان أكثر هؤلاء حماسا إخواننا من الباكستانيين والأفغانيين وغيرهم من أبناء البلاد الإسلامية، الذين يعيشون في قطر، قائلين: إن المسجد الأقصى ليس ملك الفلسطينيين ولا العرب وحدهم، بل هو ملك المسلمين جمعيا، فعلينا أن نسهم في تحريره وإبعاد العدو عنه.

الشيخ عبد الله الأنصاري

وأذكر أننا أقمنا مهرجانا في منظمة التحرير، وكان ممّن تكلم فيه العالم القطري الغيور المعروف الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، فكان مما قاله للشباب الفلسطيني: اعتصموا بحبل الله، وتمسكوا بالدين ينصركم الله على عدوكم.

فما كان من بعض الشباب الطائش، إلا أن صاحوا وهتفوا في وجه الشيخ: لا دين إلا السلاح!

وكان لهذا الهتاف الجاهل الأهوج أثر سيئ في جمهور الحاضرين، الذين استنكروا هذا القول كل الاستنكار، الذي يدل على غباء قائله، وفقدان وعيه بحقيقة هذا الصراع بيننا وبين بني صهيون، وأن الدين هو المحرك الأول لهذه الأمة، وهو الذي يبعث هامدها، ويحرك جامدها، ويشعل خامدها، ويوحد كلمتها، ويصنع بها العجائب، وروائع البطولات، ويعيد إليها أيام خالد وأبي عبيدة وطارق بن زياد وصلاح الدين الأيوبي وسيف الدين قطز.

ولقد قلنا مرارا: إن إخراج الدين من المعركة هو الذي أضر بهذه القضية أبلغ الضرر، لأننا نجرد أنفسنا من أمضى سلاح يحاول عدونا أن يضربنا به. فهو يستغل الدين ويوظفه في تعبئه قواه، وتجنيد رجاله، وهو غير مؤمن به. فكثير من الصهاينة (علمانيون) لا دين لهم، ولكنهم ـ وإن لم يؤمنوا بالدين ـ يؤمنون بقوة الدين، وأهمية توظيف الدين في معركتهم.

وكم نادينا قومنا: إننا يجب أن نحاربهم بمثل السلاح الذي يحاربوننا به، فإذا حاربونا باليهودية، حاربناهم بالإسلام، وإذا قاتلونا بالتوراة، قاتلناهم بالقرآن، وإذا قالوا: التلمود، قلنا: البخاري ومسلم، وإذا قالوا: نعظم السبت، قلنا: نعظم الجمعة، وإذا قالوا: الهيكل، قلنا: المسجد الأقصى.

ولا يفل الحديد إلا الحديد، وحديدنا أقوى من حديدهم، لأن ديننا أقوى من دينهم، إذ كيف يكون المنسوخ في قوة الناسخ، وكيف يكون المحرف والمبدل في قوة الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟

عبد الناصر يتنحى والجماهير تنخدع

عبد الناصر وعامر

كانت الهزيمة ثقيلة، وكان حجم الخسارة ضخما، من الناحية المادية، ومن الناحية المعنوية، وقد اعترف عبد الناصر بعد ذلك في 23 يوليو وفي نوفمبر من نفس العام، بمقدار هول الخسارة وفداحتها، وذكر أعداد المقتولين والمأسورين والمفقودين من الضباط والجنود، وصرح أن الطريق إلى القاهرة كان مفتوحا أمام إسرائيل. ولم يكن هناك جندي واحد يعوق تقدم إسرائيل لو أرادت.

كما أعلن أرقاما فادحة عن خسارة مصر في هذه المعركة المشؤومة، فذكر أن مصر خسرت في هذه الحرب 80% من سلاحها، و10.000 جندي و1500 ضابط، وأُسر 5000 جندي و500 ضابط لم يعد أكثرهم! هذا حديث عبد الناصر، وقد سمعناه بآذاننا.

وتذكر المراجع أن ضحايا هذه الحرب يبلغون 35.000 جندي قتل أكثرهم في ساعات، وخصوصا في الممرات؛ لأن (شارون) مجرم الحرب الإسرائيلي كان يسحقهم بالدبابات في الممرات[1].

السفاح شارون

أما التدمير الذي حل بمدن القناة، فخسارته أعظم من أن تقدر! وأما التدمير النفسي والمعنوي، فحدث ولا حرج.

هذا وقد أعلن عبد الناصر أنه يتحمل كامل المسئولية عما وقع، ولكن هل هناك من سأله، من حاسبه؟

ما معنى المسئولية إذا لم يكن هناك سائل يسأل، ويحاسب ويعاقب؟

إن الهزائم الكبرى كثيرا ما تسقط دولا، وتغير أنظمة، وهذا عندما تتوافر الحريات، ويملك الناس حق المساءلة والحساب.

حدثت هذه الخسائر كلها، ولكن الشعب المصري لم يكن يعرف شيئا من ذلك، نتيجة التضليل الإعلامي، الذي استحل الكذب الصراح على الشعب، حتى بات غائبا عما يجري على أرضه، وما يدور في ساحة وطنه.

وقد بان أثر ذلك حين فوجئ الشعب بقائد ثورته، ورئيس جمهوريته، في مساء يوم 9/6/1967م يعلن عليهم بصوت حزين: إن مصر قد هزمت في الحرب، وإنه يتحمل كامل المسئولية، وإنه قرر التنحي عن منصبه باعتباره رئيسا للجمهورية، وعن كل عمل سياسي، وإنه كلف زكريا محيي الدين أن يتولى مهامه.

كان بيانه يحمل نبرة الأسى والحزن والاعتذار والاستعطاف، ومثل هذه النبرة تؤثر في الشعب المصري الطيب، فما أن انتهى من خطابه، حتى بدأت الجماهير تخرج إلى الشوارع هاتفة بحياة الرئيس المهزوم، ومنادية ببقائه على كرسيه!

وقد اختلف المحللون والمعقبون على هذا الحدث الذي سماه الناصريون: هبّة الجماهير في 10،9 يونيو: أكانت هبة عفوية أم هبة مدبرة من علي صبري وجماعة عبد الناصر في الاتحاد الاشتراكي؟

محمد حسنين هيكل

الأستاذ محمد حسنين هيكل يجزم بأنها هبّة جماهيرية تلقائية، ويدلل على ذلك بشواهد يذكرها.

وآخرون من خصوم الناصرية يؤكدون أن كل شيء كان معدا، وأن رجال المباحث والمخابرات وأعضاء التنظيم الطليعي في الاتحاد الاشتراكي، ومن معهم من مجموعات خاصة، كان عليهم أن يطلقوا الشرارة الأولى، ويرسلوا الصيحة الأولى، ويدعو الجماهير الغافلة بعدها تزحف وتزعق.

وفئة ثالثة توفيقية، تريد أن تجمع بين الرأيين، وتقول: إن بعض هذا العمل كان مدبرا، وبعضه كان تلقائيا، باندفاع ذاتي من الجماهير المصرية الطيبة، التي تتعاطف مع المغلوب، وتناصر المكلوم المحزون، وهكذا ظهر لهم عبد الناصر في بيانه.

بالإضافة إلى أن جمهور الشعب المصري لم يكن لديه أدنى معرفة بحجم الكارثة الهائلة، والهزيمة الساحقة والمذلة التي لحقت ببلده وجيشه. وربما لو عرف الأمر على حقيقته لكان له موقف آخر، وهو موقف الشعوب الحية حين تطالب بمعرفة من المسئول عن هذه النازلة أو القارعة؟ ولا بد أن يساءل ويحاكم ويأخذ جزاءه أيا كان موقعه.

بين عبد الناصر وعامر

ما مدى مسئولية عبد الناصر عن هذه الكارثة؟ لقد قال في بيانه: إنه يتحمل المسئولية كاملة، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة من ناحية، ورئيس الجمهورية من ناحية أخرى.

وقال آخرون: إن المسئول عن هذه الهزيمة، هو: عبد الحكيم عامر، القائد العام للقوات المسلحة، ووزير الحربية شمس بدران أحد رجاله. وقال من قال: إن عبد الناصر لم يكن هو الحاكم الحقيقي لمصر، خلال تلك المدة، فقد كانت مقاليد الأمور كلها ـ عسكرية ومدنية ـ بيد المشير عامر. وأن (ناصر) أصبح (طرطورا) يملك ولا يحكم! ومع هذا نرى أن عبد الناصر هو الذي يتحمل المسئولية، لأنه هو الذي مكن لعامر، وأرخى له العنان، مع أنه كان السبب الأول في ضياع الوحدة مع سورية.

ولقد انتهز عبد الناصر الفرصة، ليسترد سلطته المسروقة منه، وحاول أن يحمِّل عامرا المسئولية، وأراد ناصر ألا يضيع الفرصة السانحة ليضرب ضربته، ويتخلص من صديقه القديم الذي أصبح غريمه اليوم.

ووقعت وقائع لا أدخل في تفاصيلها، انتهت بأن قيل: عامر قد انتحر! وشكك في ذلك مشككون قائلين: إنه نُحِر، ولم ينتحر! ولا زال ذلك الجدل دائرا إلى اليوم بين النحر والانتحار.

صلاح نصر

وأصبح من المشهور والمتداول إلى اليوم: أن الرجل دس له نوع من السم السريع التأثير في كوب عصير الجوافة الذي شربه قبل أن يموت بقليل[2].

ومن المعروف: أن دس السم للمعارضين وقتلهم به أسلوب معهود ومجاز لدى الثورة ومخابراتها، كما صرح بذلك صلاح نصر في استجواب له، أداره معه المستشار محمد عبد السلام النائب العام. ونصه:

النائب العام: أنتم عندكم سموم؟

صلاح نصر: نعم عندنا سموم.

النائب العام: في أي شيء تستعملونها؟

صلاح نصر: يعني بنستعملها في إيه؟ بنستعملها في قتل الخونة من أعداء البلاد في الداخل والخارج.

النائب العام: بأمر من تستعملونها؟

صلاح نصر: في المسائل المهمة بأمر رئيس الجمهورية، والمسائل الأقل أهمية بأمري أنا.

النائب العام: هل تتم الأوامر بإجراء شفوي أو مكتوب؟

صلاح نصر: فيه شفوي وفيه مكتوب.

هذا الحوار العجيب كله بملف قضية المشير، ولكن هذا القدر هو ما نقله الأستاذ محمد شوكتي التوني[3]، ويعلق الدكتور أحمد شلبي: ولا نعرف عدد الذين قتلوا بالسم ولا كيف يثبت جرمهم ليستحقوا هذا العقاب الذي لا تعرفه شريعة ولا قانون؟

وعلى كل حال، فكل من النحر والانتحار عندنا جريمة ندينها، وكبيرة من كبائر الإثم ننكرها وهي ـ أيا كان مرتكبها ـ جريمة محسوبة على نظام عبد الناصر، وثورة 23 يوليو، التي قادت البلاد إلى هذه المذلة وهذا الهوان.

من المسئول عن انحرافات عامر؟

وهنا نريد أن نسأل سؤالا جوهريا، وهو: من المسئول عن تجاوزات عامر وانجرافاته الكثيرة، التي أصبحت على كل لسان، ووصلت إلى حد الفساد والطغيان؟ من الذي مكن لعامر، ومنحه من السلطات ما جعل مقدرات مصر العسكرية ـ بل والمدنية ـ بين أصابع يديه يتحكم فيها كيف يشاء هو وأعوانه الذين لم يكن يختارهم على أساس القوة والأمانة (إن خير من استأجرت القوي الأمين) "القصص"، بل على أساس الولاء له، والاندماج في شلته! وهو ما سبب خسارة الجيش سنة 1956، وضياع الوحدة السورية المصرية 1961، ووقوع النكبة الكبرى 1967م.

المسئول عن هذا كله هو عبد الناصر، الذي أعطى عامر مسئولية أكبر منه ومن طاقاته بكثير، والتي أثبت فشله فيها، بالإضافة إلى تصرفاته القبَلية، وانحرافاته الأخلاقية التي زكمت رائحتها الأنوف في أنحاء مصر. وجعلت الناس يشكون إلى جمال من سوء أعمال صاحبه، ولكنه ظل يحميه إلى آخر الأيام. بل كان هناك أشياء لتعيينه قائدا عاما من أول يوم.

يقول الكاتب المعروف الأستاذ أحمد أبو الفتح: إن تعيين عبد الحكيم عامر (قائدا عاما) نسف تقليدا عسكريا هو احترام الأقدميات، وكان لهذا التعيين أعمق الآثار على النظام، ليس في الجيش وحده، بل في كل أجهزة الدولة.[4]

ومع ما مني به عامر وجيشه من هزيمة 1956 ـ التي حولت كذبا إلى نصر! ـ توالت عليه الألقاب والرتب ـ كما يقول السادات ـ فعين قائدا عاما للجيش السوري والمصري خلال الوحدة، ورُقّي إلى رتبة (مشير) وخلع عليه عبد الناصر لقب (نائب رئيس الجمهورية) ثم أصبح بعد ذلك (النائب الأول لرئيس الجمهورية)[5].

يقول الرئيس أنور السادات: "كان لعبد الحكيم عامر أخطاؤه بطبيعة الحال، ولكن الأهم من ذلك أنه كان يسيء اختيار معاونيه بشكل فاضح، وكان من أبرز ملامح شخصيته روح القبيلة، فهو يساند معاونيه بالحق أو الباطل".

ويقول أيضا: عقب الانفصال قلنا لعبد الناصر: إن عزل عبد الحكيم عامر كان يجب أن يتم سنة 1956، لا في 1961 فقط، لأنه لا يصلح من ناحية العمل العسكري[6].

ويقول محمد حسنين هيكل: إن عبد الحكيم عامر كان نصف فنان، ونصف بوهيمي، ولطيفا جدا، ولكنه من الناحية العسكرية توقف عند رتبة صاغ، أي أنه يستطيع أن يقود كتيبة، لكنه لا يستطيع أن يقود جيشا، لقد أصبح عبد الحكيم عامر ضابطا سياسيا، ولكن الضابط السياسي لا يمكن أن يكون مسئولا عن الجيش[7].

ويورد الضابط أحمد حمروش مجموعة من الصفات الدقيقة لعبد الحكيم عامر فيقول:

أحاط المشير نفسه بحاشية سرعان ما عرفت فيه أسوأ الصفات، فتمادت في سلوكها اللاأخلاقي، واستغلت أموال الدولة أسوأ استغلال، وكان الذين يقتربون من رجال مكتبه ـ الذين يقودهم الصاغ علي شفيق ـ تأخذهم الدهشة من الجموح الكاشف، في مجال اللهو والبذخ المبالغ فيه، الأمر الذي أثر تأثيرا شديدا على قمة القيادة العسكرية، وانعكس على بقية مستويات الضباط.

ويستطرد حمروش قائلا:

كانت المتعة الشخصية هي الفلك الذي يعيش فيه عامر، وأصبح ذلك معروفا ومتداولا، وكانت هذه المتعة تشمل تدخين الحشيش، والاتصال ببعض الفنانات، والبذخ، الذي وصل إلى حد السفه، ونتيجة لعلاقة الضباط بالفنانات تزوج المشير من برلنتي عبد الحميد، وعلي شفيق من مها صبري، وعبد المنعم أبو زيد من سهير فخري[8].

وكانت هناك عصابات في مكتب المشير تشتغل بالتهريب وبخاصة في الأجهزة والآلات والدخان التي كانت تستورد من اليمن، وكانت تلك العصابة بقيادة الصاغ عبد المنعم أبو زيد وقد أدانتهم المحكمة العسكرية[9].

فكيف سمح عبد الناصر لنفسه أن يحمي رجلا مثل هذا ويسانده، ويجعله الرجل الثاني في الدولة، بل وصل إلى أن أصبح الرجل الأول الحقيقي في الدولة؟

إن كل ما ينسب إلى عامر من فساد وانحراف وطغيان وعبث بالجيش وبالوطن، إنما المسئول الأول عنه هو عبد الناصر. فلولا سكوت عبد الناصر ما كان طغيان عامر!!

(النكسة) وخداع المصطلحات

لقد سمى ناصر وإعلامه هذه الهزيمة المذلة ـ التي خسرنا فيها القدس، والضفة الغربية، وغزة، وسيناء، والجولان ـ (النكسة)! كأنهم كانوا في انتصار دائم، ثم انتكسوا هذه المرة.

والواقع أن هذه تسمية خاطئة، وإنما هي (نكبة كبرى) توازي (النكبة الأولى) سنة 1948م، التي قامت فيها دولة بني صهيون، وشرد الفلسطينيون من ديارهم، وغرس هذا الكيان المعتدي في قلب بلاد العروبة والإسلام، ليكون خنجرا مسموما في صدورهم.

ولذا سميتها (النكبة الثانية) أي بعد نكبة 1948 في كتابي (درس النكبة الثانية: لماذا انهزمنا وكيف ننتصر؟) الذي أصدرته في سنة 1968م، أناقش فيه أسباب النكبة الحقيقية، وطريق النصر الذي يجب أن نسلكه.

بل أقول: إن أثر هذه النكبة كان أعظم خطرا من النكبة الأولى، فقد ظل العرب ـ بعد النكبة الأولى ـ متمسكين بأن فلسطين كلها من النهر إلى البحر وطنهم المغتصب، وبلدهم المسلوب، وحقهم فيه ثابت لا مراء فيه، وأنهم سيظلون يجاهدون بكل ما لديهم من قوة، لطرد العدو الغاصب، واسترداد الوطن الضائع، وإن طال عليهم الأمد، فإن مضي الزمن لا يسقط الحقوق الثابتة، ولا يبطل حق المواطنين في المطالبة بوطنهم المنهوب.

هكذا كان العرب جميعا في مشارقهم ومغاربهم، ثوريوهم وليبراليوهم، حتى وقعت هذه النكبة، فتغيرت فلسفة العرب، وتغيرت سياستهم، وتغير منطقهم، وتبنى عبد الناصر بعد ذلك سياسة (إزالة آثار العدوان) يعني بذلك: عدوان 1967م، وإعادة الأوضاع إلى ما كان عليه الحال قبل 5 يونيو 1967م.

ومعنى هذا أن العدوان الجديد ألغى العدوان القديم، بل أضفى الشرعية عليه، أي أن عدوان 67 أضفى الشرعية على عدوان 48!

فما أعظم الهول! وما أعظم الفارق بين موقف العرب قبل هذه النكبة المخزية، وبعد هذه النكبة المهينة!

الشعراوي يسجد شكرًا !

الشيخ الشعراوي

وكان من أعق المواقف، وأصعب المشكلات موقف كثير من المواطنين من هذه الهزيمة المنكرة، فقد رأينا بعضهم فرح بهذه الهزيمة ـ رغم مرارتها وقسوتها على النفس ـ لأنهم وجدوا فيها باب خلاص لما كانوا يعانونه من ظلم الحكام، وحكم الظُّلام، ومن تسلط الطغاة على الشعب حتى قهروه ومرغوا أنفه في التراب. وحسبك أنهم أركبوا الشيوعيين ظهور الناس، ومكنوهم من ناصية الإعلام والثقافة والتوجيه في البلد، وأنهم أذلوا علماء الدين والدعاة إلى الله، ويكفي مذبحة 1965م، وشنق سيد قطب وإخوانه، وسوق عشرات الألوف إلى السجون بغير جرم اقترفوه.

وقف الناس من هذه النكبة مواقف شتى. فبعضهم اعتبرها منحة من الله تعالى، ليرجع الناس إلى ربهم، ويعتصموا بحبله، ويعرفوا أنه وحده الناصر، بعد طغيان الثقافة المادية اللادينية، التي أنست الناس الله، فأنساهم أنفسهم.

رأى بعضهم في هذه الهزيمة أو النكسة درءا لفتنة عارمة، كادت تخلع الناس من إيمانهم، وتفسد عليهم دينهم، حين استسلموا للطاغوت، وأعرضوا عن الله.

كان الداعية الكبير، والمفسر الشهير الشيخ محمد متولي الشعراوي من هؤلاء، الذي نشرت عنه الصحف أنه سجد لله شكرا، عندما وقعت الهزيمة!

ولم يكن ذلك، لأنه يؤيد الصهيونية، ويكره وطنه مصر، أو يتمنى له الخذلان، ولكن يبدو أنه رأى الهزيمة الموقتة ـ لإيقاظ الأمة وردها إلى دينها ومرجعيتها وأصولها ـ خيرا من نصر كاذب يؤدي في النهاية إلى دمار الأمة وهلاكها.

فرأى الشيخ في هذه المصيبة نعمة من وجهة أخرى. وهي إذلال الطاغية المفتون بسلطانه، المغرور بقوته، الذي أصبح صنما معبودا لدى الكثيرين. فعرفته هذه الهزيمة قدره، وألزمته حده، فوقف عنده.

رأى الشيخ الشعراوي أن تحرير الشعب من الفتنة بالطاغوت أهم من نصر سريع يتحقق في معركة، ثم تعقبه مآس لا تنتهي، وويلات تجر ويلات إلى ما شاء الله.

وهذا الكلام الصريح من الشيخ الشعراوي هيج عليه أعشاش (الدبابير) فهاجمته الأقلام المبهورة، والأقلام المأمورة، والأقلام المأجورة. وإن كان الشيخ لم يقل هذا إلا بعد وفاة عبد الناصر، وفي فترة حكم السادات.

على أن الشيخ الشعراوي لم يكن شاذا من بين الناس، فقد كان هذا موقف الكثيرين ممن عانوا ظلم عبد الناصر وزبانيته، وشربوا من كؤوسهم المرة ما شربوا، فاعتبروا هذه الهزيمة ضربة قاصمة لهم، تذلهم كما أذلوا عباد الله، وتقهرهم كما قهروا المستضعفين.

وكم كانت فرحة المسجونين والمعتقلين الذين عذبهم شمس بدران ورجاله، حينما رأوهم يساقون إلى السجن، ويدخلون الزنازين بجوارهم، غير أنهم كانوا يبكون بكاء الأطفال، ويستجدون العطف استجداء الأنذال، على حين استقبل الإخوان محنتهم استقبال الرجال، وصبروا على الأذى صبر الأبطال، فسبحان مغير الأحوال.

إن شر ما تصاب به الأوطان والمجتمعات أن تتسع الفجوة، ويتعمق الانفصال بين الشعوب وحكامها، وأن يشتد الضغط والقهر على الجماهير، حتى تتمنى الخلاص منه، ولو على يد أعدائه!

وهذا ما رأيناه أخيرا عند كثيرين من أبناء الشعب العراقي، الذين رحبوا بالاحتلال الأمريكي، من أجل الخلاص من جبروت صدام وطغيانه، والتحرر من نير هذا الحكم الداعر الفاجر القاهر، الذي أفسد البلاد، وأذل العباد، وسفك الدماء، وانتهك الحرمات، ولم يرقب في مؤمن إلاّ ولا ذمة.

أنا لا أؤيد هذا الموقف، ولا أبرره، ولا أرى أن يستبدل الناس بالوطني الفاجر المحتل الكافر، إذ لا يستبدل شر بشر، ولا ظلم بظلم، فكيف نستبدل شرا بما هو أشر، وظلما بما هو أظلم؟

ربما كانت حجة بعض الناس أو عذرهم أن الظلم الجديد ظلم عارض ولن يستمر، بخلاف الظلم القديم، فهو ظلم طال عمره، ورسخت أقدامه، وأمسى من المتعذر ـ بل ربما من المستحيل ـ اقتلاعه من جذوره، التي  امتدت بطول الزمان في أغوار الأرض.

ومهما يكن من التعليلات والتبريرات، فإن من المصائب الكبيرة في الأمة أن توجد فيها هذه الظاهرة المؤسفة: الترحيب بهزيمة الوطن سبيلا للخلاص من جبروت الطاغين، وطغيان الجبارين، والترحيب بحكم المحتل ـ ولو إلى حين ـ بديلا لحكم وطني غشوم ظلوم، كثرت جرائمه، وتتابعت مظالمه، واتسعت بطول الأيام ويلاته ومآثمه.

ولقد ذكرت هذا المعنى ـ انفصال الشعوب عن الحكام ـ في كتابي (درس النكبة الثانية: لماذا انهزمنا؟ وكيف ننتصر؟) فكان مما قلته:

(فقد أصبح الحكام في واد والشعوب العربية المسلمة في واد، فالحكام يؤمنون بمذاهب وضعية، وفلسفات علمانية، ويحكمون بقوانين أجنبية عن شريعة الله وهي شريعة الأمة. أما جماهير الشعوب فلا زالت مؤمنة بربها ودينها وقرآنها ومحمدها. وأن كل شر وخسران في الانحراف عن صراط الله، وعن هدي رسول الله.

والحكام مشغولون بتوطيد سلطانهم، وتثبت كراسي حكمهم، باضطهاد كل فرد أو جماعة أو حركة تعارضهم، أو تحاسبهم، أو تقول لهم: لِم؟ وكيف؟ فضلا عن أن تقول: لا، ومن تجرأ وقال: (لا) فمآله السجن أو النفي أو حبل المشنقة. والشعوب مشغولة بهم لقمة العيش، وطلب الحرية والأمن، فإن الأنظمة التي تحكمهم لم تطعمهم من جوع، ولم تؤمنهم من خوف.

فلما سمعت جماهير هذه الشعوب أن هؤلاء الحكام سيحاربون لم تصدق عقولهم ما سمعته آذانهم، فقد عرفوا بفطرتهم وتجربتهم أن هؤلاء الحكام لا يعنيهم حرب اليهود بقدر ما يعنيهم القضاء على المعارضين للحكم. ولما بدأ اليهود بالضرب، وتورط هؤلاء في الحرب، كانت ضمائر هذه الشعوب في حيرة، وألسنتها تتلعثم في الدعاء لهم بالنصر والتمكين. فقد ذاقت على أيديهم من المظالم ما جعلها تخاف من انتصارهم مثل ما تكره من هزيمتهم.

ولقد قال وكيل الأزهر (د. محمد عبد الله ماضي) في مؤتمر علماء المسلمين الذي انعقد في رجب الماضي (1388هـ) في كلمته نيابة عن الأزهر:

"إننا لو انتصرنا ـ على ما كان بنا من عيوب وانحراف ـ لازددنا جرأة على محارم الله".

وهذا هو الشعور الذي كان يسود جماهيرنا المسلمة، قبيل وأثناء الحرب. وكفى بهذه الحال تعبيرا عن الفجوة الفسيحة، والهوة العميقة، التي حفرها هؤلاء الحكام بينهم وبين جماهير شعوبهم. وصدق الشاعر:

كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا     وحسب المنايا أن يكن أمانيا![10]

الأنظمة تنكر الهزيمة

وكان من غرائب التفكير والتحليل: ما سمعناه بعد النكبة من بعض المسئولين في مصر وسورية: إننا لم ننهزم ولم نخسر المعركة!

قال هؤلاء: إن العدو كان يهدف إلى إسقاط النظام الثوري قبل أن يهدف إلى احتلال الأرض! فإذا بقي النظام ـ رغم خسارة الحرب وضياع الأرض ـ ولم يسقط، فقد فشل العدو، وعاد مدحورا مخذولا![11]

هذا هو المنطق السحري الذي روّجه هؤلاء: أن احتلال الأرض ليس شيئا مهما، وخسارة الأرض ليس لها قيمة كبيرة، إذا بقي النظام الحاكم. وإن كانت هذه الأرض أضعاف مساحة إسرائيل، وإن كان حجم الخسارة ما بين القنطرة في مصر، والقنيطرة في سورية!

فيا عجبا! أليست قضية فلسطين من أساسها قضية أرض احتلها عدو؟ وهل قامت الصهيونية إلا من أجل الأرض؟ وهل الأوطان التي يدافع عنها الناس ويقاتلون عليها إلا أرض؟

وهل صحيح أن الأنظمة الثورية العربية تعاديها إسرائيل وتخاصمها إلى حد إشعال الحرب من أجل إسقاطها؟ وهل الزعماء الثوريون هم (البعبع) الذي تخافه إسرائيل وترهب سطوته؟ وهل في تاريخ الثوريين وموقفهم من قضية فلسطين ما يؤيد هذا المنطق العجيب؟

كلا. فليس هناك أفضل من هؤلاء الثوريين لإسرائيل. فهم في شغل عنها بمحاربة القوى الإسلامية والوطنية المخلصة واضطهادها وكتم أنفاسها. هم في شغل عن تعبئة الأمة بشؤون الحزب، وعن آمال الشعب بمطامع الفئة الحاكمة، وعن قتال إسرائيل بقتال الرجعية المزعومة. فالحزب عندهم فوق الأمة، والحكام (الثوريون طبعا) فوق الشعب. والمذهب فوق الدين، والرجعية أخطر من إسرائيل.

ولا عجب أن قيل في بعضهم: إنهم لم يحاربوا، ولا ينوون أن يحاربوا[12].

ونقول لهؤلاء الثوريين: ما ذنب النظام الأردني ـ الرجعي ـ حتى يُضرب هذه الضربة، ويفقد الضفة الغربية والقدس؟ أم لعل رأيهم تغيَّر في حكم الأردن وملك الأردن؟!.

اقرأ في الحلقة القادمة:

  • تحليل لأسباب النكبة.

  • هيكل يعترف.

  • جنبلاط يدين الثورية.


[1] محمد شوكت التوني: قضية التعذيب الكبرى ص70.

[2] نشر خبير السموم الدكتور علي محمد دياب في صحيفة (أخبار اليوم) في (27/9/1975م): أن المشير لم ينتحر، وإنما دس له سم (لاكونتثن) في كوب عصير الجوافة الذي قدم إليه.

[3] انظر: قضية التعذيب الكبرى ص38،37. وانظر: (موسوعة التاريخ الإسلامي) (9/754).

[4] التحدي ص252.

[5] البحث عن الذات ص 405،404.

[6] البحث عن الذات ص 305و307.

[7] بصراحة عن جمال عبد الناصر ص101.

[8] مجتمع عبد الناصر 233.

[9] نفسه. وانظر: موسوعة التاريخ الإسلامي لأحمد شلبي (9/184-191).

[10] درس النكبة الثانية ص39،38 . نشر مكتبة وهبة بالقاهرة.

[11]كان الحكم الثوري في سوريا أول من أُوحي إليه باستخدام هذا التعبير المبدع! ثم ردده زملاؤهم الثوريون في مصر!

[12] هكذا قال الرئيس المصري في ثوريي سورية.

عودة للصفحة الرئيسية للملف
من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع