في
عملية التنقيب التاريخي عن أبرز نماذج
مقاومة التغلغل الاقتصادي الذي صاحب
الهجمة الاستعمارية على العالم
الإسلامي تبدو التجربة الإيرانية تجربة
متفردة للغاية وذات خصوصية كبيرة،
وخصوصيتها نابعة ليس فقط من عمقها
التاريخي الضارب بجذوره إلى القرن
التاسع عشر إبان "ثورة الدخان"
واستمرار تواصلها الجهادي الرائع على
مدار القرن العشرين، وإنما خصوصية
التجربة نابعة من كون التصدي للهجمة
الاقتصادية الاستعمارية كان ملمحًا من
أبرز ملامح الحركة الوطنية الإيرانية
تمايزت به عما سواها من الحركات الوطنية
الأخرى في الدول المجاورة، هذا فضلاً عن
أن الوطنيين الإيرانيين أدركوا التلازم
القائم بين الهجمة الاقتصادية الغربية
وبين تهديد الذات الحضارية والهوية
الوطنية الإيرانية.
وقد
عبر عن هذا التلازم الإمام الخميني في
خطبه، كما ظهر جليًا في كتابات أبرز
مفكري الثورة الإسلامية مثل الدكتور
علي شريعتي والحسن بني صدر. ولعل هذا
التهديد للذات الحضارية هو ما دفع
الثورة الإسلامية أن تحرص على تبني فكرة
"النموذج البديل" حفاظًا على الذات
الإيرانية من الذوبان في بوتقة الآخر.
ومن
المهم أن نوضح أننا لا نتبنى "النموذج
الإيراني" باعتباره النموذج المقترح
للتغيير أو باعتباره نموذجًا قابلاً
للمحاكاة، وإنما نطرحه باعتباره تجربة
تاريخية استهدفت الانعتاق من سيطرة
الآخر، ونجحت في تقديم البديل المستمد
من الأنا الحضارية، أما الحكم على هذا
البديل، ومدى نجاحه أو إخفاقه فهو متروك
للتاريخ ليحكم عليه وليس لنا.
ويجب أن نشير إلى أننا لم نعن بسرد
تاريخ إيران المعاصر وفق منهج السرد
التاريخي وإنما توقفنا فقط عند الأحداث
ذات الدلالات الخاصة والمتعلقة بتاريخ
التصدي للهيمنة الغربية.
إذا
حاولنا أن نجمل في عبارة واحدة أبرز
خصائص حكم "الشاهنشاهيين" (الملوك
الإيرانيين) على امتداد القرن العشرين
لأمكننا القول بأنها التبعية للغرب
والسماح بتغلغل النفوذ الأجنبي في
البلاد، فقد باعوا ثروات البلاد
ومرافقها للأجانب لقاء أثمان بخسة
ليواصلوا بها حياة التفسخ والبذخ في
القصور، ومع تبلور الوعي الشعبي
واستشعاره الخطورة المتوقعة على
الاقتصاد الإيراني والناجمة عن التغلغل
الأجنبي حيث كانت البذرة التي غرسها
الأفغاني ما زالت تؤتي ثمارها لذلك كان
من الحتمي التصدي لتلك الهجمة؛ ففي عام
1905 ثار الأهالي في وجه الامتياز الذي
منحه الشاه للروس بإنشاء بنك الإقراض
الروسي فقاوموا بناءه بالقوة ونجحوا في
إيقافه؛ وهو ما اضطر الشاه أن يدفع
تعويضًا للحكومة الروسية نظير عدم
إتمام مشروع البنك.
واندفع
الأهالي في تظاهرات ضخمة شكل التجار
السواد الأعظم منها؛ إذ إنهم قد تضرروا
بشكل مباشر من التسهيلات التي منحها
الشاه للأجانب، والمتمثلة في الإعفاءات
الضريبية والجمركية والسماح لهم
باستخدام الطرق دون رسوم؛ وهو ما أثر
بالسلب على الصناعة الوطنية الإيرانية،
وأثناء التظاهرات تم التنديد بالوجود
المتنامي للأجانب في البلاد، ورفع
التجار بياناً إلى الشاه نشرته الصحف
جاء به أن سياسات الحكومة الاقتصادية
والقائمة على مساعدة التجار والدائنين
الروس سوف تعكس كارثة، وأن على الحكومة
أن تحمي أصحاب الأعمال الوطنيين ولو لم
تكن منتجاتهم بجودة منافسيهم الأجانب،
أما إذا استمرت الحكومة في سياساتها فإن
الاقتصاد الإيراني سوف يدمر تماما.
ومع
استمرار التجاهل الحكومي لما جاء في
بيان التجار تجددت التظاهرات مرة أخرى
في أواخر العام وهتف المتظاهرون بإبعاد
الأجانب وإلغاء الامتيازات الأجنبية
الممنوحة لهم وفي خطوة للضغط على
الحكومة اضطر التجار إلى إغلاق متاجرهم،
وإعلان الإضراب العام، والاعتصام في
المساجد بعد أن انضم إليهم رجال الدين
الشيعة؛ وهو الأمر الذي دفع الشاه إلى
مقابلتهم والاستماع إلى مطالبهم.
خاض
الإيرانيون معركة أخرى أكثر ضراوة في
منتصف القرن ضد الوجود الاستعماري
الاقتصادي المتمثل في شركة النفط
الإنجليزية التي كانت تعرف باسم "شركة
النفط الأنجلو إيرانية"، وقد احتكرت
الشركة إنتاج النفط في جنوب إيران الذي
كان يعادل أكثر من نصف إنتاج بترول
الشرق الأوسط، وامتلكت الشركة مصفاة
تكرير عبدان التي كانت تعد أكبر مصفاة
لتكرير البترول في العالم. وعلى الرغم
من إنتاج الشركة الضخم من البترول فإن
أكبر مبلغ حصلت عليه الحكومة الإيرانية
من الشركة الإنجليزية لم يتجاوز الستة
عشر مليون جنيه إسترليني وذلك في عام 1950،
وهو مبلغ ضئيل للغاية مقارنة بعوائد
الشركة. ومما زاد الأمر سوءا أن الشركة
سيطرت على الاقتصاد الإيراني تمامًا
وغدت بمثابة دولة داخل الدولة فأنشأت
جهاز مخابرات خاصا بها، وأعطت نسبة من
عوائد البترول لكبار الساسة ولشيوخ
العشائر في الجنوب لضمان الحصول على
ولائهم، وتدخلت في الشئون الداخلية
لإيران.
إزاء
كل هذا كان من الضروري أن تطالب الحركة
الوطنية الإيرانية بتأميم البترول
الإيراني وأن تصبح عائداته ملكًا للشعب
الإيراني، وقد بدأت الحركة الثورية
لتأميم البترول من مدينة "قم" معقل
الفكر الشيعي وبزعامة آية الله
الكاشاني أحد أبرز علماء الدين حين أطلق
صيحته المشهورة "أيها الكلاب
الإنجليز اتركوا لنا بترولنا واخرجوا
من بلادنا"، ثم قام على رأس مظاهرة
ضخمة عارمة قاصداً البرلمان الذي كان
يناقش قضية التأميم وبلغ من جسارته
واستعداده للتضحية أنه حينما سمع بأن
الشاه قد أصدر أوامره بإطلاق الرصاص على
المتظاهرين قام بلف نفسه بكفن، وقد ألهب
هذا الموقف حماس النواب وزادهم تمسكًا
بموقفهم في مواجهة الشاه ووقف نواب
المعارضة داخل المجلس وهتفوا بتأميم
البترول.
واستطاع
النواب أن يفرضوا على الشاه أن يعين في
منصب رئيس الوزراء الدكتور محمد مصدق
زعيم الجبهة الوطنية وأحد أبرز
المؤيدين للتأميم، وبالفعل أصبح مصدق
رئيسًا للوزراء في 19 أبريل 1950 ولم يكد
يحل يوم 30 أبريل حتى صدر قانون التأميم.
أثار
قرار التأميم ضجة كبرى في الدوائر
الغربية وبخاصة في لندن فقد كانت
المكاسب المادية من البترول الإيراني
هائلة، فأقامت الحكومة البريطانية دعوى
ضد إيران أمام محكمة العدل الدولية، كما
عرضت النزاع على هيئة الأمم المتحدة،
ووقف مصدق أمام مجلس الأمن ليعرض قضية
بلاده ويوضح عدالتها، وأقدم على قطع
علاقات بلاده السياسية مع بريطانيا.
وأيدت الحركة الوطنية خطوات مصدق فأعلن
آية الله كاشاني تأييده للتأميم، وصرح
بأن النفط من أجل الأمة وليست الأمة من
أجل النفط، وتوعد الإنجليز بأنهم إذا
قاموا بمهاجمة إيران فإنه سيصدر فتوى
الجهاد.
إلى
هنا لم يكن الموقف الأمريكي واضحًا إلا
أنه كان بالقطع ضد قرار التأميم، ورغم
ذلك فقد وجد صانع القرار الأمريكي أن
هناك فرصة مناسبة لاستفادة شركات
البترول الأمريكية بمزايا عديدة نتيجة
الأضرار التي لحقت ببريطانيا فظهر
العديد من رجال الأعمال الأمريكيين على
الساحة الإيرانية، وقاموا بشراء قسم
كبير من بترول عبدان؛ وهو الأمر الذي
أثار استياء الحكومة البريطانية التي
اعتبرت أن هذا البترول ملكية مسروقة.
وعلى
الرغم من هذا الخلاف فإن مصلحة الدولتين
تلاقت في النهاية على ضرورة التخلص من
الدكتور مصدق واستعادة امتيازات
البترول، وتم الاتفاق بينهما أن تقوم
الولايات المتحدة بعمل ما في إيران
لإلغاء التأميم في مقابل اقتسام
الدولتين الكعكة النفطية الإيرانية؛
فقامت المخابرات الأمريكية بتدبير
انقلاب مضاد في إيران عام 1953 أطلقت عليه
اسم "عملية آجاكس" نجح في الإطاحة
بالدكتور مصدق الذي تم القبض عليه وقدم
للمحاكمة، وفي إحدى جلسات المحاكمة
دافع مصدق عن نفسه قائلاً: "إن جرمي
الوحيد بل البشع والبشع جدا هو أنني
أممت صناعة النفط في إيران، وأنهيت
استعمار أعظم إمبراطورية في التاريخ
ونفوذها في هذا البلد، وحياتي ومالي
ووجودي أنا وأمثالي ليس لها أدنى قيمة
في مقابل حياة ملايين الإيرانيين
وأجيالهم القادمة واستقلالهم وعظمتهم
وكرامتهم"، وبعد نجاح الانقلاب ويوم
إعادة العلاقات مع بريطانيا نادى
الكاشاني بأن يوم إعادة العلاقات مع
بريطانيا ينبغي أن يكون يوم حداد وطني.
أعقب
سقوط مصدق ازدياد النفوذ الأمريكي في
إيران بشكل واضح، وذلك عن طريق القروض
التي منحتها حكومة الولايات المتحدة
لدعم نظام الشاه، وشركات البترول
الأمريكية التي أصبح نصيبها 40% مما كان
يملكه البريطانيون من قبل، وتزايد عدد
الخبراء الأمريكيين في إيران حتى تراوح
عددهم ما بين 50 أو 60 ألفًا.
وكما
هو متوقع نجح الشاه في أن يحصل على نسبة
أعلى من عوائد البترول، وبدلا من أن
تصرف هذه العوائد في رفع مستوى المعيشة
للإيرانيين نجح الأمريكيون في إقناعه
بالإقدام على شراء المعدات العسكرية
والأسلحة الأمريكية، وهكذا حصلت
الولايات المتحدة باليسار على ما منحته
لإيران باليمين، والواقع أن الولايات
المتحدة قد غذت في تلك الفترة نزعة
الحصول على الأسلحة لدى الشاه وذلك لسد
العجز القائم في ميزانها التجاري
والناتج عن حرب فيتنام التي كلفتها
مبالغ طائلة.
صحب
ازدياد نفوذ الأمريكان موجة تغريب
عاتية استهدفت اقتلاع الشخصية
الإيرانية من جذورها فسمحت وزارة
الإعلام للتليفزيون الإيراني أن يطلق
قناة تليفزيونية باللغة الإنجليزية لا
تعرض سوى البرامج والأفلام الأمريكية؛
وهو ما شكل استهزاء وسخرية من هوية
الإيرانيين الإسلامية، كذلك أطلقت على
الشوارع الكبرى أسماء غربية، وسمح
بافتتاح عدد كبير من محلات الخمور.
وقد
شكل الوجود الأمريكي وما صحبه من تغريب
تحديًا كبيرًا أمام الإمام الخميني
الذي بدأ يروعه هذا الهجوم الشرس على
الهوية الإسلامية في إيران.
تابع في هذا الملف: