الصفحة الرئيسية

مناهضة الحملة الأمريكية

بحث متقدم

من ذاكرة التاريخ (1):

الشيخ جمال الدين الأفغاني والمقاطعة

2003/04/10

فاطمة حافظ *

حين تواجه أي أمة ما تواجهه الأمة الإسلامية الآن من تحديات تستهدف هويتها.. بل تستهدف أيضا وجودها؛ فإنه يغدو لزاماً عليها أن تشحذ كل أسلحتها للمقاومة، والوعي بالتاريخ هو أحد أمضى أسلحة الشعوب في الصمود والنهوض. وغاية الوعي ليس فقط الوقوف على القوانين التي حكمت تاريخ الصراع بين أمتنا وأعدائها.. بل إن غايته تصبح الكشف عن "الحقيقة التاريخية" التي تعين على رسم رؤية صحية للشأن المستقبلي على هدى من الحقيقة التاريخية؛ فأمة لا تعرف تاريخها لا تحسن صياغة مستقبلها. 

ومن الحقائق التاريخية التي يغدو الصدع بها والإفصاح عنها واجبا وطنيا أن أمتنا لم تدع وسيلة من وسائل المقاومة ضد أعدائها إلا واستخدمتها، ومن هذه الوسائل كانت المقاطعة التي تم تطبيقها بشكل منظم في أواخر القرن التاسع عشر، وهذا على عكس الاعتقاد الشائع بأن الأمة الهندية كانت أول من استخدم هذا السلاح بشكل منظم وواسع ضد الوجود الإنجليزي في الهند خلال القرن العشرين.

كان السيد جمال الدين الأفغاني (1838-1897) المفكر وأحد رواد تيار الاستنارة الفكرية الإسلامية.. من أوائل الذين فطنوا للبعد الاقتصادي الكامن وراء الهجمة الاستعمارية الغربية على ديار الإسلام، وأدرك بوعيه السليم أن المقاطعة الشعبية هي أحد آليات مقاومة الوجود الاستعماري الغربي، وإيماناً منه بدور المثقف الذي ينبغي أن يتجاوز إطار "الجهاد النظري" الذي يحصر صاحبه في نطاق النظريات الفكرية بين دفوف الكتب، قرر أن يقوم بواجبه؛ فوجه رسالته الخالدة إلى الميرزا الشيرازي (كبير علماء الشيعة في إيران) يحثه فيها على ضرورة التصدي لشاه إيران ناصر الدين الذي فتح أبواب إيران على مصراعيها أمام تغلغل النفوذ الاقتصادي الأجنبي. وبعض فقرات من هذه الرسالة الشهيرة كافية لإيضاح مدى إدراكه للخطورة المترتبة على التساهل في منح الامتيازات الاقتصادية أمام أعداء الأمة التي تؤدي في النهاية إلى عملية "نهب استعماري" لمقدرات الأمة وثرواتها. 

يقول الأفغاني: "إن الشاه** قد باع أعظم ما في البلاد الإيرانية، وأكثر منافعها مثل المعادن والسبل الموصلة إليها، والطرق الجامعة بينها وبين تخوم البلاد، والخانات  والمتاجر التي تبنى على جوانب تلك المسالك الشاسعة التي تتشعب فروعها إلى جميع أرجاء المملكة، وما يحيط بها من البساتين والحقول... وحكر العنب على الخمور... واحتكر صناعة الصابون والشمع والسكر ولوازمها من المعامل".

ولم ينس الأفغاني في رسالته أن ينبه إلى خطر السيطرة الاقتصادية للبنك الشاهستاني الذي أسس من قبل الشركات الإنجليزية التي استرقت الأهالي واستنزفتهم، كما لم يفته أيضا أن يدحض حجة الشاه بأن هذه الاتفاقيات والمعاهدات عبارة عن إيجارات وقتية، وأن مدتها لن تطول، فيقول: "إن هذا المجرم قد عرض إقطاع البلاد على الدول ببيع المزاد، إنه يبيع ممالك الإسلام ودور محمد وآله عليهم السلام للأجانب، وهو لا يبيعها إلا بقيمة زهيدة ودراهم بخسة معدودة!!" .

وفي ختام رسالته شدد الأفغاني على ضرورة وضع حد لتلك الاتفاقيات والمعاهدات التي جعلت الأجانب -وبخاصة الإنجليز- يحكمون سيطرتهم على اقتصاديات الدولة الإيرانية عبر شركاتهم.

لقد أحدثت هذه الرسالة ضجة كبيرة في المدن العراقية، وبخاصة في النجف، ووصل تأثيرها إلى لبنان، وبلغ من قوة بيانها أن الناس نسخوها، وقاموا بتداولها فيما بينهم، ونجحت في إثارة غضب الميرزا الشيرازي الذي أصدر فتواه الشهيرة عام (1891) بتحريم شرب التنباك "الدخان"، وتجاوب الإيرانيون مع الفتوى تجاوباً شديداً، وامتنعوا عن شربه، وثارت الجماهير؛ فحاصرت قصر الشاه، وطلبوا منه إلغاء امتياز الشركة البريطانية المنتجة للدخان "ريجي"، فاضطر الشاه إلى فسخ الاتفاق، وتعويض الشركة بمبلغ نصف مليون ليرة إنجليزية.

وفي مصر كان الشيخ على موعد آخر مع المواجهة ضد الاستعمار، وفي هذه المرة توجه الشيخ إلى المصريين مباشرة، والفلاحين منهم على وجه الخصوص، مدركا أن المقاطعة تتم بقرار جماهيري في الأساس، حين كتب في "العروة الوثقى" يدعوهم إلى الامتناع (المقاطعة في اللغة هي الامتناع) عن الاعتراف بالحكومة الإنجليزية،  "وأن يمنعوا كل ما تطلب منهم" من أموال وضرائب.

وهكذا يقف الأفغاني في ندائه للمصريين على نوع آخر من أنواع المقاطعة، وهو "المقاطعة المعنوية"، وعدم الاعتراف بشرعية حكومات الاحتلال، حتى وإن غدت حقيقة قائمة على الأرض، ويذهب الأفغاني إلى حد تقرير أن هذا النوع من المقاطعة يجلب لنا ليس فقط احترام أنفسنا بل واحترام العالم لنا "فإن فعلوا هذا وجدوا لهم من الدول أنصارا، بل ومن الجنس الإنجليزي نفسه".

وحياة الأفغاني وجهاده حافلة بعشرات الأمثلة التي تستحق أن نتوقف أمامها طويلاً، ويضيق الوقت عن ذكرها، ونختتم بعبارته الرائعة "فلسنا نعني بالخائن من يبيع بلاده بالنقد، ويسلمها للعدو بثمن بخس أو غير بخس، بل خائن الوطن من يكون سببا في خطوة يخطوها العدو في أرض الوطن، بل من يدع قدما لعدو تستقر على تراب الوطن وهو قادر على زلزلتها" .

 وأحفاد الأفغاني ممن حذوا حذوه يقاطعون اليوم البضائع الإسرائيلية والأمريكية، ولن يسمحوا لقدم عدو أن تستقر على تراب أوطانهم، وهم قادرون على زلزلتها.

المصادر:

- الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني

- محمد عمارة: العرب والتحدي

- جعفر عبد الرازق: جمال الدين الأفغاني.. دراسة في مرتكزاته الإصلاحية

اقرأ أيضًا:


* باحثة متخصصة في تاريخ المقاطعة

** كان الشخص الجالس على رأس السلطة في إيران قبيل قيام الثورة الاسلامية يعرف باسم الشاه .


:شارك في تحرير أبواب الملف على

stopthewar@islamonline.net


 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع