|
هكذا
انسالت خواطري في ليلة ممطرة من ليالي الشتاء..
لم أتبين هذا الذي يدق زجاج سيارتنا دقا واهنا..
فطلبت من صغيرتي أن تمد منديلها لتكشف جزءا من
الأنفاس المستقرة على واجهة السيارة
الأمامية.. فإذا بوجه سكنه البؤس ويمعن في
إبراز كل ما تدرب عليه من مهارات التسول.
وما
هي إلا لحظة حتى كانت قروش صغيرتي مستقرة في
أيدي هذا الذي يشاركها ما يسمى طفولة..
فشاركته ما بدا وخفي من البؤس، ثم استدارت
لتمطرني بالتساؤلات والتوسلات لأجل هذا
الصغير.
أعلم
تماما كيف استطاعت أن تجعل نفسها مكانه.. تحرك
قلبها فعمل عقلها على وضع الحلول.
"أمر
عادي أن يعطي الصغار.. قروشهم وملابسهم.. لعبهم
وكتبهم.. بل وأن ينحتوا ما يتطوعون به من
أوقاتهم". هذا هو العادي، ولكن أمتنا تحتاج
لما هو غير عادى! "هكذا حدثت نفسي فالعادي
هو أن نتطوع للكفاية.. ولكني أحلم بأن نتطوع
لنحدث فرقا في الحياة".
أحلم
بهذا الصغير متطوعا للدعوة لدين الله
والتعريف به، أحلم به متطوعا كسفير لقضايا
أمته، أحلم به إعلاميا واعيا.
ويتطلب
ذلك إعطاء الطفل قدرا عاليا من الوعي الجماعي
فنربيه عمدا وقصدا على أنه جزء من جسد أمة
تحتاج إليه، وأن نفتح عينيه على وسعهما ليرى
مساحات أرحب من الحياة، فيتابع أمر المسلمين
وقضاياهم؛ ينقد ويفكر ويجرب ثورة التغيير في
محيطه الضيق لينتقل لمحيط أوسع فأوسع.
هذا
هو التطوع الذي أحلم به.. تطوع يتكاتف فيه
مجتمعنا لتربية هؤلاء الصغار.. والذين
سيتطوعون بدورهم ليحسنوا جودة الحياة.
إن
شاركتني هذا الحلم.. فهيا ندفع ثمنه الآن وقتا
وجهدا لنترجمه إلى واقع نرى فيه انتفاعا
جماعيا بالقدرات الجماعية.. نعلم فنعلم..
ونفقه فنفقه.. ونعرف فنعرف.. وتتشابك الأدوار
شيئا فشيئا لنربي بوعي جيلا مختلفا قادرا على
إحداث الاختلاف.
ولعل
أهم ما يصنع هذا المبدع المتبرع بتحسين جودة
الحياة تمكنه من عدة مهارات وتشبع شخصيته
بعدد من السجايا، أولها التعاطف والحنو
والعطاء.
مراحل
التعاطف
يشير
علماء النفس إلى أن هناك نوعين من التعاطف:
أولهما رد الفعل العاطفي تجاه الآخرين وهو
الذي يتطور تلقائيا خلال السنوات الست الأولى
من عمر الطفل.
والثاني
رد الفعل الإدراكي الذي يحدد مدى استطاعة
الأطفال لأن يدركوا وجهة نظر الشخص الآخر.
ومع
نضج قدرات الأطفال على الإدراك فإنهم يتعلمون
بشكل متزايد دلالات الإشارات المختلفة لآلام
الآخرين، بحيث تتم الموازنة بين اهتماماتهم
واهتمامات الآخرين.
وحين
يحدث هذا النضج الإدراكي يفهم الطفل متى
يقترب من صديقه الحزين، ومتى يفضل أن يبتعد
عنه، وماذا يمكنه أن يفعل لأجله.
ويميل
هؤلاء الأطفال لأن ينجزوا أعمالا تتضمن
المساعدة والمشاركة، وبالطبع يحظون بالحب
والتقدير العالي للذات بما يبشر بنجاح أكبر
في الحياة.
والتعاطف
هو أساس جميع المهارات الاجتماعية، حيث إنه
جزء من التكوين "الجيني" لدى الطفل،
ولكنه -كغيره من السمات- يختفي إذا لم يتم
رعايته وتغذيته، بل تعلمه.
ساعده
ليتعاطف
أولى
خطوات التعاطف تحسس مشاعر الآخرين، والقدرة
على أن يضع الطفل (والكبير أيضا) نفسه موضع
الآخرين فيرى مثلهم ويشعر شعورهم، فعلمه أن
يتعرف على المشاعر المختلفة، ويصنفها: سلبية -
إيجابية؛ ويسميها.
-
اسأله: ماذا تظن شعوره عندما ضاعت منه أقلامه..
كيف تشعر لو كنت مكانه (تعريف الشعور وإدراك
أنه سلبي).
هل
تحب هذا الشعور؟ (التفكر تحسس الشعور)، ماذا
يمكننا أن نفعل لنساعده (الإقدام عمليا على
تغيير الموقف بتقديم المساعدة).
-
ساعده بالقصص والنقاش؛ لو كنت مكان هذا (...)
بماذا كنت ستشعر؟ من تظن أنه كان من الممكن أن
يساعدك؟
-
دعه يفكر دوما في تبعات فعله على الآخرين.
والعائد
من تعليم التعاطف للأطفال يتعدى مساحة التطوع
لمساحة أبعد كقبول الآخر واحترام الثقافات،
بل والنجاح العملي في التفاوض وفض النزاعات.
فساعد
طفلك ليرى الحياة من جانبها الآخر، وليتعاطف
مع وجهات نظر تختلف عن وجهته.
لتنمية
العطاء في نفس طفلك
هل
يتسع وقتك وجهدك وقلبك ومالك للآخرين أم أنك
مشغول دائما..؟ مضغوط دائما..؟
منشغل
بنفسك عن الآخرين دائما.. هل لديك هذا الإحساس
الجماعي؟ هذا سؤال ينبغي أن نتفكر فيه دوما
قبل أن ندعو أطفالنا للعطاء.
-
كن قدوة، ودع طفلك يراك متلبسا بالتعاطف
والعطاء!
وهناك
بعض التصرفات البسيطة التي يمكن أن تكون جزءا
من حياة الأسرة كأن تصنع معروفا لجار؛ أو تعطي
بعض الطعام وكلمة طيبة لمحتاج؛ أو تقف مع شخص
ما يتعرض لمضايقة الرفاق.
-
حاول أن تحيط طفلك بهؤلاء الذين يتمتعون
بالحنو والعطاء فيكون لديه أكثر من القدوة.
-
قدم كتبا وقصصا تتحدث عن نماذج تعلي من شأن
السلوك الحاني المتعاطف. وناقشه فيما أعجبه
ولماذا، وكيف أثر سلوك كل من هؤلاء في الحياة
من حولهم.
-
ساعده ليدرك أن للآخرين احتياجات مماثلة
لاحتياجاته، فالطفل يعطي إذا ما أمكنه أن يضع
نفسه مكان الآخرين.
تشير
إحدى الدراسات إلى أن المراهقين الذين
ينخرطون في مساعدة الآخرين يشعرون بمشاعر
إيجابية تجاه حياتهم، ويكون لديهم طموحات
وآمال كبيرة لمستقبلهم.
كذلك
فإن تعليم الأطفال بأن يفكروا في الآخرين
يعطيهم إحساسا قويا بقدرتهم على إحداث فرق في
الحياة.
-
العطاء حتما يحدث فرقا.. دعه حتى يرى هذا الفرق
في أسرته.. في مجتمعه.. في الحياة الواسعة. دع
هذا الإحساس يتمكن منه. كرر على مسامعه دوما:
"أنت قادر على أن تغير الحياة بعطائك، أيا
كان هذا العطاء: وقتا، جهدا، دعاء، كلمة طيبة،
ابتسامة، تصفيقة لصغير يحاول التعلم... الخ
حين
نعطي نشعر شعورا طيبا تجاه أنفسنا. أشر لهذا
الإحساس الطيب الذي يتركه العطاء في نفس
صاحبه.
يقول
الطبيب النفسي جوليس سيجل: "إذا لم يشعر
الطفل بأنه مقبول ومحبوب حبا غير مشروط من قبل
والديه؛ تظل احتياجاته تدوي عاليا في آذانه
مما يصمها عن سماع بكاء الآخرين المكروبين أو
المحتاجين".
"لا
ينبت هذا الإحساس بالتعاطف والرغبة في العطاء
في غياب العلاقة القوية من الرعاية والعناية
بين الطفل والأهل. فحين تقرأ لطفلك أو تشاركه
أو تقبله أو تربت على شعره؛ فأنت تعطيه الأساس
الذي يمكنه من الوصول للعطاء للآخرين".
-
"المرء عند ظن أخيه"؛ فإذا ما أظهرت
تقديرا لمحاولاته لمساعدة الآخرين واهتمامه
بهم وباحتياجاتهم؛ فإنه سيحاول جاهدا أن يعلو
لمستوى توقعاتك.
-
إذا ما عودنا الطفل العطاء داخل الأسرة
والعائلة أمكننا فيما بعد أن نطالبه بالتطوع
لما ينتمي إليه (الأمة).
-
عودهم الصدقة اليومية، فجزء من ماله
للمشتريات؛ وجزء للادخار وجزء للصدقة.
-
أوجد طرقا منظمة لطفلك ليشارك وينخرط.
-
علمه المسئولية بأن يكون مسئولا عن نفسه ثم
الآخرين.
-
أشركه في الأعمال المنزلية.
-
عبر عن شكرك، أظهر كيف أَسعدك عمل طيب قدمه
الآخرون لك.
-
علمه الشكر لكل ما يتلقاه صغيرا كان أم كبيرا؛
الشكر لك كأب لما تقدمه من وقت وجهد ومال،
الشكر لهذا الذي ابتسم له فجعله يشعر شعورا
جميلا.. الشكر لهذه الجدة التي تصنع له خصيصا
هذا النوع من الطعام أو الحلوى.. الشكر لهذا
الذي يعلمه.. يدربه...
فنحن
نقدر العطاء من الآخرين بما يعني حتما أن
عطاءنا سيحدث فرقا -كبيرا أو صغيرا- ورُب
أطفال يحدثون فرقا!
مدد
وعي أطفالك بالعالم تدريجيا، افتح عقولهم
لأماكن عدة يمكن لاهتماماتهم ومواهبهم أن
تحدث فيها فرقا.
تحدث
وتناقش دوما حول المشكلات الاجتماعية،
واستكشف وجهات نظرهم ورأيهم وحلولهم
المقترحة.
شاركهم
متابعة أحوال المسلمين حول العالم، والتواصل
معهم وعمل مجموعات إلكترونية للتواصل
والتعارف وتبادل المعلومات والمعارف و...
-
انشر كل ما يتعلمه لتؤصل لديه مفهوم "خيركم
من تعلم العلم وعلمه".
-
حقق الاكتفاء ليسهل العطاء (المعنوي- القدرة
على الإنتاج والعمل- تعلم العلم الذي يمكن أن
ينقله لغيره).
-
امنح الطفل الوقت ليتعلم ويتقن ما يمكنه
المشاركة به.
-
أعطه فرصا ليقدم بنفسه طرقه الخاصة به لإحداث
الفرق، فاهتماماتهم ومواهبهم مختلفة.. وهذا
يجعل العطاء مختلفا.. فربما أرادوا أن يعطوا
ما لديهم لمساحات مختلفة، أو أشخاص مختلفة أو...
دعهم
يجربوا أجنحتهم الخاصة ليرفرفوا في سماوات
أرحب.
اقرأ
ايضا:
|