|
العراق
المسلم العربي الشرقي المنتمي لهذا
العالم المرمي في القاع -يسمونه العالم
الثالث- وإيطاليا المسيحية الأوروبية
الغربية المنتمية إلى عالم الصفوة، من
منهما أقرب لأمريكا؟
أي
عاقل سيجيب بدون تردد: إنها إيطاليا.
ومع
أن إيطاليا هي الأقرب دينا وحضارة
وتراثًا، ومع أن إيطاليا أبدًا لم تهدد
الأمريكان فإن جنود أمريكا عندما دخلوا
نابولي في العام 1943 جعلوا أعزة أهلها
أذلة وجعلوا من كل بيت ماخورًا.. فكيف
سيكون حالهم مع العراق إن هم -لا قدر
الله- اقتحموه.
دليلنا
في الكشف عن طبائع الأمريكان هو الصحفي
والروائي الإيطالي "كروزيو مالبارته"
الذي كان مراسلاً لإحدى الصحف
الإيطالية على الجبهة الروسية أثناء
الحرب العالمية الثانية، وعاد لموطنه
نابولي عندما استسلمت إيطاليا وتم
اعتقال زعيمها موسوليني، عاد "مالبارته"
ليعمل ضابط اتصال بين حكومة "بادوليو"
التي نصبها الحلفاء وبين القوات
الأمريكية التي احتلت إيطاليا بزعم
تحريرها من موسوليني.. "طيبون جدًا
هؤلاء الأمريكان، فدائمًا يشعلون
الحروب ليحرروا البلدان من حكامها.. وما
أشبه الليلة بالبارحة".
مالبارته
الإيطالي الرقيق المثقف جرت عليه
الأقدار بأن يعمل تحت إمرة الجنرال
الأمريكي "كلارك"، ومن وقائع
جولاتهما في شوارع نابولي المهزومة كتب
مالبارته يومياته تحت عنوان "الجلد"،
ودوّن فيها بكل صراحة الحوادث التي كان
شاهدًا عليها ومشاركًا فيها.. صراحة
مالبارته دفعته قبيل موته في العام 1956
إلى طلب المغفرة من بابا روما على ما
كتبه.
ماذا
جاء في يوميات مالبارته التي ترجمها
الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور في العام
1957، يجعله يطلب المغفرة؟
تبدأ
اليوميات ومالبارته يتجول برفقة
كولونيل أمريكي في شوارع نابولي.. كانت
الشوارع مكتظة بماسحي الأحذية، وكانت
الأمة الإيطالية كلها لم يعد لها إلا
مسح أحذية جنود الأمريكان، في الشارع
كان الجنود يتحسسون الصبيان والبنات،
ثم يمدون أيديهم بين "زراير"
بنطلونات الصبيان ويرفعون أردية البنات..
كانت أمهات هؤلاء الذين يعبث الجنود
بأجسادهم يقلن بصوت هامس: اسمع يا سيدي
الولد بدولارين والبنت بثلاثة!!
المشهد
المؤلم الفاجع استفز مالبارته فراح
يجلد ذاته سائلاً الكولونيل الأمريكي:
أخبرني يا سيدي صراحة هل تريد بنتا
صغيرة بثلاثة دولارات، الثلاثة
الدولارات ليست مبلغًا كبيرًا، رطلان
من اللحم يساويان أكثر من هذا، البنت
تزن خمسة أرطال، وثمن الرطل دولار وعشرة
سنتات، وعلى هذا يجب أن يكون ثمن البنت
خمسة دولارات وخمسين سنتًا.
يواصل
مالبارته جولاته فيرصد ارتفاعًا
جنونيًا في "أسعار" النساء والرجال
أيضًا، فمع دخول "المحررين"
الأمريكان ارتفع "سعر" البنت إلى
خمسة وعشرين دولارًا، ولكنه انخفض فجأة
ليصل إلى أربعة دولارات فقط، إنه قانون
العرض والطلب لقد حول "المحررون"
الأمريكان بنات إيطاليا جميعهن إلى
بغايا فتكدست "البضاعة" على
الأرصفة فهبط سعرها!!
ذات
مساء كان مالبارته يتجول كعادته برفقة
قائد أمريكي، وفجأة سأله الأمريكي:
مالبارته هل رأيت عذراء قط؟
أجابه
مالبارته: نعم، ولكن عن بعد.
لم
تفهمني يا صديقي، أعني هل رأيت عذراء
عارية عن قرب؟
رد
مالبارته: لا، إذن اتبعني.
هكذا
صاح به القائد الأمريكي.. يقول مالبارته
لم أكن أريد مصاحبته لرؤية فتاة عذراء،
كنت واثقًا أنه سيريني شيئا مخجلا، وأنا
لا أريد أن أرى الانحطاط ولا أسر أبدًا
برؤية الناس وهم ينحدرون إلى أسفل.
لكن
في النهاية سار مالبارته مع القائد
الأمريكي عبر شوارع "مكدسة"
بالبغايا وماسحي الأحذية والقوادين
والشواذ والشحاذين.. "هذه طبعًا
إنجازات المحررين الأمريكان"،
وأخيرًا وصلا إلى بيت متهالك، يقف على
بابه الجنود الأمريكان، انتظم مالبارته
وقائده في الصف انتظارًا لدورهما، وبعد
انتظار دام لأكثر من نصف ساعة وجدا
نفسيهما أمام باب الغرفة، دفعا "لقوادة"
دولارين فسمحت لهما بالدخول.
في
ركن الغرفة كان شمعدان كبير يرسل إضاءة
شاحبة، وكان السرير الوحيد بالغرفة
مفروشًا بملاءة زرقاء وعلى طرف السرير
جلست العذراء المبتغاة، فتاة صغيرة
تدخن السجائر بشراهة، تتدلي قدماها على
الأرض تبدو ضئيلة جدا وشابة جدا وإن بدت
عيناها كعيون العجائز.
ترتدي
ثوبًا مفتوح الصدر تجلس ساكنة تمامًا
تمضغ ذلها وعارها.. يحلق حول سريرها عشرة
رجال، كان مالبارته هو الإيطالي الوحيد
بينهم، تسعة من "المحررين"
الأمريكان صوبوا عيونهم نحو الإيطالية
الشابة ليتأكدوا من عذريتها.. الصمت
والترقب كانا بطلي المشهد.. فجأة صاحت
القوادة العجوز في الفتاة "كفى..
اشتغلي الآن" ألقت العذراء سيجارتها
ثم سحقتها على الأرض ومدت يدا مرتعشة
إلى ثوبها لترفعه، أولا بدت ركبتها ثم
فخذاها، الآن هي عارية تمامًا ملقاة على
السرير مثل جثة طازجة كان وجهها جامدًا
وفمها مفتوحًا فتحة صغيرة.
جاء
صوت القوادة مشجعًا للسادة المحررين:
إنها عذراء، بحق عذراء، إنها لعذراء
ويمكنكم أن تلمسوها لتتأكدوا.. إنها لا
تؤذي أحدًا كما أنها لا تعض.
مد
سيد من المحررين يده ليلمس لم تتحرك
العذراء ظلت ساكنة تنظر للمحرر بعينين
مليئتين بالخوف واللعنة.
فجأة
صاحت القوادة هيا اخرجوا لقد انتهى
العرض.
هذا
بعض ما فعله المحررون ببنت مسيحية
إيطالية أوروبية غربية، قلبي عليكن يا
بنات بغداد أيتها المسلمات العربيات.
المشهد
السابق وما كان قبله والذي يليه يقدم
لنا تفسيرًا واضحًا لعلاقة أمريكا
بأوروبا، إنها علاقة قائمة على "اللعنة"
ولا شيء غيرها. إننا إذ ننظر إلى تلك
المظاهرات العارمة التي تجتاح مدن
وعواصم أوروبا للتنديد بالعدوان
الأمريكي المرتقب على العراق؛ يجب أن
نفهم الأمر على حقيقته. فأوروبا ليست
متعاطفة معنا بقدر ما هي خائفة من
أمريكا، أوروبا تذكر أن المحررين تركوا
على جسدها بصمات لم يمحها الدهر، لقد
ذاقت أوروبا طعم "التحرير"
الأمريكي ولا تريد للأمر أن يتكرر للمرة
الثانية.
بعد
مشهد العذراء يأخذنا مالبارته لمشهد
آخر يفضح النفاق الأمريكي ويفضح كذب
هؤلاء المحررين.
يقول
مالبارته: أقام الجنرال الأمريكي كلارك
مأدبة عشاء تحية لـ"مسز" فلات وهي
سيدة أمريكية تعمل في الصليب الأحمر..
كان الجنرال يحب الأنواع الغربية من
السمك؛ ولذا فلا بد أن تحتوي مائدته على
نوع نادر في كل عشاء.. ليلتها طلب من
طباخه "عروس البحر"، وعندما جاء
الطباخ بسمكة عروس البحر شحبت وجوه
المدعوين وصرخت فزعة السيدة فلات.. كانت
السمكة تشبه تمامًا فتاة في الثامنة من
عمرها، كانت عيناها مفتوحتين وشفتاها
نصف مغلقتين، نعم كانت السمكة كأنها
فتاة؛ ولذا صرخت مسز فلات أبعدوا الشيء
الفظيع عني أنا لم آت إلى أوروبا لآكل
الفتيات الصغيرات.
قال
الجنرال: ولكنها سمكة وليست فتاة.
مالبارته أكد لنا هذا.
قالت
فلات: أنا لا أصدق تأكيداتك ولا تأكيدات
مالبارته.. هل جئت إلى أوروبا لآكل لحم
الفتيات بالمايونيز.. أرجوك ارفع هذا
الصحن من على المائدة.
ولكي
تكتمل صورة النفاق الأمريكي يقول
مالبارته: إن أحد الجالسين على المائدة
وهو كولونيل اسمه براون يعمل كبير وعاظ
بالجيش الأمريكي صاح قائلا: ينبغي أن
ندفن هذه الطفلة المسكينة.
في
دهشة صاح الجنرال في الواعظ: ولكنها
سمكة يا صاحب القداسة.
في
هدوء أجاب الواعظ: "أنتم تقولون إنها
سمكة ولكنها تشبه الفتاة الصغيرة أشد
الشبه ومن واجبنا أن ندفن هذه البنت.. من
واجبنا كمسيحيين، ألسنا مسيحيين؟
عقبت
مسز فلات: "أنا أميل لرأيك يا صاحب
القداسة".
أطرق
الجنرال كلارك موافقًا على فكرة الدفن،
وقالت مسز فلات والدموع تنحدر من عينيها:
شكرًا للرب، شكرًا للرب.
في
هذه اللحظة ينهي مالبارته يومياته
الفاجعة قائلا: إن أهل نابولي يأكلون
السمك ويدفنون الناس، ولكنهم أبدا لا
يأكلون الناس ويدفنون السمك.
هذه
كانت شهادة شاهد "من أهلهم" ولقد
شهد شهادة تكفي لأن نعلم جميعًا حقيقة
التحرير الأمريكي.
اللهم
إن مالبارته قد بلغ، اللهم فاشهد.
*
صحفي مصري
|