دليل العازب

اتصل بنا البحث  الرئيسة

آخر تحديث 11-06-2006
تم الإطلاق 01-03-2006

أحمد فتحي

الاسم: 

قليلووووون

العنوان:

مصر

الدولة:

اعترافات رجل في سنة أولى عزوبية

2005/03/01

** خالد أبو بكر

نحن الآن أمام محطة قطار مدينة ديروط (300 كيلو متر جنوب القاهرة) في سبتمبر 1994، ومعي حقيبتان بهما حاجياتي، كانت الوجهة صوب محافظة الفيوم التي تقع جنوب غرب القاهرة بـ100 كيلومتر، كنت خارجًا لتوي من الثانوية العامة، والتحقت بمجموع هزيل بكلية الخدمة الاجتماعية في هذه المحافظة، كانت سعادتي كبيرة بهذا المجهول الذي ينتظرني، كل ما أعرفه أنني أمام عالم جديد سأكون فيه حرًّا من أغلال أبي، أوه.. أبي، إنه يقف بجواري يمقتني بنظرات حادة كما هي عادته. يرى أن القسوة هي الطريقة الوحيدة التي ستصنع مني رجلاً. قالها لي بحدة: "لا مكان للفاشل في عائلتنا.. فكن رجلاً" تظاهرت بالاهتمام، في حين أني لم أعر كلماته اهتمامًا فعليًّا.

سالت الدموع من عيني أمي التي خرجت لتوديعي بعد طول استعطاف من أبي ليسمح لها بذلك؛ فأنا ابنها البكر "شد حيلك يا ولدي، ربنا يستر عليك، ويخيم عليك بخيمة الستر"، كل هذا وأنا أنظر إليهم وعقلي هناك في الأفق البعيد في المجهول الذي ينتظرني.

صفير القطار يخرق الآذان.. أمي تثبت ناظريها عليّ.. أحاول تهدئتها، غير أن عقلي ما يزال مشغولاً بالمجهول الذي أنا على موعد معه. وقف القطار على الرصيف، هممت للركوب، يا له من حنان رأيته في مقلتيها في هذه اللحظة، ويا لها من نظرات حانية لمحتها في عيني أبي المتجهم على الدوام، وما أندر حنانه الظاهر علي! ركبت القطار. نظرت إليهم من النافذة.. أخي ناصر يلوح لي بيديه، تحرك القطار ووجه أمي يتباعد.. يتباعد، وتصغر يدا ناصر كلما ابتعد، راحت الوجوه التي عشت معها طيلة حياتي، غابت مدينتي عن الأنظار، وسرعان ما انصرف تفكيري إلى المجهول الذي ينتظرني.

أهلاً بالعزوبية

وصلت الفيوم بالفعل، ذهبت لكي أبحث على سكن أقيم فيه، وجدت الآباء والأمهات مع أبنائهم ممن هم في مثل ظروفي يبحثون معهم عن مساكن، سعدت لعدم وجود أبي معي، فلو كان معي لم يكن الأمر سيخلو من الأوامر والتعليمات والنصائح، وحكايا الذين فشلوا في العائلة فلعنوا من آبائهم، وكيف يتعين عليّ أن أجتهد، ومن البيت للكلية، ومن الكلية للبيت، يا إلهي أين هو البيت؟ رأيت بعض الشباب يتحدثون بلكنة صعيدية، اقتربت منهم، بادرتهم بقولي: "أنتم صعايدة؟" قالوا نعم.. قدمت لهم نفسي، قالوا مرحبًا بابن العم. قلت أريد العثور على سكن، دلوني على رجل يؤجر سكنًا للطلبة في مكان اكتشفت أنه في الدور الأرضي الذي يسكن فيه البوابون "حراس العمارات"، وأنا غريب ولا أعرف شيئًا، والغريب أعمى، هكذا كانت تقول أمي، لا بأس سأسكن.

وجاء وقت الاتفاق على السعر.. بادرني صاحب الحجرة ضاحكًا بقوله: "تريد ذكر الكلام ولا نتايته" كجملة افتتاحية للأخذ والرد حول السعر، وكيف أنه يود الحديث بذكر الكلام؛ لأنه الأصدق، أما أنثى الكلام -كأي أنثى- هي الباطل والزور، على أية حال لم أفهم ما يقوله وقتها، ولم يعجبني خطابه، وأنا الصعيدي الذي يرى في الابتسام في هذا التوقيت نوعًا من الإسراف في البهجة، كان معي طالبان، اتفقنا على أن يدفع كل واحد منا 35 جنيهًا للرجل شهريًّا، وسكنت معهما، كان الأول من محافظة المنيا (250 كيلو مترًا جنوب القاهرة)، والثاني من البحيرة (نحو 150 كيلومترًا شمال غربي العاصمة القاهرة).

وجدت بالحجرة سريرين، يا ربي.. إني أكره النوم بجوار أي مخلوق حتى إخوتي، ولا بد أن ينام اثنان على سرير واحد من ثلاثتنا، زميلي البحراوي لم تكن تهمه معه المسائل. عرفت مبكرًا أن الصراع على السرير الفردي سيكون مع المنياوي، أخذتني الأنفة الأسيوطية وقلت لن أدعه يأخذ السرير مني، للأمانة كان هو الأعقل، قال يا ابن العم.. سننام سويًّا على السرير المزدوج؛ لأننا الأقرب نفسيًّا إلى بعضنا البعض، حيث إننا صعايدة، وسنترك لهذا الغريب عنا السرير الفردي، رأيته حلاًّ وسطًا فوافقت، وما أصعبها من أيام تلك التي نمت فيها بجوار هذا الزميل! لم يغمض لي جفن في الأيام الأولى، لكني عرفت بعدها النوم مجبرًا.

بدأت أنتظم في الدراسة، وحرم الجامعة في الفيوم على صغره، فإنه لا شك أكبر من المدرسة الثانوية والناظر وطابور الصباح، وجدت الطلاب يجلسون متجاورين مع الطالبات، هذه تضرب هذا، وتلك تضحك مع ذاك، هنا فقط شعرت بالغربة، والبُعد عن الأهل كان أمرًا عاديًّا لي، أعرف مسبقًا أنه لن يؤلمني، لكن ما أشعرني فعلاً بالغربة، وأنا القادم من مجتمع محافظ لدرجة التزمت ما رأيته من حال البنات والأولاد، نظرت حولي، كيف سأتأقلم مع هؤلاء؟ وبدأ سؤال الهوية في الإلحاح على رأسي هل أكون مع الاختلاط؟ أم أكون في حالي؟ تركتها للظروف التي جعلتني بعد أقل من شهر واحد أكون العديد من الصداقات مع بعض الطلبة والطالبات على السواء، وجعلتني أجلس على نفس الرصيف الذي شعرت بالاشمئزاز منه فور رؤيتي إليه.

مرّ أسبوعان على توديعي لأسرتي، وأهلي لم يعرفوا عني شيئًا سوى أني في الجامعة في مدينة الفيوم، تذكرت أبي وأنا أجلس مع زملائي وزميلاتي، تخيلته ينظر إلي وأنا بينهم، فتملكت قلبي غصة شديدة، ارتعدت، فلهذا الرجل قدرة كبيرة على جعلك تخشاه، هدأت بعض الشيء، وسألت نفسي: أيعقل أن يكون ما أنا فيه هو "البوظان" أو الفساد؟ هل هذا الأمر سيؤدي لرسوبي في آخر العام؟ لم أجد إجابة.

كنت وسط الزملاء لا أتكلم كثيرًا، وإن تكلمت ففي شيء جاد، حيث كنت من المولعين بالقراءة طوال المرحلة الثانوية، وكثيرًا ما كان الزملاء يتهموني بالفلسفة الزائدة والاستعلاء عليهم، لست أدري لماذا؟ ربما للتفاوت الفكري والثقافي بيني ومعظمهم وقتها، حيث كنت حريصًا منذ مراحل مبكرة من حياتي على القراءات الجادة، وكان حصولي على مجموع هزيل وضعني مع "رديف" الثانوية العامة لظروف قهرية.

غسيل وطبيخ

مرت الأيام وأنا أنعم بالحرية بعد القيود التي عشت فيها طيلة حياتي، وبعد أن ذقت طعمها لا أريد أن أفقدها ولو للحظات، ولا عزاء لدموع أمي، وبسمات الصغير ناصر.. فمن ذاق عرف؛ قلت هذا عالمي، وهذه بلادي، والطلاب أهلي، لا أريد أن أرجع.. لفت نظري أن ملابسي التي جهزتها لي أمي قاربت علي الانتهاء وبحاجة للغسيل.. اللعنة.. كيف سأغسل؟ سؤال لم أجد ما يعطلني عن إجابته، فالحجرة اللعينة لا يوجد بها غسالة، وجدت ضالتي في "حوض" الصنبور الموجود في الحمام، أوه.. أين سأنشر الملابس إذن حيث لا توجد "بلكونة"؟.. تبًّا لهذه الحياة، تذكرت أمي وحبست دمعة في عيني.. ماذا أصنع الآن؟ اشتريت حبلاً ووصلته بين الحجرة وشجرة أسفل العمارة ونشرت عليه الملابس، وجلست بجوارها حتى نشفت، واستلفت مكواة من طالب يسكن بجوارنا، وكويت الملابس وتم حل اللوغاريتم الأول.

في هذه الأثناء كنت أعتمد على وجبات المطاعم، من الفول والطعمية والكشري، ولا مانع من أكلة سمك أو دجاج من حين لآخر، راجعت حصيلة النقود التي معي وجدت أنني لو سرت على نفس المعدل في الصرف سأعود إلى البلد سريعًا، وهنا كان التحدي الجديد، قررت ألا أتعامل مع الوجبات الجاهزة، همس إلي أحد العارفين بأمور العزوبية بقوله: لماذا لا تطبخ؟ أنا أطبخ؟ أيعقل هذا؟ ولم لا؟ أطبخ...

نظرت في حجرتنا التي هي حمام ومطبخ وكل شيء فوجدت "بوتجازًا" وضعه صاحبها كنوع من الديكور، وجدت بجانبه بعض الأواني المتهالكة، لم أحبط وذهبت للرجل الثرثار صاحب الحجرة مطالبًا إياه ببوتجاز جديد، فضحك الرجل وبعض الطلاب القدامى الذين كانوا يجلسون بجواره من فرط سذاجتي، ويبدو أني صعبت عليه فقال "يبدو أنك مش وش بهدله"، وأعطاني مشعلاً صغيرًا، فرحت به.

كان أول شيء حاولت طبخه أنا وزميلي المنياوي وجبة "أرز" مع "وجبة بطاطس" يسمونها في أوساط الطلاب "نَيّ في نَيّ" ذهبنا إلى جارنا "عبد الله" الذي يسبقنا بعامين دراسيين نستشيره في أمر الطبخ، فوجدناه مضطجعًا على حصيرة كان يفرشها خارج "فيلته" أو حجرة البواب التي كان يسكن فيها هو الآخر، ولبس ثوب كبير طباخي "الهيلتون"، وقال: "شوف يا بني أنت وهو.. سأمنحكم شرف أكلي معكم، وأنا من سيقوم بالطبخ، وعليكما أن تتعلما مني، وغاية أمنياتي أن تكونا بطيئين في التعلم حتى أزيدكم في الدروس؛ وبالتالي أكلي معكما سيكون نظير نقل خبرتي العظيمة في فنون الطبخ إليكما". جاء عبد الله إلى حجرتنا وطبخ لنا، وبالرغم من أن الأرز عجّن، والبطاطس لم تكن بطاطس فإننا أكلنا وشبعنا، وقبل أن نخلد للنوم وجدت زميلي البحراوي يجهش بالبكاء، جلست بجواره وقلت له ماذا بك؟ قال تذكرت أمي، قلت: أتبكي وأنت تسافر كل أسبوع؟ جاءني صوت المنياوي من تحت الغطاء دعك منه "هؤلاء أبناء الوجه البحري قلوبهم ضعيفة"، هدأت البحراوي، وقلت لنفسي هل قلبه ضعيف؟ أم أن قلوبنا نحن القاسية؟

رحلة العودة

مرت الأيام سريعة، وأكملت 45 يومًا بعيدًا عن الأهل، من دون أن أطمئنهم علي ولو بتليفون، وقبل أن أعود إلى البلد كنت قد ضقت ذرعًا من السكن ومن المنياوي ومن البحراوي، لم تكن لهما أي اهتمامات سوى تبادل التلاسن، وأنا شارد بعيدًا عن أحاديثهما المملة، لم تكن تعجبهما طريقتي في الكلام والتعامل، فأنا أحب التعامل مع كل الناس في حدود معينة، وهم لا حدود لديهم في شيء. قررت تغيير السكن بعد العودة بالنقود من البلد؛ لأنه فعلاً لا يصلح لجنس الآدميين.

ركبت الدرجة الثالثة في القطار أثناء رحلة العودة، فشعرت بحنين مؤقت لرؤية أمي، ووجوه إخوتي، وحزم والدي.

هالني منظر الطلاب المغتربين أمثالي حين وجدتهم يخرجون الكتب من حقائبهم، ويقومون بالتخطيط فيها، ولما سألتهم عن الأمر قالوا حتى نوحي لآبائنا عند رؤيتهم لها أننا نذاكر ونجتهد، فضحكت بشدة، ومنظر البائعين في القطار كان جديدًا بالنسبة لي، كل شيء يباع في قطار الصعيد، حتى ماء الصنبور، وصلت إلى المحطة التي ودعني أهلي منها.

دخلت المنزل فعمت الفرحة والسرور عليه، ولأول مرة أشعر أنني مهم، وأنهم يقلقون عليّ، استقبلني أبي بحفاوة بالغة بعدما شاهد قسوة قلبي التي أعجب بها بشدة، وعبّر عن خالص امتنانه من طول غيابي؛ لأنه يدل على بوادر فلاح نادرة بالنسبة لي.

في حين عاتبتني أمي بشدة على هذا الغياب، بعد يوم من العودة شعرت بالغربة وسط الأهل، أخذني الحنين إلى الكلية والزملاء والزميلات، ولم يأخذني إلى الحجرة بطبيعة الحال.

بعد ثلاثة أيام عاودت أدراجي، وتعرفت أثناء رحلة العودة على زملاء جدد يسكنون في مكان راق بالمدينة التي أدرس فيها، وكم كانت سعادتي عندما وافقوا على سكني معهم. ذهبت مسرعًا إلى الحجرة اللعينة للملمة حاجياتي، فأعلن المنياوي غضبه علي، وكيف أني نذل، ولا أتقي الله في العشرة، وأني خنت العيش والملح، والبحيري بادرني بالقول هل ستتركني للمنياوي؟ قلت يا سادة نحن أصدقاء وأعدكم بتكرار الزيارة، بقائي معكم فوق طاقتي، وانطلقت إلى السكن الجديد، وجدته في عمارة فخمة، وحي هادئ جدًّا، وصعدت إلى الشقة فوجدت بها معظم الكماليات من تلفزيون وسخان، وفرش جديد فلم أصدق نفسي، وخاصة أن الإيجار لم يكن كبيرًا، فقد كان ضعف ما كنت أدفعه في الحجرة الملعونة، والمفاجأة أن لكل فرد من ستتنا سرير خاص به بمعدل اثنين لكل حجرة، أشار لي من أقيم معه بالحجرة أن الدولاب الصغير الواقع خلف الباب لي فلم أصدق نفسي بعد عذاب الحجرة البغيضة.

وكان انتقالي لهذه الشقة نقلة حضارية كبيرة في دنياي الجديدة، فالغسيل سينشر في "البلكونة"، وليس في الشارع، ومطبخ رائع وأناس أكبر مني سيقومون بعملية الطبخ، ولعدم خبرتي فيه قالوا عليك أنت بشراء لوازمه من السوق، لكني بعد فترة سئمت هذا الدور، وقررت تعلم الطبخ؛ لأنهم كانوا في السنة النهائية، وإذا لم أتعلم سأجد مأزقًا في العام المقبل.

ومرت الأيام وكبرت، وتأقلمت مع حياة العزوبية، وأصبحت أملك خبرة في التعاطي معها يمكنني نقلها للعزاب الجدد، وتخرجت من هذه المرحلة، وأنا إنسان آخر غير الذي كان قبلها، وبدأت أحب قريتي، والعيش وسط أهلي، وتفهمت طريقة أبي في التعامل معي، ونجحت في تغيير مساري من كلية الخدمة الاجتماعية إلى كلية الإعلام ودراسة الصحافة التي هي أهم شيء في حياتي ويجعلني أحيا لأجله في هذه الدنيا. لذا أقول ليس الاغتراب المقترن بعزوبية كله شر.


** محرر في النطاقات الاجتماعية بشبكة "إسلام أون لاين.نت"، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للصفحة: adam@islam-online.net

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع