الصفحة الرئيسية

مناهضة الحملة الأمريكية

بحث متقدم

الحرب خدعة لفظية

2003/05/03

حوار: كيري كانديل*
ترجمة: راشدة رجب **

طارق أيوب مراسل الجزيرة الذي استشهد بالعراق

قرب نهاية عمله كمراسل حربى للنيويورك تايمز في أرض المعارك في السلفادور وجد كريس هيدجز نفسه يقفز من فوق طاولة شركة "ك.ل.م" لمهاجمة موظف حجز تذاكر طيران أهانه. وقد غرز الموظف قلمًا جافًا في وجنته، وسافر هيدجز بالطائرة إلى مدريد بدم جاف على وجهه رفض أن يزيله حتى يظل يتذكر الحادث. إنها أمراض الحرب النفسية كما يطلق عليها هيدجز جاءت إلى أرض الوطن (الولايات المتحدة الأمريكية).

كان ذلك في عام 1988. وقد أمضى هيدجز عدة سنوات بعد ذلك التاريخ في الحرب وأمضى قريبًا منها في البوسنة، والحروب الأهلية في السودان، والجزائر، واليمن، والضفة الغربية وغزة، وحرب الخليج، وغيرها. وأسرته قوات الحرس الجمهورى في العراق وقبض عليه الجنود الصرب والإسرائيليون، وحرمته المدفعية الثقيلة من النوم في سراييفو. وفي كتابه الذي نشر مؤخرًا "الحرب قوة تعطينا معنى" يروي هيدجز قصة معركته التي دامت 15 عامًا مع ما يطلق عليه الآن إدمان وأسطورة الحرب.

تدور الحرب حول هزيمة العدو، ولكن بالنسبة لهيدجز فالحرب جذابة ترفع إلى درجة النبلاء ومهلكة ومفسدة كلية لكل من يتنفس كآبتها. والحرب يمكن أن تعطي شعبًا دولة والقبائل والجنود والصحفيين إحساسًا بهدف يعيشون من أجله؛ ولهذا فهي حيلة رائعة -يحلق المرء عاليًا وتتشوه الرؤية ويصبح تناول العالم سهلاً.. لفترة من الوقت. "اليقين الأخلاقي للدولة في وقت الحرب" كما يقول هيدجز يطرد عدم الثقة بالنفس والإعلام غالبًا يساير الركب.

ولأنه تربى على أيدي أب قس بروتستانتي يؤمن بالسلام وأم درست أيضًا علوم اللاهوت تبع هيدجز خطواتهما إلى مدرسة هارفارد اللاهوتية في وقت كان يبحث فيه عن كل من الحكمة الدينية والمعركة الملحمة، وهو صراع قوى في تاريخ معظم التقاليد الدينية. ووجد حربه الإسبانية الأهلية في وسط أمريكا في الثمانينيات. وفي الأسبوع الماضي تحدث عن تجربته، والحرب في العراق حيث قتل أكثر من عشرة صحفيين والحروب التي غيرته والندب التي ما زالت واضحة.

* كتبت أن الصحافة غالبًا ما تشترك في جريمة إبقاء أسطورة الحرب حية وبصحة جيدة.. هل رأيت هذا النوع من صناعة الأسطورة في التقارير الصحفية عن الحرب في العراق؟

- نعم أعتقد أنها تتميز بشدة التقارير عن الحرب. هذه حرب، ربما تكون أكثر من حرب الخليج، تدمج التسلية بالأخبار والجرافيك والخرائط الكبيرة والأوقات الطويلة من البث الحي خارج السياق. إنه صندوق مغرٍ (التليفزيون) يجعل الناس يظنون أنهم يفهمون الحرب، ولكن ما هو إلا فهم زائف. والمعلقون من العسكريين المتقاعدين الذين يتكلمون دون نهاية عن الزهو والقوة لجيشنا وبشكل خاص نظام تسلحنا، يشاركون في فكرة تناول الحرب كرياضة لها جمهور أو لعبة من ألعاب الفيديو. وهذا بالطبع ليس له علاقة بحقيقة الحرب.

