عادت أزمة الرسوم المسيئة للرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- تشتعل من جديد عقب إعادة نشرها مرة أخرى بإحدى الصحف الدنماركية.
وقد أعقب نشرها غضبة واسعة داخل جميع بلدان الإسلام، ولا أحسبها إلا غضبة لله تعالى، وحبًّا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والغضب لله سبحانه وتعالى أمر واجب إذا انتهكت حرمات الله تعالى، لكن الغضب لله تعالى شيء وتحديد آليات للتعامل مع أمثال هذه الأزمات شيء آخر، فعقب إعادة نشر هذه الرسوم خرجت مظاهرات الاحتجاج وانطلقت الدعوات الداعية إلى المقاطعة الاقتصادية، وهي ذات الطريقة التي تعاملنا بها مع ذات الأزمة منذ عامين وساعتها التهبت المشاعر وارتفعت الأصوات، لكن سرعان ما خمدت نيران المشاعر وسكتت الأصوات، ونسي الناس الأمر برمته، حتى تكررت ذات الإساءة مرة أخرى وها نحن نعيد نفس الرد مرة ثانية! وأعتقد أنه بعد وقت طال أو قصر سينسى الناس أمر الاساءة الثانية انتظارا لتكرارها مرة ثالثة ورابعة.
ويبدو أننا لا نريد استيعاب الدروس، ولا التعلم من الأخطاء؛ لأننا نبحث دائما عن أسهل الحلول، وتحركنا العواطف مما جعل معظم مشاكلنا متراكمة ومركبة.
ويبدو أننا لا نعرف الحياة إلا تحت ظلال المشكلات المزمنة التي تنتظر حلولاً منذ عشرات السنين! لماذا نرفض استيعاب الدرس؟! لقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن المظاهرات لا تغير واقعًا، وسياسة المقاطعة الاقتصادية لا تردع عدوا وإن أثرت نسبيا، فلماذا نلجأ إلى تكرارها برغم فشلها؟!
ولماذا نتناسى أن الرسول صلى الله عليه وسلم تعرض لذات الحملة التي تهدف إلى تشويه صورته في حياته! لقد اتهموه بالسحر والكهانة والجنون، وأعتقد كذلك أن الإساءة أشد إذا خرجت من قومك وعشيرتك.
فماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام تجاه هذه الإساءة؟ هل علق اللافتات حول الكعبة يدين بها قريشًا!! وهل نظم عدة مظاهرات ليعلن بها عن غضبه! لقد رد عليهم ردود العقلاء الحكماء، لقد برهن على براءته ودلل على كذبهم وافترائهم ببرهان عملي أخرس به ألسنتهم وكشف كذبهم وعرى به نفوسهم المريضة. لقد رموه بالسحر ومعلوم أن السحر يسلب العقول، ويمنع المسحور من التفكير والتمحيص.
فكان الرد العملي أنه جاء ودعا إلى شريعة تخاطب العقول وتحررها من أغلالها حتى قال لهم القرآن: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء : 22]
فوجه لأصحاب العقول السليمة الواعية الحاضرة لتستدل بعقلها على وجود إله واحد، والساحر لا يطلب من المسحور إعمال عقله، لكن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام كان يصرّ على مخاطبة العقول وكثيرا ما كرر القرآن الكريم كلمة: (أفلا تعقلون)؟.
كيف أثبت الرسول براءته؟
لقد أثبت الرسول -صلى الله عليه وسلم- للجميع أنه بريء من سلب العقول بالسحر، بل على العكس فإنه دعا إلى إعمال العقل للاستدلال على وحدانية الخالق سبحانه وتعالى ورموه بالكذب، وأنه جاء بالقرآن الكريم من عنديات نفسه!! فرد على هذا الافتراء ردا عمليا هادئا برهن به كذبهم وتحداهم أن يأتوا بآي واحدة من مثله، فعجزوا عن ذلك برغم وجود الفصحاء والبلغاء بينهم ليثبت لهم عمليا أن أفصح الناس يعجز عن الإتيان بمثل آيةٍ واحدة من القرآن الكريم وأنه كلام الله رب العالمين، وليس بكلام البشر لقد كانت تعاملات النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مع أمثال هذه الافتراءات من أعظم وسائل الدعوة إلى الإسلام ومن أعظم طرق إقناع الناس بصحة احكام هذا الدين, وعصمة نبيه من الوقوع في الزلل والانحراف.
لقد كان من الممكن أن نستثمر هذه الاتهامات في الدعوة إلى الإسلام، وفتح أبواب واسعة للحوار الهادئ مع الغرب ليفهم العالم كله حقيقة هذا الدين الحنيف، لكن للأسف لم نقدم للشعوب الغربية برهانًا واحدًا على كذب وافتراء هذا الرسام الجاحد وهبطنا بأنفسنا إلى مرتبة العجزة البلهاء الذين لا يملكون غير الثرثرة والعويل.
إن الإعلام الغربي سواء الأوروبي أو الأمريكي إعلام موجه في معظمه وتسيطر الصهيونية العالمية على معظم قنواته وصحفه وإذاعاته!! والصهيونية العالمية لا تكره المسلمين فقط!!
وإنما تكره شعوب العالم قاطبة، وتعادي جميع الأنبياء، وما أسهل الرد على شبهاتهم العوراء والإسلام يملك البرهنة على دحضها وتحطيمها فهو دين يخاطب جميع العقول برغم ما بينها من تفاوت ويخاطب جميع الشعوب برغم ما بينها من اختلاف في الثقافات والعادات.
إيقاظ أهل الكهف من نومهم!
ولعل إعادة نشر هذه الرسوم التي تسيء إلى الإسلام ونبي الإسلام توقظ أهل الكهف من سباتهم الذي امتد قرونا طويلة ليقيموا جسرا جديدا للحوار مع الغرب المتعطش إلى بعث روحي جديد يخلصه من ظلمات المادة الطاغية! والذي يفري الكبد أن بعضنا ما زال يعمل بإصرار وحماقة على تثبيت هذه الصورة المغلوطة بسبب تصرفاتهم غير المسئولة هنا أو هناك والتي يتم نقلها إلى الغرب كما هي للتأكيد على همجية المسلمين وتعطشهم للدماء.
ويمكن القول إن إعادة نشر هذه الرسوم الظالمة الكاذبة يمكن اعتبارها نوعًا من التحدي السافر، ويبدو أن من فعلها يدرك أن الشعوب المسلمة عاجزة عن الحوار والمناقشة وستكتفي بالشجب والمظاهرات ولافتات العداوة، وهو ما يسهم بشكل مؤكد في تثبيت هذه الصورة المغلوطة عن الإسلام والمسلمين ويمكن أيضا اعتبارها بالون اختبار لمعرفة كيف يتعامل المسلمون مع التحديات التي تواجههم وهل يتعاملون معها بما يناسبها من إجراءات أم يتعاملون معها بعواطف غبية تهدم ولا تبني وأعتقد أننا برهنا على أنفسنا بأننا ما زال ينقصنا الوعي اللازم لمواجهة هذه التحديات السافرة!!
بقيت كلمة أخيرة وهي أن الإسلام هو الرسالة، ونحن صورتها أمام العالمين فإذا رأى غيرنا هذه الصورة مشوهة فالعيب فينا، ولا يمكن أن ندعو إلى إسلامنا إلا إذا جعلناهم يشاهدون مجتمعات تعمل بهذا الإسلام، لأن الأعمى لا يقود غيره، كذلك لا يمكن أن يدل على الله ـ تعالى ـ إلا من عرفه فمتى نعرف ومتى نفهم؟