الصفحة الرئيسية

مناهضة الحملة الأمريكية

بحث متقدم

في حوار مع جون ريس رئيس التحالف البريطاني المناهض للحرب:

الاحتلال لا يعني التوقف عن الحركة

2003/06/25

 حوار/ داليا يوسف**

جون ريس

قد يقطب المرء جبينه ويرفع حاجبيه حينما يصادف في تصفحه لمواد إعلامنا العربي حوارًا أو تناولاً لشئون حركة مناهضة الحرب الأمريكية، متسائلا: أي حرب؟! ألم تنته؟! وربما تذكر أخبار وصور مئات الآلاف من البشر الذين خرجوا في عواصم الدنيا بملامح مختلفة ولغات شتى، رافعين شعار "لا للحرب على العراق"، وربما تذكر مشاركته في إحدى مسيرات بلاده حينما انتقلت لها حمى مظاهرات المناهضة التي اجتاحت البلاد على اختلاف أحوالها في المعيشة والحريات؛ إذ لم يحتمل ضمير العالمين هذه الادعاءات المفضية إلى حرب جائرة فخرج يعبر عما اعتراه في سلسلة من الشحن والتفريغ النفسي، وقد يتألم المرء أسفًا على هذه النوايا الطيبة التي لم تجد لها طريقًا إلى عالم الأعمال وتوارت أخبارها ومسيراتها أمام أخبار الاحتلال الأمريكي والداخل العراقي، هذا إذا ما وجد داخله قدرًا من الطاقة النفسية بعد مشوار الألم واللهاث في متابعة أخبار الحرب والخروج بأن الحياد أوفق حيث السلامة النفسية.

إلا أن ذلك كله ومع الاعتراف بحقيقته وإنسانيته وتعرضنا جميعًا لمثله بدرجات متفاوتة لا يمنع من وجود حقيقة تقول بأن شيئا ما يبقى، وأن تغييرًا ما في تركيبة من انفعل وشارك قد تم، ربما نجح البعض في مقاومة هذا التغيير ليعود إلى مسار حياته الضيقة، وربما غلب آخرين فخرجوا يبحثون عمن يستأنسون بهم في محاولات التفكير والفعل، وربما رسخ لدى البعض بحيث أصبحوا يرون أن ما حدث جولة ضمن الجولات، وأنه لا منطق للتوقف عن المناهضة؛ فأمريكا لم تكف عن عدوانها حتى يكف المناهضون عن مناهضتهم، إلا أن المراجعة لمنطق الرحلة الجديدة أصبحت واجبة.

بمثل هذه الهواجس والهموم سعيت لأن أجري حوارًا مع "جون ريس" أحد مؤسسي تحالف "أوقفوا الحرب" ببريطانيا، وهو باحث ورئيس تحرير مجلةSocial Review ، كان "ريس" ضيف أحد المؤتمرات بالقاهرة، وما يثير مخاوفك أن "ريس" من هذه النوعية من النشطاء الذين لا يمكن أن تخطئ دربتهم على الحديث للوسائل الإعلامية المختلفة بذات النبرة المتحمسة، بل ربما كرر ما يقوله عشرات المرات، وفي كل مرة يصلك شعورًا بأن ما يقوله إنما يذكره للمرة الأولى، وهو ما جعلني أؤكد على "ريس" أنني لا أهدف لمجرد حوار وإنما أمثل رغبة في التواصل مع خبرته وآرائه على خلفية تجربتنا هنا في ساحة مناهضة الحرب (ضد الهيمنة حاليا) على موقع إسلام أون لاين.نت.

* كيف يمكنك أن تقيم أداء حركة مناهضة الحرب في الفترة الأخيرة وخاصة أثناء الحرب في العراق؟ وبشكل عام ما هي النجاحات والإخفاقات التي واجهت الحركة؟ وهل تراها تحتاج إلى أي قدر من المراجعة؟

- النتيجة التي يمكن الوصول لها من خبرتنا هي: ليس كل شيء بهذه الدرجة من السوء، وليس لأن الحرب ضد العراق قد انتهت فلا يوجد المزيد مما يمكن فعله، إننا نعتقد أن مناهضة احتلال العراق ومناهضة خطط الولايات المتحدة لمزيد من الهجوم والاعتداء ضد دول مثل سوريا وإيران تظل شديدة الأهمية، ولكننا نحتاج لفعل المزيد، إننا نحتاج لأن تستهدف التأثير بشدة في الاتحادات العمالية ببريطانيا والتي بها 7 ملايين عضو وهو مكان جيد لبناء حركة قوية حية تضم حركة يمكن الاستعانة بها في الانتخابات النقابية كأحد أسلحتها، ونحن نؤمن أننا بحاجة إلى بناء تحالف ليس "تحالف أوقفوا الحرب" ولكن ربما يكون من بعض المنتمين له الأول في مبادرة لكسر استبداد حزب العمال وأثر سياسته على المجتمع بشكل واسع.

* لقد سألتك عن النجاحات والإخفاقات؛ لأننا واجهنا بالعالم العربي قدرا كبيرا من الإحباط بعد بداية الحرب (أعني بين من آمنوا بإمكانية الوقوف أمامها).

- بالطبع لقد عانى الناس من قدر كبير من الإحباط بسبب عدم تمكنهم من الحرب، ولكن درجة هذا الإحباط قد تقلصت كثيرا بفضل تنظيم الحركة، ولو كانت حركة مناهضة الحرب أضعف من ذلك لانعزل الناس أكثر كأفراد، وبالطبع فإن حجم آلة الحرب كان هائلا؛ فالتلفزيون يقول.. الأجهزة الحكومية تقول.. والصوت البديل ليس بهذه القوة الكافية، ولكننا محظوظون حيث ان الحركة بهذه القوة وحتى اليوم الذي سقط تمثال صدام في بغداد كنت أنا وعضو آخر بحركة مناهضة الحرب ضيوفا في برنامج تلفزيوني نحاول أن نعطى وجهة نظر مختلفة، وهو ما أعطى الحركة قوة، بل الحقيقة إننا كنا هناك لأن الحركة قوية بالفعل وقد دعمنا وجهة النظر التي تساعد في تجميع الحركة وخلق الوعي.

* كيف تجد المرحلة الجديدة لحركتكم والتي أطلقتم عليها" مناهضة الاحتلال" ما هي أهدافها، وبرامجها، وخطواتها التكتيكية؟ وكيف يمكنكم التعاون مع منظمات ومؤسسات أخرى؟ وهل هناك ترتيب خاص فيما يتعلق بالعراق في الداخل؟

- بوضوح الأولوية هي لخلق الأجواء السياسية التي تصعب من احتفاظ الحكومة بالقوات البريطانية في العراق فترة أطول من ذلك، والحكومة تعاني بالفعل من مصاعب، فالبرغم من ظنها أنها ستحظى بتأييد واسع بعد حرب العراق في الانتخابات المحلية الأخيرة فإنها خسرت 800 مقعد أي حوالي 30% من التصويت، لقد ظنوا أنه بعد سقوط العراق سيحظون بشعبية أكبر إلا أن العكس هو ما حدث، لقد استقالت الوزيرة "كلير شورت" متهمة بلير بالكذب فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل في العراق، وعليه فإن الحكومة بالفعل تواجه صعوبة حقيقة.

* أود أن أسأل هل موقف "كلير شورت" هو موقف شخصي أم أنه جانب من الأثر الذي أحدثته الحركة –أعني التأثير على المستوى الرسمي؟

- موقف "كلير شورت" ناتج عن أثر الحركة على مستوى السياسة الرسمية في البلاد، وقبل الحرب لوحت كلير شورت بالاستقالة، ولو فعلت فإننى أعتقد أن الحكومة البريطانية ما كانت لتستطيع الذهاب للحرب، كانت ستخسر اثنين من وزرائها "كلير شورت" و"روبين كوك" وتراجع " شورت" أغضب كثيرين في الحركة ولكن ها هي قد فعلت، وهو ما يحدث انشقاقات داخل الحكومة البريطانية، ودورنا هو العمل على توسيع هذه الانشقاقات.

- وعودة للسؤال عن طبيعة المرحلة الجديدة -مناهضة الاحتلال- أقول كما ذكرت فإننا سنعمل جاهدين على مستوى الاتحادات العمالية محليا ودوليا لزيادة الأعضاء المهتمين للحركة، إننا بالفعل لدينا ما يقرب من 11 اتحادا عماليا يدعموننا، ولكننا نعمل على أن نزيد من مشاركة الاتحاد في التحالف، فإننا عقدنا سلسلة من اللقاءات والمسيرات الناجحة في عدد كبير من المدن عبر البلاد، وكثير منهم كان يضم أعدادًا أكبر من التي انضمت إلينا قبل بداية الحرب، وكان هناك لقاء يضمني وجورج جالواي وكان الأكبر من نوعه منذ 15 فبراير، وهو ما يعد أمرا بالغ الأهمية، ذلك أن تؤكد للناس أنك لم تستسلم، وفيما يتعلق بالعراق فإننا نرغب في تنظيم وفد قد يضم عددًا من النشطاء للسفر للعراق والوقوف على طبيعة الأمور هناك ودعم الناس، وربما بين بعض الجهات التي تتعاون معها في هذا الشأن.

* ما هي آخر تطورات قضية جالواي؟ وكيف ترى التهديدات التي مورست ضد الشخصيات المناهضة للحرب في بريطانيا والولايات المتحدة؟ وما الذي تتوقعه في مواجهة ذلك؟

- إنني غير مندهش مما حدث، فحينما تبني حركة جماهيرية كادت أن تعصف بالحكومة فعليك أن تتوقع أن يكونوا شديدي الغضب نحوك وربما كان أمامهم خيار أن ينسوا أمرنا، ولكن الموقف بالنسبة لهم ساء كثيرا فلم يستطيعوا النسيان أو التسامح بشأنه، ولهذا كان فعلهم تجاه جالواي شديد القوة، إنه مدان من قبل حزب العمال لأنه وصف بلير وبوش بالذئاب، ولقوله بأن الجنود البريطانية عليهم ألا يطيعوا الأوامر فيما يتعلق بالحرب ضد العراق وهو لم يعتذر ولن يعتذر عما قال لأنه محق فيما ذهب إليه.

كما أن "شورت" قالت بأن الاحتلال غير شرعي فلماذا لم يتم مساءلتها، والشيء الآخر الذي أدانه كان الادعاء بأنه تقاضى أموالا من صدام وذلك بناء على وثائق كشفت عنها في العراق، وقيل بأنها قدمت من قبل مسئول عراقي عسكري، إلا أن الشخص نفسه كان قد حاول تسليم وثائق إدانة أخرى تخص قضية جالواي، ولقد تبينت أن هذه الوثائق مزورة وهناك خبير الوثائق من Scotland Yard  أكد على أنها مزورة؛ وهو ما يسهل دحض بقية التهم فالأمور بدأت تسير إلى الأفضل فيما يتعلق بقضية جالواي.

* كيف تجد التغطية الإعلامية: العربية والغربية لكل من: الحرب ضد العراق، أنشطة وأحداث مناهضة الحرب للعراق، ما بعد الحرب، وهل هناك قنوات للإعلام البديل التي يمكن أن تقدم صورة مختلفة؟

- لا أعتقد أنني شاهدت ما يكفى من التغطية الإعلامية في العالم العربي للحكم عليها، وفيما يتعلق بالتغطية الإعلامية في بريطانيا فإن تغطية الـ BBC على وجه الخصوص كانت تتميز بحملة منظمة لتهميش آراء مناهضة الحرب، فلم تكن هذه التغطية ممنوعة ولم يكن هناك مانع رسمي قضائي يمنع متابعتها لأنشطة مناهضة الحرب.

- ولكن على سبيل المثال في الوقت الذي اقتربت نذر الحرب كان 80% من مواطني بريطانيا ضد الحرب، ولكن وبكل تأكيد لم تكن 80% من التغطية الإعلامية تعكس وجهة النظر هذه والمناهضة للحرب، لقد اختارت البي بي سي أن تتبنى القول بأنها ليست مع الحرب وليست ضد مناهضة الحرب، وأنها تغطي الجانبين ولكن دون أن تذكر حقيقة أن الحكومة إنما مثلت وجه نظر 20% من المواطنين، بينما كان مناهضو الحرب يمثلون 80%، وبالتالي فقد أخلوا بالتوازن الخاص بالتغطية لصالح الأقلية والتي هي الحكومة وكانت هذه الطريقة التي طالما استخدموها.

* وماذا عن تغطية أحداث الحرب ضد العراق؟

- لقد كان ذلك مدهشا حقا فعندما سقط تمثال صدام كانت هناك تغطية مميزة وغير نقدية أو متسائلة كأنها تقول انظروا كم الناس ضد صدام، لقد كانت تغطية متكررة، فيوما بعد يوم كان نفس المشهد يعاد، والآن فإنه يوميا توجد مظاهرات في العراق ضد الاحتلال الأمريكي، ولكنهم يقومون بتغطية بطيئة وعدائية، وغير متكررة ويعرضون بعدها مباشرة أحد المتحدثين الأمريكية ليقدم وجهة النظر الأخرى، وهكذا فهذه هي الطريقة التي يتم بها إخراج الأخبار التي نحصل عليها.

* هل هناك أي قنوات إعلامية بديلة تحظى بشعبية كافية؟

- ليس بالضبط فهذه القنوات تملكها شركات ضخمة وتحتاج لمبالغ وأموال طائلة، وفي بريطانيا هناك 4 محطات رئيسية، ويتابع الناس قمرين فضائيين بجانب قناة CNN وSky ولكن الصحافة المطبوعة أفضل لدينا.

* ولكن ألا تعتنوا بأي من القضايا الداخلية حتى تثيروا اهتمام الأشخاص العاديين؟

- الكثير من الناس داخل التحالف -مثلي- مهتمون ونشطون في عدد من القضايا الأخرى مثل اهتمامهم بالتحالف بالرغم من أن الوقت صار ضيقا جدا لممارسة كل شيء، ولكن بعض الأشخاص يمارسون ذلك عبر عدد آخر من المنظمات والمؤسسات، ولكن المهمة الأساسية للتحالف مركزة على القضايا التي طرحها فقط من مناهضة الحرب والهيمنة.

* كيف تجعلون من الأشخاص العاديين نشطاء ومهتمين بهذه القضية؟

- إن ذلك يتم بالطريقة الوحيدة المجربة والناجحة لأي حركة تهدف للتغيير والتأثير وذلك بأنه على الشخص أن يعمل بالنقاش والإقناع على جعل شخص آخر يهتم بما يقول، وهناك وسائل محدودة هي التي تسبب نجاح هذه الطريقة وهي التفاعل المباشر بين الناس، وهناك المطويات والدعاية المكتوبة والملصقات.. كل هذه أشياء مهمة لأن البعض قد يأخذها ليقرأها في الحافلة.. على الأقل سيرغبون في التعرف أكثر على الحركة أو ربما سيسمعون عنها من المتحدثين باسمها في وسائل الإعلام الجماهيري مثل الراديو والتلفزيون، وذلك رغم أني أعتقد أن ذلك قد يخلق لديهم وعيا أكبر، ولكنه لن يقنعهم أن الأمر تماما مثلما يحدث هنا فإنك تجري مقابلة في الوسائل الإعلامية في دقيقتين وينتهي الأمر.

وفي بريطانيا فإن الصحافة مهمة للغاية ولكن الطريقة الأساسية لبناء هذا التحالف هي تنظيم المسيرات والتظاهرات؛ لأن ذلك يعكس أن لك أنصارًا يساندوك ويجعل الناس منفتحين على النقاش ولديهم ثقة كبرى بإقناع غيرهم ويمكن اقناع الآخرين عبر مؤسسات متواجدة مثل الاتحادات العمالية حيث يتوقع وجود تعاطف لدى المهتمين.. هناك أشياء بسيطة كثيرة يمكن فعلها ولكن إذا تمت بشكل مؤثر وجيد فستحدث تغييرا.

* إذن ما هي نصيحتك حيث إننا نمر بظروف مختلفة ببلادنا؟

- يجب أن تعملوا بشكل أكثر حرصا، ربما يكون العمل عبر جماعات النقاش والحلقات غير الرسمية أفضل من العمل عبر التظاهرات العامة واللقاءات بدلا من المسيرات، ففي تلك الظروف تكون هذه الطرق هي الفضلى للوصول إلى الناس، وكثيرا ما ردد لي الجميع هنا أن التحمس بشدة ثم الإحباط هي سمة غالبة للمصريين، ولكني كنت أجيب دائما أنها ليست سمة المصريين فقط، فنفس الشيء يحدث في ألمانيا وإندونيسيا، إنها الطريقة التي ينجح بها القهر في دفع الناس بعيدا عن تنظيم أنفسهم والفعل، ولأنك حينما تنجح في وقف تجميع الناس لبعضهم البعض فإن ذلك يحطم معنوياتهم وهوما تفعله الحكومات.

* ماذا عن العرب والمسلمين في بريطانيا ودرجة تعاونهم مع التحالف؟

- المجتمع المسلم في بريطانيا والمساجد هناك تعد أحد أعمدة الحركة منذ بدايتها؛ فالتحالف له ثلاثة عناصر أساسية: اليسار - الاتحاد العمالي – المسلمون.

وهذه العناصر قد تجمعت بالرغم مما تعرفينه من قدر الاختلافات بينها، وكان عملهم معا مثمرًا للغاية، وكل شخص كان يفهم جيدا أن وحدتنا تستحق أن نحارب من أجلها، وذلك لأن هذه الوحدة هي السبب في أن تلتفت الحكومة لنا وترى فينا شيئا من القوة بل وأن يسمعنا أي من الناس، تعرفين إذا كان لدينا أحد المنابر ولدينا زعيم لحركة عمالية وشخص مثلي وأخرى ترتدي مثلك -يقصد حجابي!- فإن هذا شيء مهم، إنه يجعل الآخرين يدركون حقيقة العمل الذي تقوم به.

اقرأ أيضًا:


** المحررة الثقافية بموقع إسلام أون لاين .نت - القسم الإنجليزي


:شارك في تحرير أبواب الملف على

stopthewar@islamonline.net


 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع