الصفحة الرئيسية

مناهضة الحملة الأمريكية

بحث متقدم

كوميديا أمريكية عن الخطر القادم من أوروبا

2003/03/16

*د. أسامة القفاش

جاكي شان بطل فيلم توكسيدو مع مخرج الفيلم كيفين دونفان

عُرض مؤخرا فيلمان كوميديان من بطولة النجمين جاكي شان "توكسيدو" (بذلة السهرة)، وإدي ميرفي "أنا الجاسوس"، والفيلمان يقومان على حيلة الخلط في الشخصية، سواء المتعمد وغير المتعمد؛ فـ"جاكي شان" سائق متهور وماهر ينخرط في خدمة العميل السري "كلارك ديفلين"، وفجأة يصاب هذا العميل السري السوبر الذي يمتلك بذلة سهر من طراز "التوكسيدو" التي هي أحدث وسائل الدفاع والهجوم في عالم الجاسوسية، وتعطي لابسها قدرات فائقة على الضرب والتدمير والتسلق والطيران.. بل والرقص والغناء!!

يلبس "جاكي شان" -أو جيمي تونج- هذه البذلة، ويصبح العميل السري الذي يحارب عالم الأشرار، أما "إدي ميرفي" فهو بطل الملاكمة "كيلي روبنسون" الشهير بالضربة القاضية والذي فاز في 57 مباراة متوالية بالضربة القاضية، ويستعد لملاكمة بطل أوروبا في بودابست بالمجر، ويطلب منه الرئيس بوش أن يعمل مع عميل سري آخر كي يدخلا إلى منزل عالم شرير ملياردير سرق أحدث طائرات طراز الشبح التي تختفي ليس عن الرادار فقط، ولكن أيضا عن العين المجردة.

أوروبا وعطش العالم

وبالطبع ينجح البطلان بعد مفارقات كوميدية كثيرة في الإيقاع بالأشرار، "شان" يمنع العالم الشرير من تلويث مياه الشرب في أمريكا؛ فالعالم الأوروبي يريد أن تصبح مياهه -فهو صاحب شركة مياه معدنية- هي الوحيدة الصالحة للشرب، وإلا فليعطش العالم وليهلك!! نلاحظ هنا أن الخطر قادم من أوروبا (فالعالم أوروبي)، وأنه يأخذ شكل استخدام السلاح البيولوجي، وهو الرعب الذي تنشره الإدارة الأمريكية بين المواطنين في أمريكا، ويعتبر سلاحها الأول لإقناع الشعب الأمريكي بالحرب ضد العراق.

إيدي ميرفي بطل فيلم أنا جاسوس

أما "ميرفي" فينجح في منع العالم الشرير الأوروبي أيضا من بيع الطائرة المسروقة لدبلوماسي يبدو من شكله أنه شرق آسيوي (ربما يكون من كوريا الشمالية على الأرجح)، وهو كان ينوي أن يطلق قنبلة نووية صغيرة من طراز قديم نجحت بلاده في صنعها مؤخرا لإطلاقها على نيويورك (الإشارة واضحة لكوريا الشمالية، والخطر الدائم على شعب الولايات المتحدة، والسلاح النووي في يد محور الشر، والتهديد الذي يمثله هذا السلاح على الشعب الأمريكي).

إذن الرسالة الضمنية في الفيلمين هي أوروبا، مصدر خطر على المواطن الأمريكي؛ فهي قد تزود دول الشر بالأسلحة النووية أو وسائل إطلاقها (إشارة إلى روسيا) والشركات الألمانية والفرنسية التي زودت العراق وكوريا الشمالية بمعدات إطلاق مثل المدفع الجبار أو تقنية الصواريخ، وهي قد تزود الإرهابيين بأسلحة دمار شامل بيولوجية/ كيماوية/ نووية.

حملة المحمرات

الرسالة -كما نرى- ترويجية تأتي ضمن الحملة العامة لترويع الشعب الأمريكي، وإقناعه بضرورة استخدام القوة ضد كل من تسول له نفسه الوقوف ضد أمريكا، أو حتى السؤال عن أهداف الإدارة الأمريكية المحافظة الحالية.

بالطبع الأمر ليس بهذه البساطة؛ فهذه الرسالة ضمنية، وتأتي معها مجموعة أخرى من الرسائل، مثل انصهار الأعراق (شان صيني الأصل/ ميرفي زنجي)، والقدرة على التجانس داخل المجتمع الأمريكي (نجاح ميرفي كبطل ملاكمة ومن أصل فقير)، وغيرها من الرسائل المباشرة أو الضمنية.

وتأتي هذه الحملة مع رفض فرنسا وألمانيا الرضوخ للإرهاب الأمريكي بصد الحملة على العراق، واعتبار هذه الحملة غير مشروعة، ولا ناقة لأوروبا فيها ولا جمل.

تأخذ الحملة شكل دعوات للمقاطعة التي تصل لحد السخافة.. فعلى سبيل المثال: رفعت محلات بعض أنواع الأغذية السريعة مثل البطاطس المحمرة التي تعرف باسم المحمرات الفرنسية French Fries شعار "نحن لا نبيع المحمرات الفرنسية.. نحن نبيع محمرات الحرية Freedom Fries"، والإشارة طبعا لحملة بوش على العراق المدعوة "حملة الحرية".

أوروبا "الناكرة للجميل"

أيضا ثمة دعوة سخيفة بأن أوروبا "ناكرة للجميل".. فالولايات المتحدة حاربت مرتين (الحرب العالمية الأولى والثانية) من أجل إنقاذ أوروبا ودعمها وتقويتها بعد كل حرب؛ أي أن أمريكا ضحت من أجل أوروبا!! وأخذ الأمر شكل السخرية الفجة وخاصة من الفرنسيين، حتى إن هناك جريدة يومية ساخرة تصدر الآن، وتوزع في أروقة وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) هدفها الوحيد السخرية من الفرنسيين، وإظهارهم بمظهر الضعفاء والجبناء، ومن ضمن النكات اليومية التي تطلقها المجلة "كم فرنسي سيدافع عن باريس في حالة تعرضها لهجوم؟" الإجابة: "ولا فرد فلم يحدث هذا من قبل".

وفي نفس الإطار تُشن حملة لتذكير أوروبا وخاصة فرنسا بالتضحيات الأمريكية المزعومة؛ حيث يعاد إنتاج عبارات "جونسون" الرئيس الأمريكي في الستينيات التي قالها عندما طلب "ديجول" الرئيس الفرنسي الشهير سحب القوات الأمريكية من فرنسا، وقيل: إن جونسون رد عليه: "وهل يتضمن هذا رفات مئات الألوف من القوات الأمريكية التي ماتت أثناء تحرير فرنسا؟".

الأمريكان وتلبيس إبليس

هذه الأقوال تتضمن ما يعرف باسم "تلبيس إبليس"؛ فمعظم هذه الترهات السخيفة مجرد أكاذيب؛ فأمريكا لم تدخل الحرب دفاعا عن أوروبا في أي مرة، وإنما دخلتها في كل مرة دفاعا عن مصالحها، وبعد أن استفادت من موقعها كقوة محايدة لتبيع للطرفين.

وهذه الرسالة الضمنية في الفيلمين ليست جديدة.. بل هي قديمة جدا؛ فأفلام الجاسوسية منذ أن ظهرت كنوعية سينمائية تتحدث دائما عن الصراع الأوروبي الأمريكي المحتمل. ومثال هذا فيلما الجاسوسية الشهيرين من بطولة جيمس بوند "العميل السري 007" و"الأصابع الذهبية"، تعمل السينما من خلال آليات الإقناع غير المباشرة، ومن ثم فإن هذه الرسائل الضمنية تؤدي دورا مهما في تشكيل الرأي العام، وتمثل عنصر ضغط عليه يؤدي إلى ابتلاعه للرسائل المباشرة القادمة من الإذاعة والتلفاز، أو الصحف والمجلات، أو أي من وسائل الإعلام. ومؤخرا قرر طالب في الخامسة عشرة من عمره ألا يذهب للمدرسة، وأغلق على نفسه حجرته، معلنا أن المدرسة بها طلاب عرب ومسلمون، و"أنهم إرهابيون محتملون"، وجاء هذا بعد مشاهدته لفيلم "الحصار" بطولة "بروس ويليس" ومع إعلان وزير الأمن القومي الأمريكي "توم ريدج" رفع درجة الإنذار إلى اللون البرتقالي (أي وجود خطر محتمل)؛ مما سبب أزمة في شرائط اللصق البلاستيكية؛ حيث هرعت أمريكا كلها لشراء هذه الشرائط.

الأمر ليس دعوة لمقاطعة الأفلام الأمريكية ولا تحذيرا من الخطر الأمريكي أو السم في العسل؛ فالفيلمان كوميديان حقا، وسيقضي المشاهد فترة ممتعة أثناء مشاهدتهما، والرسالة الضمنية لن تؤثر فيه كثيرا. فهي رسالة موجهة للمتفرج الأمريكي أساسا.

المهم بالنسبة للجمهور العربي هو إدراك أن المقولات العامة حول الخطر الغربي والغرب المتربص بنا وغير ذلك.. ليست دقيقة على أقل تقدير، وهو أمر واضح في السياسة اليومية والواقعية الآن، ومن ثم فإن تغيير طريقة التفكير الاستغاثية والتخديرية أمر مهم؛ لأنه سيؤدي إلى تطوير قدرتنا على التعامل مع الواقع؛ ومن ثم التفاعل مع العالم المتغير دائما.

والله أعلم.


* محاضر وناقد سينمائي.


:شارك في تحرير أبواب الملف على

stopthewar@islamonline.net


 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع