 |
|
يمكن أن يتعاون أهل الديانات لإنقاذ العالم
|
يمر
العالم الإنساني بمحنة حقيقية، وكوارث
طبيعية، وصراعات لم يشهدها أحد من قبل؛
خاصة بعد نشر الرسومات المسيئة لأكثر من
بليون مسلم. ونظرا لأن المظاهرات الغاضبة
التي اجتاحت العالم العربي والإسلامي
أدت إلى صدام حقيقي بين الدول الإسلامية
والدول الغربية؛ فإننا نجد أنفسنا اليوم
أمام مسئولية ضخمة، ومهمة عظيمة لإيقاف
هذا الصدام الذي يفسد الأرض، ويعوق
البشرية لتحقيق مسئوليتها نحو إعمار
الأرض وتنميتها، ومباشرة هذه المسئولية
تحتم علينا دراسة أسباب الأزمة الحالية.
فلا
شك أن هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة
في أذهان الغربيين نحو الإسلام
وتعاليمه، وقد تولدت هذه المفاهيم نتيجة
الحوادث الإرهابية التي تقترف باسم
الإسلام، وأيضا التصريحات التي يصرح بها
بعض الدعاة، والتي تدعو إلى الجهاد ضد
الغرب عامة، وتكفير كل ما يخالف فكر
هؤلاء الدعاة؛ حتى لو كانوا من المسلمين.
وفي
المقابل، توجد مفاهيم خاطئة في أذهان بعض
المسلمين عن الغربيين؛ إذ يعتقدون أن
العالم الغربي هو عالم مسيحي.. بينما
الحقيقة أن الغرب علماني ومدني؛ انفصلت
فيه الكنيسة عن الدولة تماما.
وتجعل
هذه المفاهيم البعض يظنون بأن أخطاء
الأفراد والحكومات الغربية ليست إلا
مؤامرات مسيحية ضد الإسلام. ولكنْ هناك
اختلاف قيمي وأخلاقي وديني بين العالمين
العربي والإسلامي وبين الغرب، ويساعد
هذا الاختلاف على سوء فهم الآخر. لكن كيف
نمنع تكرار هذه الأزمات؟.
لا
شك أن استصدار تشريع دولي يمنع الازدراء
بالأديان في أي صورة من الصور، ويؤكد
احترام قيم ومبادئ الآخرين؛ سوف يساعد
إلى حد كبير في تعريف الخطوط الحمراء
التي لا يمكن تجاوزها خاصة بالنسبة
للأديان.
فاعلية
الحوار
إن
تصحيح المفاهيم الخاطئة من خلال الحوار
سيكون له أكبر الأثر في تجنب الأزمات
والصراعات؛ فإن هذه المفاهيم تعمق الهوة
الموجودة بالفعل بين العالم الإسلامي
والغرب. وكلما ازدادت الهوة ازداد
التصادم والصراع الفكري.
فلولا
الأفكار المشوهة عن تعاليم الإسلام
الصحيحة لما كانت هذه الرسومات التي
أساءت للأمة الإسلامية كلها، واستنكرها
المسيحيون أيضا في الشرق والغرب؛ ليس فقط
بالتصريحات التي صدرت من الكنائس
والقيادات الدينية، ولكن أيضا من خلال
حضور وفد كنائس الدانمارك ليتضامن مع
مسلمي مصر والعالم العربي.
إن
الحوار على كل المستويات بدءا من
القيادات الدينية وحتى مستوى الناس في
الشارع أمر في غاية الأهمية، والبديل له
هو الصراعات والمصادمات الدامية. لذلك لا
بد من نقل دائرة الحوار إلى القاعدة
العريضة من الشعب، وتجنب الانفعالات
الحادة والمؤذية؛ لأنها لا تؤدي إلا
لمزيد من الصراع.
تحديات
مشتركة أمام أهل الأديان
ويواجه
أصحاب الديانات في عالم اليوم تحديات
تحتاج إلى مزيد من العمل المشترك
لمواجهتها؛ فالفقر الذي يسحق معظم سكان
العالم يحتاج منا أن نعمل معا في مجال
التنمية، كما نحتاج مواجهة الجهل بالعمل
معا في مجال التعليم وبناء المدارس.
وتحتم
الأمراض والأوبئة التي تقضي على
الملايين سنويا علينا المساهمة في
التوعية الصحية ومكافحة الأمراض. كما
نحتاج إلى جهود صانعي السلام لتفادي
الحروب والصراعات القبلية التي تؤدي إلى
فقر، وأصدق مثل لذلك هو اشتراك المسيحيين
والمسلمين في العالم كله في التنديد بحرب
العراق قبل حدوثها.
ومن
التحديات الصعبة التي تواجهنا اليوم،
العلمانية التي تنكر وجود الله، وتستخف
بالقيم الروحية؛ الأمر الذي شجع الكثير
من الدول الغربية على منع تدريس الدين -حتى
الدين المسيحي- في المدارس العامة.
وقد
دفع هذا الاستخفاف والازدراء بالدين
البعض لكتابة الكتب، وصنع الأفلام ضد
المسيح والمسيحية؛ مثل كتاب دافنشي كود
(Davinci Code ) وفيلم (Jesus Christ star)، وكلاهما
يتعرض بطريقة مسيئة لأخلاقيات المسيح.
وهنا
في الشرق، وتحديدا في مصر بلد الحضارة
والسماح؛ صدر مؤخرا كتاب يتحدث عن "خطايا
المسيح الكبرى" بما يجرح مشاعر
المسيحيين. ويضع هذا الازدراء أصحاب
الديانات في قارب واحد؛ فعليهم أن
يتعاونوا معا حتى يصمدوا بقاربهم أمام كل
هذه الأمواج العاتية التي تجرح عقائدهم.
وإن
كنا نؤمن بالله الفاحص لأعماق الإنسان،
فلنحبه بكل ما فينا من قوة، ونسمح له أن
يسكب بحبه في قلوبنا؛ حتى نحب الآخرين
الذين يختلفون عنا، ولنتركه ليجازي من
يشاء ويحكم هو؛ فهو وحده الحكيم والعادل
والرحيم والمنتقم.
ويجب
أن ندرك أن إثارة الفتن والصراع الطائفي؛
تؤدي إلى إضعافنا وإنهاك قدراتنا
لمواجهة التحديات الصعبة التي تواجهنا،
فلنتضامن ونتعاون من أجل عالم أكثر سلاما
وأمنا.
طالع مبادرات غربية:
اقرأ
أيضًا:
**
مطران الكنيسة الأسقفية بمصر وشمال
إفريقيا. والمقال منقول من جريدة "المصري
اليوم" عدد 12 مارس 2006؛ يمكنكم إبداء
آرائكم، ومراسلتنا بمشاركاتكم عبر بريد
الصفحة: alhabib@iolteam.com