 |
|
هنا بدأت أندر كارنتس
|
في
عام 1993 كان ساكنو العاصمة الإنجليزية
لندن يراقبون باعتراض شديد قيام
الحكومة الإنجليزية ببناء طريق جديد
على أنقاض منطقة ريفية زراعية مأهولة بـ300
منزل، وقام ساكنو المدينة آنذاك بتسيير
مظاهرات احتجاج ضخمة قوبلت بتجاهل من
وسائل الإعلام التي رفضت إبراز تلك
المظاهرات؛ الأمر الذي دفع اثنين من
دعاة حماية البيئة واثنين من منتجي
البرامج التلفزيونية إلى الاجتماع من
أجل تكوين منظمة تهتم بما يسمى بـ "الإعلام
البديل"، أو الإعلام الذي يركز على ما
تجاهلته أو شوهته أو عتمت عليه وسائل
الإعلام المتاحة!
وبالفعل
بدأ هؤلاء الناشطون الأربعة في تكوين
منظمة "أندر
كارنتس" Under Currents كمنظمة غير هادفة
للربح شعارها "كفاكم شربًا من مياه
الإعلام السائد" تقوم
بتسجيل كل ما يهم المواطنين -بالصوت
والصورة- من أحداث تجاهلتها وسائل
الإعلام السائدة mainstream media باستخدام
كاميرات الفيديو، ولذا سُمّي القائمون
على تلك التجربة بـ "نشطاء الفيديو"
وأحياناً بـ "محاربو الفيديو"!
وأخذت
"أندر كارنتس" على عاتقها تدريب
عدد من المعنيين بقضايا المجتمع على
استخدام كاميرات فيديو من طراز M18 وHi8
لتصوير الأحداث من منظورهم. وهي أول
خدمة صحفية منتظمة معبأة على شرائط
فيديو كاسيت من نوع VHS في بريطانيا،
ويتضمن كل شريط من تلك الشرائط ما بين 10
إلى 15 فيلمًا وثائقيًا وهو تجميع لجهد
مجموعة متنوعة من نشطاء الفيديو.
وفي
أبريل 1994 أصدر نشطاء أندر كارنتس أول
أعمالهم على شريط فيديو بيع منه حوالي 250
نسخة خلال أسابيع قليلة، وكان عن
الاحتجاجات البريطانية على قانون يحد
من الحريات المدنية.
وبعدها
بثمانية أشهر قام ستة من الناشطين
بإصدار العمل الثاني. ونالت المنظمة
بهذين العملين عدة جوائز عالمية في
مهرجانات متخصصة في الأعمال المسجلة
على شرائط الفيديو. ومن هذه اللحظة
أصبحت "أندر كارنتس" قبلة لكل
ناشطي المجتمع المدني الذين انهالوا
عليها بصورة حققت لها شهرة سريعة في
المجتمع البريطاني؛ الأمر الذي جعل
الإعلام السائد يسلط الأضواء على هذا
النوع الجديد من الإعلام.
ولهذا
ارتفع عدد النسخ المباعة من شرائط
المنظمة من 250 عام 1994 داخل بريطانيا إلى
5000 نسخة وزعت في 5 دول عام 1997.
فوق
الأشجار وداخل الأنفاق!
ومنظمة
"أندر كارنتس" يصفها بول أوكونور،
أحد المؤسسين الأربعة، بقوله: "منظمتنا
أشبه ببنية تحتية يستطيع من خلالها
الفرد العادي أن يصبح صحفيًا له ألفاظه
وصوره وخبراته وفكره الخاص به، يقوم
بنشر ما يراه حقيقيًا؛ فيقوم بصناعة
الخبر وتحريره بنفسه دون أن يمر ما كتبه
على مقص رقيب".
وعلى
ذلك قامت المنظمة بتدريب المئات من
ناشطي حماية البيئة ودعاة العدالة
الاجتماعية وناشطي المجتمع المدني على
استخدام كاميرا الـ"كام كوردر Cam Corder"
كأداة للتعبير عن الرأي ولتسجيل
فعاليات هؤلاء الناشطين على أشرطة VHS
ليتم تداولها بينهم.
أما
ناشطو المنظمة فيصفهم أوكونور بأنهم
"يتواجدون فوق الأشجار وداخل الأنفاق
وفي غمرة أحداث الشغب؛ فهم أبطال فوق
العادة يناصرون الأفراد ضد الظلم،
يصيغون قصصًا خبرية لا يلتقطها رادار
الرقابة"!
من
أين تأتي بتمويلها؟!
وعلى
الرغم من أنها غير هادفة للربح فإن "أندر
كارنتس" تقوم بإرسال نشرة نصف سنوية
مسجلة على شرائط فيديو للمشتركين فيها،
وبالطبع ليس هذا مصدر الرزق الوحيد
للمنظمة فهي تقوم ببيع نشراتها الخاصة
للمحطات الإعلامية إذا طلبتها، وقد
قامت الـ "بي بي سي" والقناة
الرابعة الإنجليزية من قبل بشراء عدد من
التقارير المصورة من المنظمة. ويضيف
أوكونور أحد مؤسسي "أندر كارنتس":
"نحن نعول كثيرًا على تبرعات
الناشطين لكي تستمر منظمتنا".
ورغم
أن مؤسسات الإعلام البديل مثل "أندر
كارنتس" لا تمتلك ميزانيات ضخمة ولا
إمكانيات تقنية حديثة، فإن تلك
المؤسسات تحوز على ثقة فئات عريضة من
الجماهير، وهي الفئات التي تعلم جيدًا
أن وسائل الإعلام المتوافرة لديهم لا
تنقل إلا أنصاف الحقائق فقط. وبذلك
تأسست نظرية إعلامية جديدة تقول: "كلما
زاد تعتيم الإعلام السائد على الأحداث
زاد الإقبال على الإعلام البديل"..
فالممنوع مرغوب!
القط
والفأر!
|
|
صحفي من أندر كارنتس |
وبالطبع حركة مثل "أندر كارنتس"
ليست بعيدة عن أعين رجال الشرطة، ففي
عام 1998 كان رودي مانسفيلد أحد المصورين
المتعاقدين مع المنظمة يغطي مظاهرة في
شوارع أكسفورد بإنجلترا تم إحاطتها
بكردون أمني خوفًا من وقوع أحداث شغب؛
فقام رودي الذي لا يملك بطاقة صحفي
واثنان آخران بمحاولة للخروج من
الكردون، فقام رجال الشرطة باعتقالهم
ومصادرة كل ما معهم، وكان بحوزة رودي
كاميرا فيديو يسجل بها أحداث المظاهرة
تم مصادرتها أيضًا، وتم احتجازهم لمدة 20
ساعة، وأثناء التحقيق معهم لم يكن مع
رودي أي دليل يثبت هويته، وكانت
الكاميرا هي دليل براءته!
وتشرح
لنا هذه الحادثة طبيعة العلاقة بين
منظمة "أندر كارنتس" والشرطة، فقد
احتاج رودي مانسفيلد لثلاثة أعوام
كاملة لكي يفوز بالقضية التي رفعها ضد
الشرطة الإنجليزية، حيث حكمت له
المحكمة بتعويض قدره 18 ألف جنيه
إسترليني تدفعها له الشرطة، ويصف
مانسفيلد لحظة النطق بالحكم قائلاً: "لو
أنني أمضيت الثلاث السنوات في التصوير
لكسبت مبلغًا أكبر من هذا.. ولكنني لم
أرفع الدعوى من أجل المال، فيكفي أنني
أثبت أن سياسة البوليس الإنجليزي كانت
سيئة في تعاملها مع الصحفيين والمصورين"!
شرطة
إيطاليا مدانة.. بالصوت والصورة!
وفي
مظاهرات مناهضة العولمة التي جابت
شوارع مدينة جنوة بإيطاليا في يوليو 2001
اشتكى المتظاهرون هناك من أن محطات مثل
الـ "بي بي سي" والـ"سي إن إن"
التي يفترض أنها الكبرى في عالم الميديا
تعتمان على أخبار تلك المظاهرات؛ لأن
حركة مناهضة العولمة برمتها مثار
اعتراض الدول الراعية لتلك المحطات؛
ولذا لجأ ناشطو الحركة إلى استخدام
تقنيات بسيطة ورخيصة الثمن (بالنسبة لهم)
مثل الكاميرات الرقمية والحواسب
المحمولة لكي يوثقوا فعاليات تلك
الحركة. وقد نجح أحد مصوري أندر كارنتس
في تسجيل مشاهد العنف التي قام بها بعض
المتظاهرين وأيضًا رد فعل الشرطة
العنيف على تلك المظاهرات، ونجح المصور
الذي اعتلى سطح إحدى البنايات في تسجيل
لقطات لرجال الشرطة يحطمون كاميرات
وحواسب ناشطي الإعلام البديل!
جمهور
الـ "أندر كارنتس"
ولم
تقتصر تجربة "الإعلام البديل" على
ناشطي القضايا السياسية والاقتصادية
والبيئية، فقد تم عبر منظمة "أندر
كارنتس" تبادل أشرطة فيديو بين عاملي
ميناء ليفربول الإنجليزي وعمال سكك
حديد اليابان عن نشاطات الجانبين.
ويؤكد
ناشطو أندر كارنتس أن للمنظمة جمهورًا
في مشارق الأرض ومغاربها، فقد وصلتهم
طلبات شراء من أستراليا وجاميكا
وسلوفينيا والمجر بجانب أمريكا
وبريطانيا - بالطبع، وقد قام مواطنون
رومانيون بترجمة المجلة المرئية التي
تصدرها المنظمة إلى اللغة الرومانية.
حوار
مع صدام حسين!
وتعبيرًا
عن موقفها الرافض للحرب أصدرت "أندر
كارنتس" مؤخرًا عدة شرائط مسجلا
عليها المظاهرات والاحتجاجات العالمية
المناهضة للحرب الأمريكية على العراق،
بالإضافة إلى حوارات مع شخصيات عالمية
مناهضة للحرب مثل ناعوم تشومسكي.
ليس
هذا فحسب، بل نجحت المنظمة في إجراء
حوار مع صدام حسين في فبراير 2003 في
مفاجأة مدوية هزت الأوساط والمؤسسات
الإعلامية البريطانية الكبرى التي
فشِلت في الحصول على مثل هذا اللقاء،
وهو الحوار الغربي الأول الذي يجرى مع
الزعيم العراقي منذ عام 1991.
تعاطف
مع الفلسطينيين أيضًا
أما
عن موقف المنظمة من القضية الفلسطينية،
فقد كتب بول أوكونور مؤسس "أندر
كارنتس" مقالاً مطولاً بعد زيارته
عام 2002 إلى بيت لحم، نشره على موقع
المنظمة، يصف فيه تفصيلياً الخراب الذي
تخلفه الغارات الإسرائيلية التي تستهدف
المدنيين الفلسطينيين، ونشر في آخر
المقال رابطا (link) لحملة تدعو إلى وقف
بيع الأسلحة البريطانية لإسرائيل.
اقرأ
أيضًا:
*
صحفي مصري