صناعة الدعاة.. ورشة عمل

الزاد الثقافي للداعية

11/10/2003م

أ. محمد سيد حسين*

الحمد لله العلي الأعلى والصلاة والسلام على المصطفى الأسمى، وبعد؛

فإن الدعوة إلى الله تعالى أجلُّ عمل يقوم به إنسان، ذلكم أن الداعية يدلّ الناس على ربهم ويأخذ بأيديهم إلى سبيله، وأعظِم بإنسان هو سبيل الناس إلى الله وهاديهم إلى دينه ومنهجه.

ولذلك اختار الله لها الصفوة من خلقه ليكونوا نعم الممثلين لدعوته، الدالين الناس على منهاجه وشرعته.

والدعوة إلى الله ليست فعلاً إن شاء المسلم قام به وإن شاء تركه، ولا فضلاً من فَعله قد أحسن، ومن لم يفعله فلا حرج، كلا ولكنها واجب من أجلّ الواجبات، وفرض لا يسع المسلم تركه، وإن كان كلٌّ إنسانٍ مكلف في حدود ما أوتي من علم، وما علم من أمور دينه، وما واجه من وقائع.. ولكن للدعوة إلى الله أيضاً فن يلزم معرفته والإحاطة به، ووسائل وطرق تأثير، وإلا أساء ذلك الداعية من حيث يريد أن يحسن، وصد عن دين الله ومنهجه وهو ما يبغي إلا أن يدعو إليه ويُرغِّب فيه.

وحتى يكون الداعية مؤهلاً للقيام بدوره على خير وجه لا بد له من مقومات بعضها يتصل بصفاته الظاهرية والنفسية، وبعضها يتصل بصفاته العملية والأخلاقية، وبعضها يتصل بالجانب العلمي والثقافي في الداعية.

ونحن في هذا المقام نقف مع الجانب الثالث وهو الجانب العلمي والثقافي في الداعية، وما ينبغي له أن يحصله من معارف حتى يمكنه القيام بدوره على الوجه الصحيح.

والجانب العلمي الثقافي له محوران رئيسان:

* المحور الأول هو العلوم الشرعية:

وهو يتصل بما ينبغي أن يحصله الداعية من علوم شرعية: من قرآن وعلومه، وحديث وأصوله، وفقهٍ وأحكامه، وأصول فقه وموضوعاته (أحكام- أدلة -اجتهاد- طرق استدلال)، ولغة وقواعدها وأساليبها، وعقيدة ومباحثها.. إلى غير ذلك من العلوم الشرعية التي لا يسع المتصدي للدعوة إلى دين الله أن يجهلها؛ وإن كنا لا نشترط فيه أن يحصل من هذه العلوم ما يحصله الفقيه المتخصص، أو العالم المتبحر.. وما أحسن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تفقهوا قبل أن تسودوا".

* المحور الثاني هو الثقافة العامة:

إذ أن تحصيل حد معقول من العلوم الشرعية ما عاد يكفي وحده لتكوين داعية عصري قادر على أن يدعو لدين الله في ظل هذه المتغيرات العصرية السريعة والمتلاحقة والمعقدة والمتشابكة.. فالداعية جزء من عصره وهو يدعو أناساً يعيشون هذا العصر ولا يعيشون عصراً آخر، وما لم يعرف كيف يصل إليهم ويتصدى لمشكلاتهم النفسية والاجتماعية فلن يستطيع أن يؤثر فيهم وأن يرتفع بهم ويأخذ بأيديهم، فهناك معارف وتخصصات علمية لا يسع الداعية المعاصر أن يكون بها جاهلاً.. ومن أهم هذه التخصصات التي ينبغي أن يحصل فيها قدراً معقولاً من العلم ما يلي:

أولاً: علم النفس بفروعه: ذلكم أن ميدان عمل الداعية هو النفس الإنسانية وغايته التأثير فيها تأثيراً إيجابياً، وهو يتعامل مع الناس على اختلاف طباعهم وميولهم وأعمارهم، ولا شك أن لكل شخصية مفتاحها، وطريقة للتأثير فيها، كما أن لكل مرحلة عمرية طبيعتها، فالتعامل مع المراهق يختلف عن التعامل مع الشاب الناضج عنه مع الشيخ الكبير أما الطفل فنسيج وحده؛ والذي يتعامل مع كافة الناس بأسلوب واحد لا يمكن له أن يحرز نجاحاً في دعوته؛ فمن الناس من يغلب عليه الجانب العاطفي والوجداني، ومنهم من يغلب عليه الجانب العقلي المنطقي، ولا شك أن طريقة التأثير في الأول تختلف عنها في الثاني.

والناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد عبقرية فريدة في التعامل مع الخلق ومعرفة مفتاح كل شخصية.. ألم يجعل لأبي سفيان -لأنه يحب الفخر- شيئاً من الصدارة يوم فتح مكة بمقولة: (من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن)؟

ألم يعطِ حديثي العهد بالإسلام بعد غزوة حنين المال الكثير، ولم يفعل ذلك مع الأنصار، فلما وجدوا في أنفسهم استمالهم بكلمات؟

ألم يمدح أقواماً في وجوههم كثيراً فيقول: أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، ويقول: ما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر، ويقول: ما ضر عثمان ما فعل بعد ذلك، ثم يحذر من المدح ويقول لمن مدح آخر في حضرته: "قطعت عنق أخيك"، وما ذاك إلا لأنه قد خبر النفس التي يتعامل معها.

قد يقال إن في السنة المطهرة وتراثنا الرائع ما يكفينا في هذا الجانب ومن ثم فلا حاجة لعلوم الآخرين، والحق أن في السنة كما في القرآن حديث رائع عن النفس، وإن علماءنا كتبوا في هذا، بيد أن هذا لا يحول بين المسلم وبين أن ينتفع بما عند الآخر مما لا يتعارض وثوابت الإسلام، فالحكمة ضالّة المؤمن، وفي علم النفس كعلم ما لا يمكن إنكار أهميته للداعية، سيما بعض فروعه كعلم النفس العام، أو الاجتماعي، أو الوقوف مع مدارس التحليل النفسي، أو علم نفس المراهقة والشيخوخة.

والمطلوب هنا من الداعية الوقوف على حد معقول يزيل الجهل وينفع المتعلم، وإن كان لا يبلغ -بلا شك- حد التخصص، فيقف مثلاً على أحد الكتب الجامعية في كل من: علم النفس المعاصر والاجتماعي والتربوي "التعليمي" وعلم نفس النمو (إن كان يتعامل مع الأطفال)، والمراهقة والشيخوخة.

ثانياً: الفلسفة والمنطق:

وللفلسفة منذ قرون طويلة تأثير غير خافٍ على العقلية المسلمة، وقد ذهب علماؤنا فيها كل مذهب من تحريم تعلمها إلى وجوبه (فقد ذهب الغزالي إلى وجوب تعلم المنطق بالنسبة للمجتهد).

ولكن في كل الأحوال وأيًّا كانت أسباب انفتاح العقل المسلم على فلسفة اليونان، فقد اقتحمت هذه الفلسفة العقلية المسلمة وأصبحت موضوعاً شاغلاً لعلماء الأمة، ولم يعد بالإمكان تجاهلها وإن تركنا الساحة لفلسفة غير إسلامية كي تؤثر في العقل المسلم.

ومن ثم كانت الفلسفة ولا زالت من أهم ما يؤثر في المجتمعات الإنسانية، إن فيلسوفاً واحداً قد يؤثر في أمة بأكملها سياسييها واقتصادييها وعلمائها كافة.. ألم يكن للماركسية في القرن العشرين -كفلسفة- ما غيّر من موازين القوى في العالم؟ ألم يمتد تأثيرها حتى دخل على المسلمين ديارهم واقتحم عقولهم؟

ألم تقم أمريكا على الفلسفة النفعية البراجماتية فكان لهذه الفلسفة ولا يزال تأثيرها في الولايات المتحدة والكثير من الدول التي تريد أن تحذو حذوها وترى في فلسفتها الأساس الذي ينبغي أن نقيم عليه مجتمعاتنا.

وإذا كان الغزالي -وحتى يحكم على الفلسفة- تعلمها عامين، وتفكر عاماً، ثم كتب "تهافت الفلاسفة"، فإن الداعية المعاصر لا يسعه أن يجهل المذاهب الفلسفية المعاصرة وأن يقف على حقيقتها وأصولها ويبين للناس موقف الإسلام منها.

ويحسن به أن يقف مع بعض الكتب التي تحيطه علماً بالفلسفة الإسلامية والغربية مثل:

- تاريخ الفلسفة في الإسلام (جزءان) للدكتور محمد أبو ريان.

- مقالات الإسلاميين للدكتور عبد الرحمن بدوي.

- قصة الفلسفة للمؤرخ وِل ديورانت.

ثالثاً: العلوم السياسية:

لم تعد السياسة معرفة عامة يستطيع الإنسان أن يحصلها من قراءة الكتب والمجلات، ولم تعد مجرد موهبة صرفة يُعطاها من خلقه الله متصفاً بها، وإنما أصبحت علماً واسع الآفاق ومتعدد الفروع، ولا يمكن أن يزعم إنسان أنه سيحيط علماً بالسياسة الداخلية والإقليمية والدولية هكذا بغير تعلم، والداعية جزء من عصره يتأثر به ويؤثر فيه، وهو مسلم متصل بعالمه الإسلامي وغير الإسلامي كذلك لا يمكنه أن يقبع في مكانه ليحدث الناس في مقدار القُلَّتَين (القضية الفقهية في مقدار الماء الذي لا يصلح للتطهر إذا ما وقع فيه ما ينجسه) والعدو رابض بجانبه يكاد أن يقتحم عليه داره فيتحكم فيه وفي قلّتيه.

وإذا كان الدعاة العصريون -أو جلّهم- يخوض مرغماً أو غير مرغم في الأمور السياسية بحكم ما يتعرض له العالم الإسلامي وبحكم ثورة الاتصالات الهائلة التي جعلت العالم متصل الأطراف مهما تناءت فيه الأماكن، إذا كان ذلك فإننا مع الأسف نجد أن كثيراً من الدعاة إذا خاض في أمور السياسة غلبت عليه السطحية الشديدة وعدم العمق وافتقار النظرة الاستراتيجية، بل والجهل الشديد بالواقع وطبيعة التأثير فيه.

وقد يكون الواقع -بالفعل- معقداً أو متشابكاً، لكن لا بد للمسلم عامة وللداعية خاصة من أن يملك رؤية صحيحة ونظرة شافية وقدرة على تحليل الأمور والمواقف.

لذلك لا بد للداعية من قدر من القراءة في العلوم السياسية تكسبه قدراً معقولاً على تحليل الأحداث وتقييمها، ونرشح له الكتب التالية أو ما في مستواها:

- معرفة في علم السياسة للدكتور بطرس غالي.

- النظريات السياسية في الإسلام للدكتور ضياء الدين الريس.

- النظام السياسي في الدولة الإسلامية للدكتور محمد سليم العوا.

- نظرية التحليل السياسي للدكتور حامد ربيع.

- الإسلام والقوى الدولية للدكتور حامد ربيع.

- النظم السياسية للدكتور كامل ليلة.

رابعاً: الاقتصاد والمالية العامة:

لم يعد بوسع داعية عصري أن يكون جاهلاً بعلم الاقتصاد: مصطلحاته ونظرياته ومذاهب علمائه، ذلكم أن الاقتصاد ليس مجرد علم له أهله ومتخصصوه، بل إن قضايا هذا العلم متصلة بواقع الناس بكافة طوائفهم؛ وفي كل الدول صغيرة كانت أو كبيرة متخلفة أو متقدمة.

كما أن الداعية يتعرض بلا شك لقضايا اقتصادية لصيقة بالفقه الإسلامي كأحكام الربا والبيوع وما إلى ذلك، وإن كان الداعية ليس فقيهاً يفتي في مثل هذه القضايا ولكن لا بد أن يكون محيطاً بها علماً، ولا يليق به أن يجهل مثل هذه القضايا التي يتعرض لها الناس كافة.

والمطلوب من الداعية في هذا الإطار أن يكون على قدر من العلم بالنظريات الاقتصادية وبأصول علم الاقتصاد السياسي والاقتصاد الدولي وكذا بمقدمة في علم المالية العامة.

ونرشح له الكتب التالية:

- مقدمة في الاقتصاد الإسلامي لعيسى عبده أو منذر قحف أو غيرهم.

- علم الاقتصاد السياسي للدكتور محمد حامد دويدار.

- النظام الاقتصادي الدولي المعاصر للدكتور حازم الببلاوي.

- مقدمة في علم المالية العامة للدكتور محمد دويدار.

خامساً: التاريخ والجغرافيا:

التاريخ هو ذاكرة الأمم، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يحتفظ بتاريخه وتاريخ أسلافه، وللتاريخ أهمية خاصة في المنظور الإسلامي، تأتي هذه الأهمية من عدة جوانب:

أحدها: أن المسلم يستشعر عمق جذوره التاريخية، ذلكم أنه موحّد ينتمي إلى كل من دعا إلى التوحيد، وأعلى راية لم تكن بداية من بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم -بل منذ وجد من يدعو إلى التوحيد على وجه الأرض-.

الجانب الثاني: ما أولاه القرآن ذاته من اهتمام بأمر التاريخ، والنظر فيه وأمره للمسلمين: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم).

ثم احتلال قصص السابقين حيزاً عظيماً من القرآن الكريم، الأمر الذي يجعل أخبار الأمم السابقة في أعلى اهتمامات المسلم.

الجانب الثالث: أنه لا يليق بمسلم، فضلاً عن أن يكون داعية أن يجهل تاريخ أمته وما مرت به من أحداث جسام، ابتداءً بالعهد النبوي ومروراً بالخلافة الراشدة فالأموية فالعباسية فالعثمانية مروراً بدولة الموحدين المرابطين والمماليك والإخشيدية والفاطمية والطولونية فضلاً عن الخلافة الإسلامية الزاهرة بالأندلس.. إلى غير ذلك.

لا نحسب أن أمة تملك هذا التاريخ الرائع الممتد طولاً وعرضاً وعمقاً، ولا نحسب أنه يليق بمسلم يملك كل هذا التاريخ ألا يكون التاريخ أحد أهم محاور اهتماماته وألا يقف عند أحداثه وعبره.

وإذا كان التاريخ هو الزمان فالجغرافيا هي المكان الذي وقعت فيه أحداث التاريخ وإن كانت الجغرافيا بفروعها المتعددة ليست مجرد مكان أصم وإنما هي في الحقيقة مكان ناطق نابض بالحياة.

ولهذا يحسن بالداعية أن يقف على ما يستطيع من كتابات في هذا المجال العظيم ونرشح له ما يلي وما لا يدرك كله لا يترك جلّه:

- تاريخ العالم للمؤرخ ويلز، وإن لم يتمكن فيمكن قراءة موجز تاريخ العالم.

- إتمام الوفاء في تاريخ الخلفاء للشيخ محمد الخضري بك.

- تاريخ الأمم الإسلامية للشيخ محمد الخضري بك.

- المدخل إلى التاريخ الإسلامي للدكتور محمد فتحي عثمان.

- منهج البحث التاريخي للدكتور حسن عثمان.

- تاريخ الطبري أو البداية والنهاية.

- الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر (جزءان) لكل من بيتر تيلور، كولن فلنث.

سادساً: العلوم المتصلة بالكون والإنسان:

كعلم الجيولوجيا أو طبقات الأرض والفلك وعلم الأحياء وما يتصل به من موضوعات هامة ابتداءً بأجهزة الإنسان الرئيسة وانتهاء بالجينوم البشري، ولا نعني هنا بالطبع درجة تخصص، ولكن بالقدر الذي لا يجعل الداعية مضطرباً عندما يتعرض للقضايا المتصلة بها، سيما والقرآن يتعرض كثيراً للكون ويحث على النظر فيه وفي الإنسان، ويحث على التأمل في تركيبه وتكوينه، والجهل بهذه العلوم قد يجعل الداعية لا يحسن القول فيها أو يقول قولاً يدل على جهله وسطحيته؛ الأمر الذي يمكن أن يفقده التقدير والعزوف عما يدعو إليه.

كما أنه أحد أهم وسائل الأخذ بيد الناس إلى الهدى وربطهم بالله سبحانه وتعالى وإرشادهم على مدى طلاقة قدرته التي تنطق بها آياته في الكون والكائنات.

بل إن المنهج الذي عرض به القرآن العقيدة هو ربط الناس بالكون والأمر بالنظر في آفاقه وبالمخلوقات والنظر فيما تحتويه من دلائل قدرة الخالق: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)، (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت)، (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)، (فلينظر الإنسان مم خلق).. إلى آخر الآيات التي احتلت من كتاب الله قسماً عظيماً.

كما أن من هناك الكثير من القضايا العلمية التي تجدُّ في حياة الناس -كالاستنساخ مثلاً- ولا يليق بداعية ألا يكون عارفاً بها وبحقيقتها.

الأمر الذي يُحتّم عليه قدرا من العلم بهذه العلوم وهناك كتب تصلح للتخصص وغيره في هذا المجال مثل:

- هذا هو علم البيولوجيا للمؤلف إرنست ماير، ترجمة عفيفي محمود عفيفي.

- الجينوم "السيرة الذاتية للنوع البشري" للمؤلف مات ريدل، ترجمة مصطفى إبراهيم فهمي.

- كوكب الأرض: نقطة زرقاء باهتة للمؤلف كارل ساجان، ترجمة الدكتور شهرت العالم.

- الكتب الثلاثة التي صدرت في سلسلة عالم المعرفة بأرقام 254، 257، 277.

سابعاً: الفنون والآداب:

فالإنسان عقل ووجدان وهو لا يستطيع أن قط أن يستغني عن أحد الأمرين فإذا لم يكن هناك توازن بين الجانبين فلا بد أن يكون هناك خلل في المنهج والسلوك على السواء.

وإذا كان الاهتمام بالجانب العقلي ضرورياً فإن إهمال الجانب الوجداني العاطفي يجعل الإنسان بلا روح ولا مشاعر، ومثل هذا الإنسان يكون أبعد ما يكون عن الصورة التي يريدها الإسلام بما فيها من توازن وتناغم وانسجام بين الجانبين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد التأثر بكل ما يؤثر في الوجدان ويحركه وقال: (إن من البيان لحكمة).

لذلك فإن صورة الداعية المتجهم الخشن الغليظ الذي يتعامل فحسب مع القضايا العقلية المنطقية، ولا يقيم وزناً للمشاعر والأحاسيس؛ صورة منفرة وبعيدة عن روح الإنسان ومنهجه.

والذي يتعامل مع الجانب الوجداني في الإنسان هو ما ينتجه ويبدعه من شعر ونثر وقصة ورواية وفنون بكافة أشكالها متقيدة بآداب الإسلام وقيمه.

ولهذا ينبغي على الداعية أن يكون ذا ثقافة معقولة في هذه الميادين فيكون لديه الرصيد من الشعر الجيد يقرأه ويتذوقه ويحفظ بعضه، وله رؤاه الفنية والنقدية، وله تذوقه للإبداعات الفنية كافة في شتى جوانبها التي يبيحها الإسلام، ولذا فيحسن به أن يجعل من وقته الثمين جزء لهذا الجانب فيتزود من الشعر ومن الرواية والقصة ومن المسرح الملتزم إلى غير ذلك.

ونرشح للداعية أن يقرأ في الشعر ما وسعته القراءة سيما شعر الفحول؛ فيقرأ المعلقات وديوان المتنبي، ومن الشعر الحديث يقرأ لمحمود سامي البارودي وشوقي وعبد المطلب والجواهري وأمثالهم، ويكون له كذاك في فن القصة والرواية، لاسيما لأدبائنا المبرزين أمثال طه حسين ونجيب محفوظ ومحمد عبد الحليم عبد الله، ويأخذ شيئاً من مسرح الحكيم وعبد الصبور والشرقاوي وما لا يدرك كله لا يترك جلّه..

وبعد فإننا لم نتقصّ المعارف التي يحسن للداعية أن يحصل قدراً منها يجعله قادراً على أن يقوم بدوره المنوط به على الوجه المأمول، وإنما أشرنا لما نراه مهماً، وإن كان هذا لا يمنع أهمية غيره.

كما أن ما أشرنا إليه من كتب ليس مطلوباً على سبيل النص والحصر إنما على سبيل المثال مع مراعاة المستوى، وهذه رؤية يسعدنا أن يدور حولها نقاش وأن يكون معها رؤىً أخرى. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.


* داعية ومحام مصري.