آخر تحديث: 16/2/2009م

 
         
الحلقة (4)
إجازة في الخليل والقدس

في هذه الحلقة من مذكراته يحدثنا فضيلة الدكتور القرضاوي عن زيارته الثانية لفلسطين الحبيبة ومدنها المختلفة، ومنها المدينتان العزيزتان الخليل والقدس، وذلك في إجازة صيف عام 1966م، ويعرض لنشاطه وجولاته في تلك المدن، والمحاضرات التي ألقاها فيها، والعلماء والأصدقاء الذين التقى بهم. وكيف استقبل وهو هناك نبأ تنفيذ حكم الإعدام في الأستاذ سيد قطب، ورد فعله إزاء ذلك، الذي بثه في خطبة جمعة ألقاها في مدينة الخليل.

إلى مدينة الخليل

مسجد الخليل إبراهيم عليه السلام

حين أوشكت السنة الدراسية أن تنتهي، واقتربت إجازة الصيف بدأنا نفكر أين نقضي تلك الإجازة؟

لم يعد في طاقتي أن أقضيها في قطر، وقد جربت ذلك في الصيف الماضي، فخارت قواي، ولم أستطع المواصلة.

وليس في الإمكان النزول إلى مصر، وقد امتنعت عن النزول إليها في الصيف الماضي مع وجود احتمال شيء من الخطر؛ فكيف وقد نزل الخطر، ووقعت الواقعة، وفار التنور، وظهر اسمي في الحملة الإعلامية، مع قصيدتي النونية؟ لا يعقل أن يذهب أحد من الدار إلى النار!

لذا فكرنا في قضاء الإجازة في لبنان، كما قضيناها في العام الفائت، ولا شك أنها كانت إجازة ممتعة وشائقة. ولكن زملاء لنا من الإخوة الفلسطينيين أغرونا بأن نقضي إجازتنا في الضفة الغربية؛ "لتجدوا الجو المنعش، والجوار المؤنس، والعيش الرخي، والنفس الإسلامي". واقتنعنا فعلا بما عرضوه علينا، وكنا مجموعة أسر من قطر أسرتنا وأسرة الأخ الشيخ محمد العوضي العجرودي رحمه الله، وأسرة الأخ سعد مرزوق، وكلنا قد ذهبنا إلى مدينة "الخليل". أما أسرة الأخ الشيخ علي جماز فقد ذهبت إلى مدينة "البيرة" وسكنت في بيت الأخ سالم سمور.

وكنا قد اتفقنا مع الأخ الأديب الشاعر محمد فوزي النتشة المدرس في قطر لنسكن في "فيلا" عندهم مكتملة المرافق، في منطقة "الكروم" أي الأعناب، ومن استأجر بيتا هناك يقولون: استأجر "كرما"؛ لأنه لا يستأجر البيت وحده، بل يستأجر البيت وما حوله من عنب وفواكه مختلفة، من فواكه الصيف الجميلة، من التين والعنب و"الدُّرّاق" الذي نسميه في مصر "الخوخ"، والخوخ الذي نسميه في مصر "البرقوق"، ويبدو أن أول من أدخله إلى مصر السلطان برقوق من سلاطين المماليك.

وقد استمتعنا طوال الصيف بهذه الفواكه، نقطفها بأيدينا من أشجارها، من الصباح الباكر، وهي أقرب عهد بربها، لم تتعاورها الأيدي. وبعد انقضاء المدة قال لنا آل النتشة: إن العنب كله لكم، ويمكنكم أن تأخذوه معكم. قلنا لهم: لقد شبعنا من العنب والفاكهة والحمد لله، فقالوا: ولكنا نستطيع أن نحول هذا العنب إلى "زبيب" تحملونه معكم. وهذا علينا نحن أن نعده لكم.

أما "الماء" فكان كل منزل له "بئر" خاصة به، تملأ بالماء أيام نزول المطر بغزارة في الشتاء، ويظل الناس يشربون منها طوال العام بما يشبه الشادوف.

الحقيقة أن هذه الصيفية كانت صيفية ممتعة؛ فمدينة الخليل مدينة تاريخية عريقة، لها عبق خاص، وسحر وجمال، وفيها قبر الخليل إبراهيم أبي الأنبياء عليهم السلام. وإن كان إخواننا الفلسطينيون يريدون أن يحتكروا كل قبور الرسل والأنبياء في بلدهم؛ ففي بلد وجدنا قبر نوح عليه السلام! وفي بلد آخر قبر هود عليه السلام. وفي آخر قبر يونس!!

وفي مدينة الخليل ومع قبر إبراهيم عليه السلام نجد بجواره قبر يعقوب حفيده، وقبر يوسف عليهم السلام. قلت لهم: أليس يعقوب ويوسف انتقلا إلى مصر وماتا فيها، كما يدل على ذلك القرآن الكريم؟ فما الذي جاء بقبرهما هنا؟!

وقيل: إنها نقلت بعد مدة من مصر إلى هنا. وهذا يحتاج إلى دليل.

وقد قال الحافظ ابن حجر: إن قبور الأنبياء الموجودة في بلاد مختلفة لا يثبت منها شيء إلا قبر محمد عليه الصلاة والسلام بالمدينة المنورة، وقبر إبراهيم عليه السلام في مدينة الخليل، لا في مكان القبر بعينه.

ولقد زرت مدينة الخليل ومدن الضفة الغربية من قبل سنة 1952م في رحلتي إلى لبنان وسوريا والأردن، وقد تحدثت عنها في الجزء الأول، ولكني لم أُقم بها غير يومين أو ثلاثة. أما في هذه المرة فسنقضي فيها نحو شهرين ونصف، وفي هذه المدة أنسنا بالمدينة وأنست بنا، واسترحنا إليها واستراحت إلينا، وأحسسنا بالفرق بين التصييف في الخليل والتصييف في لبنان؛ فنحن في لبنان عادة نصيف في مناطق الدروز والمسيحيين؛ حيث لا نجد مسجدا ولا نسمع أذانا. أما في الخليل فالأمر مختلف تماما. المساجد من حولك، والأذان يطرب سمعك عند كل صلاة، والصلوات في هذه المساجد ميسرة، والمسلمون فرحون بها، مسرورون بإقامتنا بينهم، يلقوننا متهللين مستبشرين.

وأنا في هذه الفترة أخطب الجمع في المساجد المختلفة، ومنها مسجد الخليل إبراهيم، ومسجد السنة، ومساجد أخرى لا أذكرها، كما ألقيت عددا من الدروس فيها، وحضرنا أعراسا ومناسبات شتى، واستجبنا لدعوات المحبين، وهم كثر، وخصوصا لآل عبد النبي "النتشة" الذين عرفتهم وعرفوني وتوثقت صلتي بهم منذ زيارتي الأولى سنة 1952: الحاج عيسى، والحاج عبد الغني، والدكتور حافظ، والحاج صالح، وغيرهم.

لقد مرت سنوات على زيارتي القديمة للمدينة، ولكنهم لا يزالون يذكرونها، ويرددون كلمات مما قلته في تلك الزيارة، والكلمة الطيبة لا تموت أبدا.

وزرت المخيمات القريبة من الخليل، ومنها: مخيم "العرّوب". كما زرت مدينة "دورة"، وأذكر أننا وقفنا على منطقة عالية في البلدة، وأطللنا منها على فلسطين المغتصبة التي سموها "إسرائيل"!

كما زرنا "حلحول" وغيرها من المدن المحيطة بالخليل.

إلى القدس ومدن الضفة

المسجد الأقصى

وأهم من هذا كله زرنا مدينة "القدس"، وزرنا المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وكان معي الأسرة زوجتي وبناتي الأربع الصغيرات، وكبراهن إلهام لم تكمل السابعة بعد، وصغراهن أسماء لم تكمل الثالثة. ولكني حرصت أن أصحبهن إلى المسجد الأقصى، ومسجد قبة الصخرة؛ ليصلين فيهما، ولو بالمحاكاة لتنغرس في نفوسهن قيمة هذا المسجد، ويرتبطن معه بذكريات لا تنسى.

وقد تجولنا بمدينة القدس القديمة وحاراتها، وزرنا كنيسة القيامة، ومسجد عمر بن الخطاب بالقرب منها.

وإخواننا الفلسطينيون يسمون المسجد الأقصى وما حوله "الحرم القدسي" تقليدا للحرم المكي، والحرم المدني. ولهذا يقولون عن المسجد الأقصى: أولى القبلتين، وثالث الحرمين.

ولكن من المعلوم أنه لا يوجد إلا حرمان فقط: الأول حرمه الله تعالى وهو حرم مكة، والثاني حرمه رسوله وهو حرم المدينة، ولا يوجد حرم ثالث بعدهما. ولهذا نرى الأولى أن يقال عن الأقصى: أولى القبلتين، وثالث المسجدين العظيمين، وهما: المسجد الحرام والمسجد النبوي؛ فقد صح الحديث: أن هذه المساجد الثلاثة هي التي لا تشد الرحال إلا إليها.

كما زرنا مدينة "البيرة" القريبة منها، ومدينة "رام الله"، وفي مدينة البيرة يسكن أخونا وزميلنا الشيخ علي جماز عند آل سمّور.

وكان معنا في زيارة القدس الأخ سعد مرزوق وأسرته. وقد سجلنا هذه الزيارة بالكاميرا، والتقطنا بعض الصور التذكارية للرحلة، وإن كان التصوير وأدواته في ذلك الوقت لم يزل بدائيا، ولم يتطور كما تطور في يومنا هذا.

وعدنا إلى مدينة الخليل لنستقر فيها أياما، ثم نبدأ جولة أخرى لزيارة مدن الضفة الغربية، مصطحبا أسرتي معي.

زرت مدينة نابلس وألقيت فيها محاضرة، شهدها جم غفير، ولقيت عددا من الإخوة هناك، أذكر منهم آل البشتاوي وآخرين، أنستني الأيام والليالي أسماءهم.

مسجد قبة الصخرة

وفي اليوم التالي دعانا عالم نابلس الجليل الشيخ مشهور الضامن على الغداء في بيته، ودعا عددا من العلماء ووجهاء البلد.

وزرت قرية "صانور" من قضاء جنين، وهي قرية الأخ الحبيب الأستاذ حسني أدهم جرار الذي يعمل معي في المعهد الديني. وكان الأخ حسني يعمل أمينا لمخزن المعهد؛ حيث كان يحمل الشهادة الثانوية ككثير من إخواننا الفلسطينيين، ولكنه انتسب إلى جامعة بيروت العربية مثل الأخ يوسف السطري سكرتير المعهد، وحصل على الإجازة أو الليسانس في اللغة العربية.

وكنت ألمح في الأخ حسني قدرات عقلية ونفسية وخلقية تؤهله أن يكون له دور في خدمة العمل الإسلامي، وبخاصة أنه مربّ بفطرته، حسن العلاقة بالشباب، قوي التأثير فيهم.

ولقد صدقت الأيام ظني فيه؛ فأصدر هو وصديقه الأستاذ أحمد الجدع موسوعة "شعراء الدعوة الإسلامية" والأناشيد الإسلامية. وكتب عن عدد من رجال فلسطين مثل الحاج أمين الحسيني، والشيخ عبد الله عزام، وأخرج ديواني الأول "نفحات ولفحات"، وأصدر كتبا تربوية مثل "الإخوة الإسلامية" و"الجهاد" وغيرهما، وما زال ينتج ويخرج من ثمرات قلمه النافع المثمر إن شاء الله.

ولا غرو إذا دعاني إلى أن أزوره أنا وأسرتي في قريته أن ألبي النداء؛ لما بيني وبينه من أواصر الأخوة، وروابط الزمالة، ولما له علي من حق بل حقوق أكدتها العشرة.

زرنا "صانور" وبقينا فيها يومين، ثم زرنا مدينة جنين، ومعنا الأخ حسني، وألقيت فيها محاضرة، وأخذنا الإخوة لزيارة بعض القرى القريبة جدا من خطوط التماس مع إسرائيل، ورأينا بأعيننا مدى الخطر الكامن، والمترقب الذي يهدد هذه القرى. فهي لا تملك أدنى سلاح تدافع به عن نفسها وعن حرماتها إذا انتهكت، وهي تواجه عدوا يملك من أنواع الأسلحة ما يفوق ما يملك العرب جميعا، كمًّا ونوعا.

وبعد هذه الجولة عدنا إلى مقرنا في مدينة الخليل.

تنفيذ الإعدام في سيد قطب

أ. سيد قطب

وفي هذه الفترة تم تنفيذ الحكم الذي صدر من المحكمة العسكرية في مصر بإعدام الأديب والداعية والمفكر الإسلامي سيد قطب. وضرب جمال عبد الناصر عرض الحائط بكل النداءات والتوسلات التي وصلت إليه من بلاد العرب والمسلمين.

وكان لهذا الحدث صداه الواسع في أنحاء العالم، وخصوصا بين العاملين في الساحة الإسلامية، والمهتمين بالشأن الإسلامي، وعلى الأخص بين الإخوان في الخارج الذين زلزهم هذا الحدث زلزالا شديدا.

وقرر الإخوة في "عمّان" تنظيم مسيرة احتجاج كبرى في يوم معين، وحرصت أن أشارك بنفسي في هذه المسيرة، فسافرت من الخليل إلى عمان لألتقي الإخوان هناك، وأساهم مع الإخوة في رفع الشعارات التي تندد بالظلم والطغيان، وتنادي بالويل للطغاة والجبارين، وبالثأر للشهيد المظلوم.

وكان من الشعارات والنداءات: إلى جنة الخلد يا شهيد الإسلام، إلى جنة الخلد يا صاحب "الظلال".

وربما يعترض بعض إخواننا على مثل هذه الأقوال؛ فإن أحدا لا يستطيع أن يجزم بمصير أحد إلا من بشر رسول الله بأنه في الجنة، وقد أنكر الرسول الكريم على أم العلاء الأنصارية حين قالت لعثمان بن مظعون بعد موته، وقد كان من السابقين الأولين الذين أوذوا في سبيل الإسلام: أشهد عليك أبا السائب، لقد أكرمك الله! فقال: "من هذه المتألية على الله؟ وما يدريك أن الله أكرمه؟ والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل الله بي؟" وبهذا زجرها عن الجزم بمصائر البشر، ولا يدري أحد بم ختم له؟

ولكن الذين يقولون مثل هذه الأقوال لا يقولونها على سبيل الجزم واليقين، ولكن من باب التفاؤل، وتحسين الظن بالله تعالى بالمسلم المستور الحال، أو الظاهر الصلاح؛ لهذا جرت عادة الناس أن يقولوا: المرحوم فلان، والمغفور له فلان. يعنون: المرجو له الرحمة، والمرجو له المغفرة، وإن كان المتحرّون يقولون: المرحوم إن شاء الله، والمغفور له إن شاء الله!

وبعد المشاركة في المسيرة عدت إلى الخليل لأتهيأ لخطبة الجمعة القادمة، وأذكر أنها كانت في مسجد الخليل إبراهيم الذي يسميه الخليليون "الحرم الإبراهيمي"، وقد رأينا أنه لا يجوز أن نقول "الحرم القدسي" مع ما ورد في القدس ومسجدها الأقصى من نصوص شرعية؛ فكيف يجوز أن نقول الحرم الإبراهيمي؟!

وفي مصر أرى بعض الناس يقولون عن مسجد الحسين في القاهرة وما حوله "الحرم الحسيني"، وعن مسجد السيدة زينب وما حوله "الحرم الزينبي". وهذا توسع في استخدام كلمة "الحرم"، وهي لها مدلول ديني معين ينبغي عدم التوسع فيه.

إلا أن يكون المقصود بكلمة "الحرم" المعنى اللغوي للكلمة، فيقال: حرم الشيء وحريمه: ما يحيط به ويتصل به، ولهذا غدا من الكلمات الشائعة في المحيط الجامعي أن يقال: "الحرم الجامعي"، ويقصد به الكليات الجامعية وما يتصل بها من إدارات ومراكز ومساكن وغيرها. ولكن يلاحظ أن استعمال الكلمة في هذا المجال لا يوحي بأي مدلول ديني خاص.

المهم أني ألقيت خطبة بعد إعدام سيد قطب، خطبة شهيرة هيجت الأشجان، وأثارت الأحزان، وأبكت الأعين الجامدة، وأشعلت النيران الخامدة، وحركت العزائم الهامدة، ذكرت فيها مآثر الشهيد على العلم والأدب والدعوة والفكر، وكيف وقف صلبا لم تنحنِ له هامة، ولم تطأطئ له قامة، وكيف قدم عنقه ودمه فداء لفكرته وعقيدته.

وفي مثل هذه الخطب التي تثير الشجون يذكر المرء ما شابهها من المآسي والنوازل. ويبكي فيها شهداء آخرين سلكوا نفس الدرب، ولقوا مثل هذا المصير.

فلا عجب أن بكينا على سيد قطب، وبكينا معه على حسن البنا، وعلى عبد القادر عودة، وعلى محمد فرغلي، وعلى يوسف طلعت، وإبراهيم الطيب وآخرين من شهداء الأمة الأبرار. وهكذا كلما سقط شهيد ذكرنا بإخوانه من الشهداء السابقين.

وقالـوا: أتبكـي كل قبر رأيته

لقبر ثوى بين اللوى والديالك؟ 

فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى

دعـوني فهذا كله قبر مالك! 

محاضرة في القدس

بعد قضاء أكثر من شهرين في مدينة الخليل الجميلة الحافلة بكل المعاني الخيرة والمشاعر النبيلة، وبعد أن امتلأنا من هوائها، وشبعنا من غذائها، وارتوينا من مائها، ونعمنا بفواكهها، واستمتعنا بصداقة أهلها، وعشرتهم الطيبة.. طفقنا نعد العدة للعودة إلى الدوحة، وهذا يستلزم أن نقوم بجولة في مدن الضفة الشرقية، كما تجولنا في مدن الضفة الغربية، ومنها "عمّان" عاصمة المملكة الأردنية.

وفعلا حزمنا أمتعتنا، وحملنا حقائبنا؛ لنذهب إلى عمان، منها ننطلق إلى مدن الضفة الشرقية.

ولكن قبل أن نذهب إلى عمان هيأ إخوتنا في القدس محاضرة عامة دعوا إليها جمّا غفيرا من الناس، وكان ممن حضرها العالمان الكبيران: سماحة الشيخ عبد الحميد السايح، وسماحة الشيخ عبد الله غوشة. وكنت تعرفت على الشيخ غوشة في زيارتي الأولى للقدس سنة 1952. أما الشيخ السايح فهذه أول مرة ألقاه فيها، وقد تعدد لقائي بالشيخ فيما بعد في مؤتمرات المصارف الإسلامية وغيرها، كما تعدد لقائي بالشيخ غوشة في جلسات المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حيث كنا عضوين فيه.

الحاج راضي السلايمة

وزرنا في مدينة القدس الأخ الصالح بركة القدس الحاج راضي السلايمة رحمه الله، وكنا عرفناه في الروضة في القاهرة، وقد عاد إلى القدس موطنه الأصلي، واستضافنا عنده، وغمرنا بكرمه وفضله، رحمة الله عليه.

والحاج راضي السلايمة تاجر صدوق، أحسبه من الذين قال الله فيهم: "رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ" [النور: 37].

التزم الحاج راضي في تجارته ثلاث خصال أساسية لا يحيد عنها، ولا يتساهل فيها مع نفسه:

1- أن يتجنب الحلف والأيمان؛ فلا يحلف على سلعة، ولا على ثمن، بائعا كان أو مشتريا. وعرف الناس عنه ذلك؛ فلا يجرؤ أحد أن يطلب منه اليمين على صدقه. بل كلمته مصدّقة عند زبائنه جميعا.

2- ألا يتعامل مع البنوك، وكانت كل البنوك في ذلك الوقت ربوية، ومعنى هذا أنه أراد أن يقي نفسه رجس الربا؛ فلا يأخذه ولا يعطيه، ولا يتوسع في تجارته، فيحتاج إلى البنك. ولكن "على قدر لحافه يمد رجليه".

3- ألا يستلف من أحد قليلا ولا كثيرا؛ لما علم من خطورة الدَّيْن في الإسلام، وأن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين، فلم يرد أن يورط نفسه في دَين لعله لا يمكنه الوفاء به، والوقاية خير من العلاج.

بهذه المبادئ الثلاثة التزم الحاج راضي، وطبقها على نفسه تطبيقا كاملا طوال حياته؛ فكان مثالا للتجار الأبرار الأمناء الذين يحشرهم الله مع النبيين والشهداء.

إلى العاصمة عمّان

بعد أن أقمنا في القدس يومين أو ثلاثة -لا أذكر- عزمنا على الرحيل إلى العاصمة عمان التي زرتها سنة 1952م، لننزل ضيوفا -أنا والعائلة- على الأخ الكريم أبي زياد حجازي التميمي الذي عرفته منذ زمن في القاهرة؛ حيث هو شريك الصديق الفاضل الحاج شبل سعودي في بقالة الزمالك المجاورة لجامع الزمالك وكوبري الزمالك.

وقد  تعرفت عليه منذ كنت أخطب الجمعة في الزمالك سنة 1956م، 1957م، وإن كانت صلتي بآل سعودي أسبق من ذلك الحاج محمد سعودي، والحاج شبل، والحاج عبد الرزاق، والأستاذ عبد الحميد، والدكتور عبد المنعم، وأولادهم من بعدهم، بارك الله فيهم.

ولإخواننا "الخلايلة" وجود قديم في مصر في عالم التجارة، وخصوصا "البقالات" والمصريون يسمونهم "الشاميين" يقولون: اشتر من بقالة عمك فلان الشامي. ذلك لأن كلمة "الشام" في مصر تعني: فلسطين والأردن وسوريا ولبنان جميعا، بما فيها "الكيان المغتصب" الدخيل على المنطقة الذي سرق الوطن جهارا من أهله، وشردهم في الأرض.

ولهذا كان الأخ أبو زياد التميمي -نسبة إلى تميم الداري الصحابي المعروف، لا إلى بني تميم- من التجار القدامى في مصر، وكانت صلتي به وثيقة لصلتي بآل سعود. وقد دعاني إلى بيته أكثر من مرة، وفي إحدى المرات جمعني بزوج أخته الداعية الثائر المجاهد الشيخ أسعد بيوض التميمي، الذي التقيت به سنة 1952م. لذا أصر على أكون ضيفه في شقته في عمان، لا سيما أني سأترك أولادي في عمان، ثم أنطلق إلى المدن الأخرى تاركا الأولاد غالبا في مستقرهم.

أسعد بيوض التميمي

استأجرنا سيارة صغيرة "تاكسي" لتنقلنا من القدس إلى عمان، كما فعلنا من قبل في زيارة مدن الضفة الغربية، وقد كانت أسرتي لا تزال صغيرة؛ فتكفينا سيارة واحدة، تحملني أنا وزوجتي وبناتي الأربع الصغيرات.

وكانت طبيعة فلسطين والأردن مثل طبيعة لبنان؛ فكلها جبال، تحتاج من سائق السيارة أن يكون ماهرا في قيادتها؛ فأحيانا نكون في قمة الوادي، ثم ترى قمة الجبل الشاهقة، ومطلوب منا أن نصعد إليها؛ فنحن بين صعود ونزول ومنعطفات خطرة، كأنها دائرة حلزونية، ولسنا نسير في أرض سهلة مستوية منبسطة كأرض مصر التي عهدناها من قبل، وأرض قطر التي عرفناها من بعد. وهذه معارف نكسبها بالممارسة لا بالقراءة، ويكسبها أولادي معي؛ فتتسع مداركهم، وتثري أفكارهم.

وصلنا إلى عمّان، وبقيت بها أياما، ألقيت فيها محاضرة في "دار الإخوان"، ومحاضرة في أحد المساجد -لا أذكره-، ثم دعيت إلى محاضرة في مدينة "الصلت".

ثم دعيت للسفر إلى مدينة "إربد" وقد كنت زرتها سنة 1952 وألقيت محاضرة هامة فيها في دار "السينما" بها. ولا مانع أن يلقي الداعية محاضرة في دار سينما؛ فإن الحرام لا يحرم الحلال، والخبيث لا يطرد الطيب؛ بل ينبغي أن يطرد الطيب الخبيث.

ألقيت محاضرة عامة في "إربد"، ثم دعاني الإخوة إلى حضور معسكر لمدة ثلاثة أيام في المدرسة الإسلامية هناك.

وأذكر أني  ألقيت فيهم محاضرة عن "مشكلة الفقر في الإسلام"، وذلك قبل أن أنشر كتابي حول هذا الموضوع.

كما أذكر أني شرحت للإخوة "الأصول العشرين" للإمام الشهيد حسن البنا في عدة جلسات شرحا مركزا موصولا بالأدلة المعتبرة، ومستندا إلى أصول الفقه وأصول الدين، وقد ظل الإخوة يذكرونني بها كلما لقوني.

صيفية مثمرة وممتعة

والحق أن هذه الإجازة الصيفية كانت -بكل المقاييس- إجازة ممتعة ومثمرة في الوقت نفسه، استمتعنا فيها أنا والأسرة بدنيا ونفسيا وروحيا، ولم نحس فيها بالغربة؛ فقد كانت نفحات "الجو الإسلامي" تهب علينا من يمين وشمال، فتبعث فينا الحيوية، وتوقظ فينا روح الحياة وحياة الروح، وتدفعنا إلى النشاط بهمة لا تعرف الكلل، وعزيمة لا تركن إلى الكسل.

كما كانت هذه الصيفية مثمرة بالنسبة لي؛ فقد ألقيت فيها عددا من الخطب والدروس والمحاضرات في مدن شتى، ولا سيما في "الخليل". كما التقيت في جلسات خاصة عددا من الإخوة، تربطني بهم رابطة الدعوة والعمل المشترك لنصرة الإسلام.

ولذا اتفقت مع الإخوة في الخليل أن يكون مصيفنا القادم عندهم، إن شاء الله، بل الإجازات القادمة ستكون عندهم، إلا أن يأذن ربي بأن تفتح لنا أبواب مصر من جديد، ويقال لنا ما قيل ليعقوب وإخوة يوسف: "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين".

وإن كان قدر الله لم يحقق لنا هذا الأمل؛ فقد حدثت نكبة حزيران "يونيو" 1967، واحتلت القدس والضفة الغربية، وأمست كلها في قبضة إسرائيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وسنعرض لذلك في حينه إن شاء الله.

العودة من عمّان إلى قطر

وكان لا بد أن تنقضي الإجازة الصيفية كما تنقضي كل الأيام، حلوة كانت أم مُرّة، وإن كان مما جربه الناس من قديم أن الأيام الحلوة تنقضي بسرعة كأنها سحابة صيف، أو زيارة طيف! والأيام المرة والشديدة تسير في بطء السلحفاة، لا تكاد تتحرك، وقد عبر عن ذلك أحد الشعراء قديما، فقال:

وأيام الهموم مقصّصات       وأيام السرور تطير طيرا!

يريد: أن أيام الهموم والأحزان كأنها مقصوصة الجناح غير قادرة على النهوض والطيران. أما أيام السرور فهي تطير طيرا بكامل أجنحتها وقدرتها.

وقال شاعر آخر:

مرت سنــينٌ بالوصال

فكأنها من قصرها أيام

ثم انثنت أيام الهجر بعدها

فكأنها من طولها أعوام

ثم انقضت تلك السنـون

فكأنها وكأنهـم أحلام!

ركبنا من مطار القدس -على ما أذكر- فقد كانت الطائرات تأتي من الدوحة إلى القدس، ثم من القدس إلى الدوحة. وقد كنا -من اللهفة والسرعة- نسينا حقيبة يد "هاند باج" في مطار القدس، فيها بعض المشتريات والهدايا، فأرسلوها إلينا بعد ذلك مشكورين.

وعاد معنا إخواننا الذين جاءوا معنا من قطر: الشيخ على جماز، والشيخ العوضي وأسرتهما. أما الأخ سعد مرزوق فقد عاد قبلنا؛ لأن إجازة الإداريين أقل من إجازة المدرسين.

اقرأ في الحلقة القادمة:

  • نكبة حزيران "يونيو" 1967

  • حادث التسمم في الدوحة

  • بين ناصر وعامر

عودة للصفحة الرئيسية للملف
من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع