New Page 1

بحث متقدم

ابحث

15/03/2006

الرسول في عيونهم

الإساءة للرسول.. والأزمة العقدية بالغرب

مسعود صبري**

تراجع الدين في الغرب

توجه الكثيرون إلى تحليل أزمة الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم. واستسلم الإعلام إلى تناول الأزمة، وردود الأفعال، ودور المسلمين، وكيفية الاستفادة من الأزمة.

وزهدت بعض الأقلام في سبر أغوار الطرف صانع الحدث "الغرب"، وتحليل وضع الدين في الفكر الغربي في الوقت الراهن؛ إذ تراجعت قيمة المقدسات بشكل ملحوظ.

فالدانمارك وإيطاليا وغيرهما من الدول التي نشرت الصور المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم تنتمي إلى دين وعقيدة، ويغلب على الغرب الاعتقاد بدين النصرانية. لذا يجب مراجعة ما حدث على ضوء خلفية الشعوب الغربية المسيحية.

احترام قيمة التدين

وبدا لي من خلال التفكير فيما حدث أن هناك أزمة عقدية في الغرب، فالغرب لم يَعُد مسيحيًّا بشكل يمكن أن نطلق عليه الالتزام بالتدين أيًّا كان شكله، سواء أكنا موافقين عليه أو غير ذلك. ولكن يظهر الغرب العداء للدين، ويتجه إلى اللادينية أكثر من المسيحية، أو إيجاد ظاهرة جديدة؛ يمكن أن نطلق عليها "المسيحية اللادينية".

وتُعَدّ ظاهرة "المسيحية اللادينية" بشكلها الذي لا يحترم الأديان هي شكل مخيف سيكون له ضرره على الغرب وعلى العالم كله، بحكم أننا جميعًا نعيش في عالم واحد، كما أنه سيكون له ضرر على المسيحية كمعتقد.

ولهذا، فإن كان المسلمون قد أضروا في مشاعرهم تجاه تلك الحملة، فإن الوجه الآخر يعني فشل المسيحية في التزام أتباعها باتباع تعاليمها، وأن جهد الكنيسة منصرف إلى غير تدين أتباعها، وتولد هذه الحالة نوعًا من التخوف على حالة التدين بشكل عام؛ لأن هناك قواسم مشتركة بين أصحاب الأديان، ولو بنسب محددة.

فهناك إيمان بين الأديان السماوية بقيمة "التوحيد"، مع أن له أشكالاً متعددة حسب رؤية كل أصحاب معتقد. ولا يقبل المسلمون طبيعة التوحيد عند اليهود والنصارى، غير أن الكل يؤمن بأن هناك إلهًا، وأنه لا يجوز سب الإله ولا تشويه صورته ولا الاعتداء عليه بأوصاف لا تليق.

كما تؤمن كل الأديان بفكرة الرسول المبلغ عن ربه بما أوحى إليه، وأهمية العمل بمبادئ العدل والحق والمساواة والتكريم الإنساني والتعايش والحرية والستر والعفاف وغيرها من المبادئ المشتركة.

وحينما يتوجه النقد اللاأخلاقي إلى قيمة من القيم، فهذا يعني أن هناك خللاً في هذه العقيدة، وإن كان هناك خاسرًا في هذه الأزمة؛ فهو الغرب المسيحي الذي لم يستطع أن يحافظ على قيمة التدين واحترام الأديان الأخرى.

ويرتفع رصيد الدين الذي لا يسب أي نبي. فيحترم الإسلام الدين المسيحي، ويعتبر الإيمان بالأنبياء كلهم، بما فيهم المسيح عليه السلام جزءًا لا يتجزأ من الإسلام، وشتان بين عقيدتين: عقيدة تعترف إحداها بالأخرى، وأخرى تجحد العقيدة التي تعترف بها. وهنا يتضح الفرق فيمن يحترم الأديان ومن يزدريها، ومن يؤمن بالحرية ومن يحاربها.

الإسلام يؤمن بتعددية العقائد

يعترف الإسلام منذ فجر تاريخه بوجود الأديان الأخرى؛ مع تحفظه على التغيرات التي يرى أنها زوّرت وتغيرت في طبيعة الدين، لكنه يؤمن بأصل الدين. أما المسيحية فما زالت حتى الآن لا تعترف بالإسلام كدين، وهنا يبرز الإسلام كمصدر لتوحيد الشعوب، فهو يقبل التعددية العقدية، ويجعل طريق الدعوة إليه الحوار البنّاء مع مطلق الحرية، ويعلي من شأن القيم الإيجابية في العقائد الأخرى؛ لأنه تضمنها. ولذا، فإن من ينتقل إلى الإسلام لا يستشعر بردة عن عقيدته، بل يجد عقيدته وأوسع منها.

وبعيدًا عن الإيمان بأية عقيدة، فإن الإسلام يرى أن البشر جميعًا مستخلفون في الأرض، ويدعو القرآن الكريم المسلمين إلى الاشتراك مع غيرهم في تعمير تلك الأرض التي يعيشون عليها، وتعمير الأرض يمثل رسالة الإسلام في جانب المعاش والحياة، ولا يجعل الاختلاف العقدي مانعًا من التواصل الإنساني الحميم، فنحن نشترك لرفع مستوى المعيشة والحفاظ على الأوطان متعاونين فيما بيننا كشعوب.

النبوة عطاء وأخوة

ولقد برز من حديث القرآن الكريم أن قيمة النبوة والرسالة من القيم العطائية التي تفضل الله تعالى بها على خلقه: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (النساء: 165)، وتتمثل في كون الأنبياء بشرًا من الناس حتى يمكن أن يتفاهموا مع قومهم، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (الأنبياء: 7).

وتعبر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أخوة الأنبياء، فحين يلجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، ويريا منه الجهد والتعب فيرسلان إليه غلامًا لهما نصراني يقال له عداس، وقالا له: خذ قطفًا من العنب وضعه في هذا الطبق، ثم ضعه بين يدي هذا الرجل.

فلما وضعه بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "باسم الله" ثم أكل، فنظر عداس إلى وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟" قال: أنا نصراني من أهل نينوى. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى"؟ فقال: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال: "ذاك أخي كان نبيًّا وأنا نبي"، فانكب عداس حتى قبّل رأس النبي صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه، فيعبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن يونس بن متى بأنه أخوه.

وفي الحديث عن عيسى عليه السلام يروي الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، هذا التعبير عن الحميمية بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم حين يقول: "أنا أولى الناس بعيسى. الأنبياء أبناء علات. وليس بيني وبين عيسى نبي". وفي رواية: "أَنَا أَوْلَىَ النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فِي الأُولَىَ والآخرة".

قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلاَّتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ". وهي إشارة إلى أن أصل إيمان الأنبياء واحد وشرائعهم مختلفة، فإنهم متفقون في أصول التوحيد، وأما فروع الشرائع فهي مختلفة من شريعة لأخرى.

وهذا الكلام يصلح أن يكون مصدرًا لتعايش الغرب المسيحي والمسلمين، فالإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان الصادق، كما قال تعالى: {كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة: 245).

احترام الأديان بر الأمان

فليكن احترام الأديان والمعتقدات واجبًا إنسانيًّا يدفع بسفينة الإنسانية إلى بر الأمان. أما طبيعة الاعتقاد؛ فقد كفل الإسلام فيها الحرية: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة: 256)، {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: 29)، {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون: 6).

وينبغي أن تسعى الشعوب جميعًا للتدين بما يؤمن كل أصحاب دين به، فلأن يكون الغرب مسيحيًّا متدينًا، خير من أن يكون مُلحدًا، وهذا يعني أن تراجع الكنائس أدوارها مرة أخرى، وأن تحترم الشعوب بعضها بعضًا، مع الاعتقاد بقبول التعددية العقدية، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} (التغابن: 2). فلن يجتمع الناس على دين واحد: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}؛ إذ إن الاختلاف سنة الله في الكون، ولا داعي لأن يكون دافعًا للحرب والعداء، والاعتداء على أنبياء الله جميعًا.

اقرأ أيضًا:


** باحث شرعي بكلية دار العلوم وشبكة "إسلام أون لاين.نت"؛ يمكنكم التواصل معه عبر بريد الصفحة: alhabib@iolteam.com .

 

أسماء وصفات الرسول 

 

أسرار الصلاة على النبي

 

برنامج السيرة النبوية

 
من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع