صناعة الدعاة.. ورشة عمل

كيفية العمل الدعوي داخل المؤسسة التعليمية

عمرو الشيخ

تم تعيينك في مؤسسة تعليمية في المرحلة الثانوية، واجهت فيها إدارة متسيبة في نطاق الأخلاق، وهيئة تدريس منصرفة لكسب علاقة طيبة مع الطلاب للفوز بالدروس الخصوصية، ولا يبدون اهتماماً حقيقياً بالعملية التعليمية، وطلابا منصرفين عن الدراسة، مهتمين بما يشغل الشباب من أغان وأفلام وكرة قدم، وبالمدرسة مسجد صغير يفتقد الاهتمام، يصلي فيه قلة من الطلاب على استحياء من زملائهم، مع بعض السعاة، وأحيانا موظف من الإدارة أو مدرس من المدرسين، وهناك أنشطة مدرسية عديدة معطلة مثل الرحلات والإذاعة المدرسية والنشاط الفني والرياضي، ومكتبة لا تجد من يهتم بها..

كيف يمكنك العمل دعويا مع كل من القطاعات الثلاثة التالية:

الطلاب – هيئة التدريس – الإدارة؟


من الجدير بالذكر أن المؤسسة التعليمية حقل دعوى واسع النطاق نظرا لطبيعة تلك النوعية من القطاعات التي تضم العديد من الأنشطة المختلفة، ونظرا لأن الداعية يجد أمامه مجالا خصبا للعمل الدعوي فهو أمام عقول تائهة مهيأة لاستقبال ما هو جديد، فقد يكون العامل الرئيسي في ابتعاد الطلاب عن الدراسة وانصرافهم إلى تفاهات الشباب هو الفراغ العقلي الذي يعاني منه هؤلاء الشباب

وهذه هي نقطة الانطلاقة للداعية داخل المؤسسة، فعليه أن يبدأ في عملية تشكيل فكري لهؤلاء الطلاب، إنه هنا أمام مسئولية مزدوجة.

أي أن عليه في نفس الوقت أن يعمل على إيجاد الطابع الإسلامي داخل أنشطة المؤسسة، وفي نفس الوقت يقع على كاهله مسئولية تربية جيل من الشباب الضائع وانتشاله من آلاف الفتن التي يتعرض لها والتي قد تقضي على مستقبله في بعض الأحيان.

ولذلك فأرى بداية أنه يجب أن يتوفر للمعلم الداعية بعض من الشروط التي تعينه على القيام بهذا الدور على أكمل وجه وهي:

1- الحلم وسعة الصدر.

2- التأهيل التربوي.

3- يمتلك قدرا لا بأس به من البساطة والمرونة.

4- يضع في اعتباره جيدا عامل الفروق الفردية بين الطلاب ويبتعد عن الإغلاق الخاطئ للمواقف الغامضة.

5- أن يمتلك قدرا لا بأس به من حسن المظهر والسلوك حتى ينفى تماما فكره ابتعاد الدين عن الحياة الواقعية.

يحاول المعلم الداعية أن يكتشف ذاته جيدا قبل وضع خطة للعمل، فإذا لم ير توفر هذه الصفات فيه فليعمل على اكتسابها قبل أن ينطلق في العمل.

ثم عليه بعد ذلك أن يستشعر قيمة العمل الذي يقوم به، ويكون المحرك الرئيسي له هو أنه مسئول أمام الله عن جيل بكامله قد يكون بسببه جيلا صالحا يدعو إلى الله، وقد يكون جيلا فاسدا ووباء يصيب المجتمع.

ثم ينطلق على بركة الله في خطوات ثابتة ومحددة ومدروسة، المعلم هنا يجد أمامه ثلاثة محاور رئيسية داخل المؤسسة تمثل الإطار العام للمؤسسة وهي:

الطلاب

هيئة التدريس

الإدارة

وعليه بالعمل على جميع المحاور في نفس الوقت نظرا للارتباط الوثيق بينها وتأثر كل منها بالآخر، وحتى يكون العمل منظما ويأتي بثمار جيدة يجب على المعلم أن يتحلى بالمنهج العلمي التنظيمي في عمله ويبتعد تماما عن العشوائية.

وأقترح أن تكون خطة العمل كما يلي:

أولا: تحديد المشكلة:-

وهي أن المدرسة بعيدة كل البعد عن الالتزام الأخلاقي وتحتوي على العديد من مظاهر اللامبالاة، وعلى الداعية أن يقف على أهم الأسباب والعوامل التي أدت إلى ذلك قبل أن يبدأ عمله لأنه من الصعوبة بمكان علاج مرض لم يتم تشخيصه جيدا.

ثانيا: الدراسة الجيدة للأسباب والعوامل:-

وأعتقد أنه ببساطة قد يجد أن من أهم أسباب ذلك التسيب الأخلاقي والتعليمي داخل المؤسسة:

1- ابتعاد الإدارة عن الحزم واهتمامها بالنواحي الإدارية وعدم الاهتمام بالجانب التربوي للعملية التعليمية.

2- انشغال هيئة التدريس بجذب الطلاب إلى الدروس الخصوصية والمفهوم الضيق لدى أغلب المعلمين عن أهداف العملية التعليمية وطبيعة الدور التربوي للمعلم.

3- افتقاد الطلاب للقيم والمعايير داخل المدرسة.

ثالثا: البحث عن الوسائل المعينة على القيام بالعمل:

يجد المعلم أن المؤسسة تحتوي على الآتي:

1- العديد من الأنشطة المهملة داخل المؤسسة فعليه أن يبدأ بإحياء تلك الأنشطة.

2- من الوسائل المعينة أيضا الفراغ العقلي الذي يعاني منه الطلاب.

3- اهتمام إدارة المدرسة بتحسين صورتها أمام إدارات المدارس الأخرى.

وعلى المعلم الداعية أن يضع خطة منظمة لاستغلال تلك الوسائل.

رابعا: خطة العمل:

وأقترح أن عليه اتباع الخطوات التالية:

1- كسب قاعدة عريضة من المؤيدين سواء من الطلاب أو من أعضاء هيئة التدريس داخل المؤسسة

مع مراعاة أسس الاختيار الجيد.

أ- بالنسبة لقطاع الطلاب:

عليه أن ينتقي الطلاب الذين يجد لديهم استعدادا طبيعيا للالتزام وذلك من خلال تواجده الدائم في مسجد المدرسة وإيجاد صلة ود بينه وبين هؤلاء الطلاب؛ لأنه سوف يحتاج إليهم كمساعدين له في تعامله مع باقي الطلاب مع مراعاة ألا يكون ذلك ظاهرا لهم حتى لا يحدث نوعا من التفرقة.

وأيضا يحاول التركيز على أصحاب الشخصية القوية والمؤثرة منهم للعمل على التأثير في الآخرين.

ب- بالنسبة لقطاع هيئة التدريس:

عليه بكسب صداقة أكبر عدد ممكن منهم ولا مانع من إيجاد بعض الصداقات معهم خارج نطاق المدرسة وليضع في اعتباره أن ينتقي المعلمين المتخصصين في مجالات الأنشطة مثل معلم التربية الرياضية والتربية الفنية.

ج- بالنسبة لإدارة المدرسة:

يعمل أيضا على إيجاد مساحة من الود بينه وبينهم عن طريق إشعارهم بأنه يعمل لصالح المؤسسة وتميزها بين المؤسسات الأخرى.

2- البدء في استغلال الأنشطة المهملة أو المعطلة فيما يخدم العمل الدعوي:

ويجب ألا يبدأ المعلم في ذلك إلا حين يستطيع أن يكون له عدد لا بأس به من المؤيدين والمحبين حتى لا يواجه بالتضييق منهم في بداية عمله.

وعلى المعلم في تلك المرحلة أن يقوم بتوعية واسعة النطاق بأن تلك الأنشطة لا تشكل إطلاقا أي عائق دراسي للطلاب كما أنها لا تتعارض مع الالتزام الأخلاقي.

وسوف يجد المعلم أمامه ما يلي:

أ – المسجد

ب- الإذاعة المدرسية

ج- المكتبة

د- الأنشطة الرياضية

هـ- الأنشطة الفنية

و- الرحلات

أ- المسجد:

 وأرى أن يبتعد المعلم عن الدعوة المباشرة إلى الصلاة في المسجد ولكن عليه بأسلوب غير مباشر أن يعمل على تواجد الطلاب في المسجد وذلك بعمل مسابقات دينية بعد الصلاة ويتم اختيار الطلاب المتفوقين في حصة التربية الدينية لتنظيم تلك المسابقات تحت إشراف المعلم والحث على جمع مواد المسابقة من قبل الطلاب لتشجيعهم على قراءة الكتب الدينية.

ب- الإذاعة المدرسية:

وهي في معظم المدارس تأخذ الطابع الروتيني الذي يوجد نوعا من الملل لدى الطلاب وعلى المعلم إعادة إحياء ذلك النشاط الهام، فإذا نجح المعلم في وضع برامج جيدة ومتنوعة وأفكار مبتكرة جديدة للنهوض بها يكون قد قطع شوطا كبيرا في العمل الدعوي، مثل الأناشيد والحوارات مع الإدارة والمعلمين البارزين والمسابقات العلمية التي تشجع على دخول المكتبة والقراءة.

ج- المكتبة:

من خلال الإذاعة المدرسية يتم عمل المسابقات التي يراعى فيها أن تكون موادها من ضمن محتويات المكتبة والإعلان عن ذلك، ومن خلال المكتبة نفسها يكون التشجيع على القراءة بعمل مسابقات في البحث العلمي.

د- الأنشطة الرياضية:

وذلك النوع من النشاط يعتبر مجالا خصبا للعمل حيث أن النشاط الرياضي هو دائما النشاط المفضل لدى العديد من الطلاب، وعلى المعلم هنا بالاتفاق مع معلم التربية الرياضية تنظيم المسابقات الرياضية والتشجيع عليها بكافة الوسائل والتوضيح بأن مقياس الانتقاء لها ليس فقط التفوق الرياضي بل أيضا التفوق الدراسي والأخلاقي.

هـ- الأنشطة الفنية:

بالعمل على إقامة المعارض الفنية التي تحتوي على التصميمات من قبل الطلاب.

و- الرحلات:

وهي أيضا مجال خصب للعمل ويراعي المعلم أن تكون الرحلة في حد ذاتها مكافأة للطلاب المتميزين، فلا مانع من ذهاب واحد أو اثنين من الطلاب المتميزين إلى الرحلة مجانا.

والسؤال هنا هو كيف يتم أسلمة تلك الأنشطة؟؟

ويتم ذلك عن طريق:

أ- إبراز القيم المفتقدة من خلال الأنشطة والتشجيع عليها، مثل قيمة المنافسة الشريفة، وقيمة العدل، والقيم الجمالية.

ب- استغلال المواقف بما يخدم العمل الدعوي.

فمثلا برنامج الرحلات يبدأ بالقرآن الكريم ويتخلل الفقرات بعض الأناشيد الإسلامية، ومن خلال الإذاعة لا مانع من إعطاء شرائط أناشيد إسلامية للطلاب أصحاب الأصوات الجيدة بحجة التدريب على الإنشاد فيرتبط الطالب تدريجيا بها.

وهكذا الحال في باقي الأنشطة الأخرى، وتتطلب هذه النقطة أن يتعامل المعلم مع الطلاب بذكاء بحيث يجعل كلامه يأتي وكأنه صدفة أي لا يتعمد أن يجعلهم يتركون النشاط للحديث معهم في موضوع ديني، بل عليه أن يستغل كل كبيرة وصغيرة تحدث للحديث عن فضيلة أو عبادة أو خلق وسلوك معين.

كما أن عليه استغلال مادة النشاط فمثلا صاحب الخط الجيد يجعله يكثر من كتابة آيات القرآن وهكذا.. ولا ينسى المعلم أبدا أهمية الإطراء الذي يكسب الثقة.

ج- الثواب والعقاب:

يأخذ الثواب والعقاب الطابع الإسلامي الذي يبتعد كل البعد عن السب والتجريح، والثواب بإعطاء الجوائز ذات الطابع الإسلامي مثل الشرائط والكتب الدينية.

د- أسلمة الفكر الطلابي:

فقد تحدثنا سلفا أن الطلاب يعانون من حالة من الفراغ العقلي وهذا ما قد يدفعهم إلى الانحراف الأخلاقي وما يتسبب في ضعف الاهتمام بالقضايا الإسلامية والعامة، ولتغيير ذلك يجب على المعلم ضرورة إيجاد البديل فمن الصعب إقناع الطلاب بعدم سماع الأغاني إذا لم يتوفر لديهم البديل من الأناشيد الإسلامية على سبيل المثال، أي أن المعلم لا يتبع الأسلوب المباشر في الأمر والنهي والتحريم بل عليه دائما الابتكار لإيجاد البدائل أو العمل على أسلمة مجتمع المؤسسة.

ثم يأتي في مرحلة متقدمة الحديث معهم عن أهمية الانشغال بقضايا الأمة الإسلامية والعمل من أجلها بعد أن يكون قد استطاع تكوين فكر راق يتقبل مثل ذلك الحديث.

3- العمل على كسب تأييد القائمين على العملية التعليمية:

وذلك من خلال إشعار إدارة المدرسة بأن هذه الأنشطة تمثل صورة مشرفة لها أمام المؤسسات الأخرى، وأن ذلك يساعد في تفوق أبناء المدرسة مما يحسن أيضا المستوى التعليمي للمؤسسة.

وإذا نجح المعلم في كسب ثقة الإدارة فسوف يضع لنفسه مركزا هاما وحيويا داخل المؤسسة سوف يساعده كثيرا في العمل الدعوي.

خامسا: تقييم النتائج:

على المعلم دائما أن يجدول كل ما تم إنجازه ويكون دائم التقييم والبحث عن الإيجابيات والسلبيات في العمل، ويسعى دائما للحصول على الاستشارات الدعوية والتربوية وكل ما يخدم عمله بصورة دائمة، ويتسم بالمرونة ويعمل دائما على التجديد والابتكار.

مثال:

إذا وجد مثلا أن الإدارة لا ترحب بعمل معين أو نشاط معين فلا يعاند ويصر عليه بل عليه فورا البحث عن بديل يؤدي نفس الغرض، وليس معنى ذلك أن يتنازل بسهولة عن خطته في العمل، ولكن فقط عليه الموازنة بين ما يجب عمله وبين الممكن عمله.

وذلك حتى لا يحدث خلافات تؤثر على عمله فيما بعد خصوصا في المراحل الأولى من عمله.

سادسا: وصايا وختام:

على المعلم أن يحرص دائما على ألا تهتز صورته بأي شكل من الأشكال أمام الطلاب لأنه في تلك المرحلة سيكون ارتباط الطلاب بالدين متمثلا في شخصه، ويتم من خلاله، وإلى أن يرتقي تفكير هؤلاء الطلاب إلى أنه مجرد شخص عادي لا يمثل الإسلام فعليه أن يتجنب كل ما يمكن أن يسيء إليه أو يعرضه للشبهات حتى وإن لم يكن حراما.

وفي بادئ الأمر على المعلم ألا يصاب بالإحباط من عدم فعالية الطلاب ومشاركتهم فقد يكون ذلك تخوفا أو لا مبالاة، وعليه حينها أن يستمر في العمل دون كلل أو ملل مع مراعاة تنوع الأساليب والتجديد والمزيد من البساطة لإزالة الغموض.

وعلى المعلم أيضا أن يتجنب الخلافات الشخصية وليتذكر دائما أن المسلم لا يغضب لنفسه ولا يعرض نفسه لأي نوع من الخلاف الحاد بينه وبين أعضاء هيئة التدريس أو الإدارة فمن صفات الداعية أنه يألف ويؤلف، وأن يراعي جيدا التدرج في المراحل والترتيب بحيث لا يبدأ في مرحلة إلا بعد أن ينتهي من المرحلة السابقة ويقيم نتائجها.

وعلى الداعية في كل الأحوال أن يستحضر نيته في كل عمل ينوي القيام به ويجنب نفسه الرياء وحب الظهور وما إلى ذلك من أمراض القلوب وليعلم أن التوفيق بقدر الإخلاص، وذلك عن طريق ألا يغفل في غمرة نشاطه أهمية الوقود الروحاني الذي يساعده في عمله من قراءة القرآن بتدبر وقيام الليل وما إلى ذلك من عبادات.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

وأسأل الله لنا ولكم التوفيق لما يحبه ويرضاه.