اللغة ذاتها كما يحدث مع كل حرب تفوح منها رائحة الانحياز. بها كلمات تجرد العراقيين من آدميتهم تطلق على فرق العصابات الصغيرة، مهما ترى صدام حسين فإنه يقاوم قوة غازية، جماعات الموت الإرهابية. هناك فساد لغوي كامل، وافتقاد للمعلومات التي نتلقاها للسياق السليم، ورد فعل مقلق لقوة أسلحتنا.

* لا يبدو أنك معجب بالصحفيين المصاحبين للجيش.

- ليس لدي أي مشكلة مع الصحفيين المصاحبين. هذا جزء من تغطية الحرب. مشكلتي تأتي عندما يغلقون على فهمنا للحرب، سيكون لدينا صورة مشوهة جدًّا للحرب. أنت تحتاج إلى تقرير صحفي جيد ومستقل لا يخضع لسيطرة عسكرية. المشكلة مع هؤلاء الصحفيين ليس فقط أنهم يعتمدون على كل احتياجات إقامتهم من الجيش بما فيها وسائل مواصلاتهم وطعامهم وأماكن نومهم والشيء الأكثر أهمية وهو أمنهم، ولكن هناك اندماجا طبيعيا بينهم وبين الوحدة التي يصاحبونها؛ ولهذا سيكون لديك إحساس مشوّه بالحرب إذا كان هذا كل ما تراه وهذا فعلاً كل ما نراه.

وعندما تسير الأمور كلها بشكل خاطئ لن يأخذ الجيش الصحفيين لالتقاط صور تعبر عما يحدث. فالبروباجندا مكون أساسي للحرب. وهذه الحرب حققت نجاحًا رائعًا للجيش من هذه الناحية ولسوء الحظ فشل ذريع للصحافة الأمريكية.

* وما رأيك في الصحفيين الذين لا يصحبون القوات.. هؤلاء الذين يراسلون من بغداد؟

- لا يمكن أن تعمل من بغداد. فقد عملت في العراق والحقيقة أنه من الصعب جدًّا التحرك في بغداد. فلا يمكن أن تكون حرًّا في العمل هناك؛ لأن العراقيين يسيطرون بشدة على ما يراه الناس والأماكن التي يستطيعون الذهاب إليها. ومن المهم أن يذهب بعض هؤلاء المراسلين إلى المستشفيات ومناطق أخرى. وفكرة أن العراقيين يسمحون للصحفيين بالقيام بدورهم كما يريدون فكرة خاطئة.

* وهناك العديد من الصحفيين في العراق اليوم لديهم -أستميحك عذرًا في التعبير- صدمة ورعب بسبب ما يرونه. وهم بمعنى الكلمة في حالة إثارة نتيجة الحرب. وهذا يذكرني بفكرتين رئيسيتين من أفكار كتابك "الحرب قوة تعطينا معنى" بالتحديد أسطورة الحرب وإدمان الحرب. ما هذه الأساطير؟ وما هو إدمان الحرب؟

- نعم الحرب إدمان. ولكوني مراسلاً سياسيًّا منذ سنوات بعيدة أعرف أن الحرب تصيب بالإدمان؛ ولهذا يذهب العديد من مراسلي الحرب من حرب إلى حرب إلى حرب ونادرًا ما يعملون بين حرب وأخرى. بنفس الطريقة التي يبدأ بها الجنود القتال يندفع الصحفيون وكأنهم تناولوا الأدرينالين (عقار يستخدم منبه للقلب) إلى حياة الحرب ذات الشحنات الكهربية العالية. وهو أسلوب غير صحي مطلقًا للحياة.

ولكنه أسلوب اعتاد عليه رجال الإطفاء والشرطة والجنود ومراسلو الحرب. إنها ظاهرة متكررة.

* ما هي الصفات التي تجعل هذه الحياة جذابة إلى هذا الحد؟

- بعض الأشياء التي يقولونها لك عن الحرب حقيقية. فالألوان أكثر لمعانًا، والذهن أكثر تحررًا وانطلاقًا، وأنت متيقظ وواعٍ بطريقة لم تحدث من قبل. فالحرب هي "الزنية" (فرقة بوذية تؤمن أنه بميسور المرء أن ينفذ إلى طبيعة الحقيقة عن طريق التأمل). وهذا صحيح. وهي مفزعة ومبهجة في ذات الوقت بشكل لا يصدق.

* إذا كانت الحرب إدمانًا.. فكيف يهزم فرد أو ثقافة هذا الإدمان؟

- الدواء الوحيد هو الحب. هو القوة الوحيدة التي يمكن أن تخضعك إلى درجة أنك لا تستطيع الذهاب إلى الحرب. فمن الناس الذين رأيتهم ولديهم قدرة كبرى على مقاومة جاذبية الحرب الأزواج والزوجات المرتبطون بعلاقات حب قوية. حيث لا يخدعهم الخطاب القومى أو دقات طبول الحرب؛ ولهذا كما حدث في البوسنة أو في الحرب العالمية الثانية في فرنسا، فإن من أنقذ الأقليات المضطهدة هم دائمًا الأزواج. وهؤلاء الذين يجدون الجاذبية الكبرى للحرب هم الأفراد الذين يعانون الوحدة أو العزاب.

* هل هناك صفة نوعية لمن تجذبهم الحرب؟

- أعتقد أنه بشكل عام النساء أكثر حساسية لغريزة الأمومة، وافتقاد البراءة أو تشويه وقتل الأطفال.. إلا أن هذا اعتقاد تقليدي، فالنساء يستطعن القتل بهمة تمامًا مثل الرجال. ورأينا ذلك بوضوح في رواندا.

* في كتابك لم تمانع من استخدام لغة الكتاب المقدس، عن الخلاص والفضيلة والتسامح.. كيف يتلاءم هذا النوع من اللغة مع تجربتك وحقيقة الحرب؟

- كنت أذهب إلى معهد لاهوتي. ووالدي كان قسًّا ووالدتي تخرجت في معهد لاهوتي وتربيت في الكنيسة؛ ولهذا فهي لغة أستريح إليها. فقد تدربت على التفكير اللاهوتي وأعتقد أني ما زلت كذلك. أحاول أن أقلل جدًّا من استخدام هذه اللغة، ولكنها عنصر مهم جدًّا من أسلوب رؤيتي للعالم وللحياة.

* يستخدم جورج بوش أيضًا لغة ووصف الكتاب المقدس، خاصة في خطابه الشهير "محور الشر".. كيف ترى استخدامه للغة المتأثرة بالدين؟

- عندما يستخدم جورج بوش لغة الكتاب المقدس فهي ترعبني. أعتقد أن أي شخص يشعر أنه يفهم إرادة الله ويستطيع أن يعمل كممثل له هو شخص خطر؛ ولهذا فالجماعات المنظمة ضدنا خطرة جدًّا. فعندما يوظف الناس لغة الكتاب المقدس أو اللغة الدينية لتقديس الحرب أو السلوك الإنسانى أصاب بالرعب.

*منح اثنان من جنود مشاة البحرية المواطنة بعد وفاتهما.. هل هذا نوع من صناعة الأسطورة أيضًا، أي وسيلة لتقديس الحرب؟

- أعتقد أن منح المواطنة بعد الوفاة يشير إلى أن هؤلاء الذين يحاربون ويموتون على ضفاف الفرات هم أساسًا الطبقة الدنيا، والذين ليس لديهم حقوق المواطنة الكاملة والأقليات والمهاجرون؛ لأن أبناء وبنات الطبقة الوسطى لا يلتحقون بشكل عام بالقوات المسلحة. فلدينا في الأساس جيش من المرتزقة. وهؤلاء ليس لديهم تأثير من الناحية السياسية؛ ولهذا ينظر إليهم كمستغلين. فالباعث على الالتحاق بالجيش في معظم الحالات هو أنها الطريقة الوحيدة التي تمكن من الحصول على وظيفة وتأمين صحي.

وأنا مع مشروع القانون. فتكوين الجيش، من الفقراء أساسًا، يجعل من الأسهل شن الحرب. إذا كان لدينا مشروع قانون لَسأل الناس العديد من الأسئلة عن هذا الصراع وربما ضغطوا بشدة لإنهائه.

* جزء من الحكمة التقليدية التي جلبتها حرب فيتنام أن الشعب الأمريكى لن يقبل أعدادًا كبيرة من الخسائر البشرية. ربما يكون هذا حكيما من الناحية السياسية، ولكن هل تعتقد أنه سليم من الناحية الأخلاقية عندما يؤدي إلى التركيز على حرب عالية التقنية تبيد من السماء؟

- بالطبع إذا استخدمت التكنولوجيا العسكرية لشنّ حروب غير متوازنة حينذاك فسيتوقف الناس عن السؤال: لماذا كان يجب أن تشن هذه الحروب؟ وماذا يحدث باسمهم؟ وهذا جزء من المشكلة. فقد بعنا للشعب الأمريكى هذه الفكرة (المغلوطة) عن الحرب الأخلاقية. سندفع ثمن ذلك والدروس نأخذها من التاريخ. وأسلحتنا لن تحصننا. وربما نرى ذلك في بغداد. إذا وجدت مقاومة -ورأينا ذلك في مقديشيو- لن تساعدك كل صواريخ كروز إذا أردت أن تسيطر على ساحة مدينة.

لا تهم قوة جيشك، عندما تحتل دولة أو شعب لا يريدك سيعانون خسائر بشرية أكثر منك. أعداد القتلى ستكون غير متكافئة، كما حدث في فيتنام ولكنهم سيستنزفونك. هذا بالتأكيد ما يحدث للإسرائيليين، وأعتقد أن هذا ما يمكن أن يحدث لنا في العراق إذا تحولنا إلى قوة مستعمرة ويبدو أننا سنتحول.

* هذا يأخذنا للسؤال التالى: قد أمضيت وقتًا طويلا في الشرق الأوسط تعرف البلاد والشعوب.. ماذا من المحتمل أن يحدث في عراق ما بعد الحرب؟

- يرجع ذلك إلى كيف سنرى العراق. إذا رأينا العراق كمحمية أمريكية، إذا أقمنا دولة تابعة ترقص على نغماتنا ولا تمثل آمال الشعب العراقى، إذا رفضنا أن نقيم نظامًا مفتوحًا إن عاجلاً أو آجلاً فسنقع في مشكلة كبيرة. أخشى من المستقبل وأشعر أنه قد يتسم الوضع بالفوضى والخطورة الشديدة إذا لم نخرج من هناك بسرعة جدًّا.

* سؤال أخير: ماذا فعلت لتهزم إدمان الحرب؟

- لقد كان أمرًا بالغ الصعوبة؛ لأن الحرب أعطتني شخصيتي وكياني. وأحصل من خلالها على مرتبي من الصحيفة. نجوت من هذا النوع من الحياة. أصبح أصعب وأصعب أن أكون في الحرب. مثل أي نوع من الإدمان بدأ المخدر في تدميرك وقتلك، كما شهدت الكثير من القتل العنيف جدًّا. كنت أنهار، أنهار نفسيًّا وجسمانيًّا وكان عليّ التوقف.

أدركت أن عليّ الاختيار في النهاية بين أن أتحرر من هذا النوع من الحياة أو أتركها تهلكني مثلما تفعل الحرب دائمًا. لكن هذا كلام، فقد استغرق الأمر وقتًا طويلاً ولم يكن سهلاً. كانت طريقة مبهجة جدًّا للحياة. وكنت شخصية مهمة كمراسل للنيويورك تايمز في سراييفو. يتطلع إليك الناس ويؤمنون بما تقوم به. وما زلت أؤمن بهذا الدور. أعتقد أن ما يقوم به المراسلون الحربيون مهم، وأحب شجاعة وأمانة الجيدين منهم. وفي ذات الوقت فالأمر له جانب حالك السواد وعلى المرء أن يحمي نفسه منه. وبصراحة وصلت إلى مرحلة شعرت فيها أني قمت بهذا الدور لمدة طويلة جدًّا وأجبرت نفسي على التوقف. وتوقفت.

* إذن لا ترغب في الذهاب إلى العراق؟

- لا، مطلقًا.


* المحاور: كيري كانديل مؤرخ وكاتب ومؤلف موسيقى. كتابه الأخير "الاتجاه نحو العظمة: الأمريكيون الأفارقة من الهجرة الكبرى إلى النهضة". ويعمل الآن في كتاب بعنوان "مدن الستينيات الصغيرة: الثورة والتحول في خلفيات المجتمع الأمريكي". يعيش بكاليفورنيا
** المترجمة: صحفية مصرية


:شارك في تحرير أبواب الملف على

stopthewar@islamonline.net


 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع