آخر حلقات المسلسل 
نزع أسلحة العراق بالقوة العسكرية الأمريكية

أ.د. نادية محمود مصطفى **

طائرات أمريكية تستعد لضرب العراق

المشهد الإقليمي والعالمي الذي نعيشه في ظل توظيف الولايات المتحدة الأمريكية للقوة العسكرية من أجل نزع سلاح العراق– كهدف معلن تتعلق به أهداف أخرى- وبكل تعقيداته، ليس إلا آخر حلقات مسلسل طويل من سياسات منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، بدأ منذ نصف قرن. ومن ثم فإن فهم دلالة هذا المشهد وحقيقته ومآلاته المستقبلية بالنسبة للأمة لا يستقم إلا بتسكينه في موضعه من حلقات سابقة مهدت له وأسست له ونحن غافلون.. فما هذه الحلقات السابقة؟ وكيف تقودونا إلى خصائص الحلقة الراهنة؟

الحلقات السابقة

في عام 1992 -وفي غمار انفعالاتنا بعمليات تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية بعد تسوية حرب تحرير الكويت- كتبت جملة صفحات كانت هي بدورها خلاصة اهتماماتي السابقة، بقضية القدرات العسكرية للأمة العربية والسباق الكمي والنوعي العسكري مع إسرائيل.. ماذا كتبت حينئذ؟

تكتسب عملية تدمير القدرات العراقية في مجال أسلحة الدمار الشامل خصوصيتها وأهميتها من ثلاثة اعتبارات. وتنطلق بنا هذه الاعتبارات من العام إلى الخاص حتى نتوقف عند أبعاد الخبرة المباشرة لهذه العملية منذ إبريل 1991. وتتلخص هذه الاعتبارات في الآتي:

أولا: تمثل هذه العملية حلقة جديدة من حلقات تطور سياسات منع الانتشار النووي بصفة خاصة، وتكنولوجيا الدمار الشامل بصفة عامة في العالم الثالث، ولقد بدأت هذه السياسات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقامت بالمبادرة الولايات المتحدة قبل أن تنضم إليها أطراف غربية أخرى، وكذلك الاتحاد السوفيتي (سابقاً). ولقد تطورت هذه السياسات عبر ثلاث مراحل أساسية حتى نهاية الثمانينيات. واختلفت فيما بينها من حيث طبيعة ودرجة المواجهة بين الشمال والجنوب حول سبل وعواقب الانتشار.

1-تمتد المرحلة الأولى من 1945 وحتى 1974، أي من إلقاء القنبلة النووية الأولى على اليابان وحتى التفجير الذري الأول للهند. وتطورت خلالها سياسات المنع من إجراءات فردية تقوم عليها الدول المصدرة -وخاصة الولايات المتحدة- إلى رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ثم وصولاً إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة الذرية.

2- أما المرحلة التالية فلقد تغلبت عليها القيود التجارية المفروضة على الدول غير الأعضاء في المعاهدة لمنع تصدير تسهيلات الانتشار إليهم، وتراوحت هذه القيود ما بين قيود جماعية (مجموعة لندن) إلى قيود فردية- وخاصة من جانب الولايات المتحدة. وامتدت هذه المرحلة إلى أوائل الثمانينيات حيث تراجعت بعد ذلك التقديرات المتفائلة جداً حول تزايد الطلب على الطاقة النووية، وما يعنيه ذلك من تهديد بمزيد من الانتشار.

3-ومنذ منتصف الثمانينيات بدأت مرحلة جديدة حازت على الاهتمام أيضًا خلالها التطورات في مجال الأسلحة الكيماوية وفي مجال الصواريخ طويلة ومتوسطة المدى الحاملة للرؤوس النووية والبيولوجية والصواريخ المضادة لها، التي دأبت على التسابق حولها مجموعة من دول العالم الثالث. فإلى جانب اتفاق الدول الصناعية الكبرى على قواعد لتقييد تصدير تكنولوجيا هذه الصواريخ، تَسارَع الإعداد لعقد مؤتمر للأسلحة الكيماوية للتوصل إلى معاهدة بصددها. ولقد تم عقد هذا المؤتمر في باريس 1989 وتطورت إنجازاته إلى حد طرح المعاهدة المقترحة للتوقيع في نهاية 1992.

وبقدر ما كانت كل من الحلقات السابقة نتاج تطور البيئة الدولية من ناحية، وفيما فرضته القدرات التكنولوجية لبعض دول العالم الثالث من تحديات من ناحية أخرى، فإن الحلقة الجديدة منذ بداية التسعينيات – التي تشغل عملية التدمير حيزًا مهمًا فيها- تقع في صميم التحولات الحاسمة التي طرأت على النظام الدولي، وكذلك في صميم التطورات في أوضاع إحدى القوى الإقليمية في العالم الثالث؛ أي العراق، وفي أوضاع النظام العربي. فلقد كانت هذه الحلقة الأخيرة نتاج أزمة الخليج الثانية، كما اقترنت بالتطورات في قواعد ممارسة النظام الدولي الجديد، وخاصة ما يسمى "الشرعية الدولية"، أو التحرك على المستوى الجماعي الدولي لإدارة الأزمات الدولية.

كذلك، وبقدر ما تمت إدارة الحلقات الثلاث السابقة من سياسات منع الانتشار إما بقيود فنية؛ تجارية، أو قيود سياسية، أو قيود قانونية، فقد أضافت الحلقة الأخيرة جديدًا إلى أدوات تنفيذ سياسات المنع أو التقييد، ألا وهو استخدام القوة العسكرية المباشرة في تدمير قدرات إحدى الدول، ثم إكمال التدمير بعملية تتولى إدارتها هيئة دولية، وبمساندة من الولايات المتحدة الأمريكية، أو، بتعبير آخر، تحت الرعاية الأمريكية. ومن ثم يثور التساؤل حول طبيعة هذه الإدارة وآلياتها وضوابطها ومدلولاتها بالنسبة لمفاهيم ضبط التسليح، أي التفتيش، التحقيق، ووصولاً إلى التدمير.

ثانيا: تأتي المنطقة العربية في مقدمة مناطق العالم الثالث من حيث إثارة قضايا الانتشار النووي، وقضايا التسابق على التسلح بصفة عامة. فلقد جعلت أوضاع المنطقة –وخاصة الصراع العربي- الإسرائيلي- منها واحدة من أكبر مناطق العالم الثالث من حيث استيراد السلاح، والإنفاق العسكري، والتسابق نحو أحدث التكنولوجيات العسكرية. هذا ولقد استخدمت القوى الكبرى سياسات الإمداد بالسلاح كأداة لاكتساب النفوذ والتأثير على المنطقة. كما اهتمت القوى الكبرى بتصميم وتطبيق نظم لضبط تسلح الدول العربية والرقابة عليها. وهو الأمر الذي توالى ظهوره في أشكال شتى طوال مراحل تطور النظام العربي وتفاعلاته مع بيئته الخارجية. ولقد أشارت هذه الأشكال دائماً إلى أحد أهم مظاهر تبعية النظام العربي.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن اهتمام الأطراف العربية والدولية على حد سواء لم يقتصر على الأسلحة التقليدية فقط، ولكن امتد ليشمل ما عرف بأسلحة الدمار الشامل. وكان للتسابق على التسلح بين الدول العربية وإسرائيل في هذه المجالات غير التقليدية من التسليح وضعه بين أحداث مراحل تطور سياسات منع انتشار تكنولوجيا هذا التسليح على صعيد العالم الثالث. كما كان له من ناحية أخرى وضعه بين سياسات الدول الغربية الخاصة بهذه المنطقة دون غيرها. وكان من أهم هذه السياسات الحفاظ على الاحتكار النووي الإسرائيلي، ودعم التفوق الإسرائيلي في مجال الصواريخ. وفي المقابل كان الفشل العربي في كسر هذا الاحتكار مع مواجهة صعوبات شديدة لمقابلة القوة الصاروخية الإسرائيلية.

ويمكن إرجاع هذا الفشل العربي ليس فقط إلى شدة القيود الدولية المفروضة على الدول العربية على عكس إسرائيل، ولكن أيضًا إلى عدم اتخاذ الدول العربية القرار السياسي الإستراتيجي بامتلاك هذه الأسلحة. وهو الخطوة المسبقة والضرورية اللازمة لتنفيذ القرار والتغلب على صعابه. فإن قضية الانتشار من عدمه ليست قضية فنية بقدر ما هي قضية سياسية بدرجة كبيرة، ولا تستطيع القيود المختلفة الفنية والسياسية والقانونية منع أي دولة من حيازتها إذا ما اتخذت القرار وعبأت القدرات اللازمة له. وهذا ما فعلته إسرائيل ليس على صعيد القوى النووية فقط، ولكن على صعيد الصواريخ والصواريخ المضادة أيضًا. وهذا ما حاولت أن تفعله العراق، ولهذا قطعت شوطًا أطول بكثير مما قطعته أي دولة عربية أخرى، وهذا يقودنا إلى الاعتبار الثالث.

ثالثا: فيما يتصل بوضع التسلح العراقي في إطار تفاعلات النظام العربي وفي إطار الرؤية الأمريكية للنظام بعد أزمة الخليج –ولسنا هنا بالطبع في معرض متابعة تطور السياسات العراقية وعلاقاتها بالقوى الكبرى منذ بداية حكم صدام حسين، أو في معرض تحليل أهدافه ومخططاته وقدرات العراق حتى تعرض لأول ضربة إجهاضية لبرنامجه النووي عام 1981، أو متابعة تطور سياساته وجهوده بعد ذلك حتى تمكن من تطوير القدرات الأخرى التي أعطته الدفعة ليغزو الكويت، كما أعطته الدفعة الأخرى ليقبل تحدي الإنزال العسكري مع قوات التحالف الدولي- ويكفينا في هذا الموضع –وكمدخل لتناول خبرة عملية تدمير القدرات العراقية- أن نتوقف عند الملاحظات التالية:

1- استمر العراق في إعادة بناء قدراته النووية والكيماوية والبيولوجية والصاروخية طوال الثمانينيات خلال سنوات الحرب مع إيران. وبعد انتهاء الحرب. وفي الوقت الذي استمرت فيه مؤشرات التعاون بين العراق وعدة قوى غربية على الصعيد العسكري، تعرض العراق وحتى عشية الغزو العراقي للكويت لحملة غربية إعلامية وشبه رسمية عنيفة ضد برامج تسلحه وتطور قدراته العسكرية. بل ولقد اعتبرت بعض الاتجاهات أن العراق يمثل –بأيديولوجيته وقيادته وقدراته العسكرية- مصدر خطر وتهديد أساسي للمصالح الغربية في المنطقة بعد انتهاء الحرب الباردة، على أساس أن انتهاء الصراع الدولي بين القوتين العظميين في المنطقة سيعطي الفرصة لقوى إقليمية لتحاول السيطرة والهيمنة على المنطقة. وكان العراق على قمة المرشحين بل وربما المرشح الوحيد. هذا ولقد كان التحذير من مخاطر مثل هذه القوى على استقرار النظام الدولي من أهم سمات التحليلات التي ارتأت أن النظام الدولي الجديد يحوي مخاطر عدم استقرار عديدة منبعها العالم الثالث.

2- تعرض العراق –خلال العمليات العسكرية لتحرير الكويت لعمليات قصف جوي مركز ومتنوع الأهداف ولمدة ما يقرب من الشهر قبل بداية الهجوم البري. ولقد أثار هذا الوضع في حينه –وبعد ذلك- جدلاً كبيراً في الأوساط العربية والغربية على حد سواء حول الأهداف الحقيقية لعلميات "عاصفة الصحراء"، وحول مدى انحراف هذه العمليات عن أهدافها المحددة وفق قرارات الأمم المتحدة، وحول ما إذا كانت حرباً عادلة أم لا، وحول ما إذا كان هدفها الأصلي هو تدمير القدرة العسكرية العراقية، وخاصة غير التقليدية على أساس أن توازن القوى العسكرية في المنطقة هو لب القضية في أزمة الخليج الثانية. ولقد تبلور هذا الجدل قبل انتهاء العمليات العسكرية في نهاية فبراير، كما استمر بعد ذلك أيضا وحتى إقرار الوقف النهائي لإطلاق النار في 3 إبريل 1991، ثم حتى الآن، أي في ظل تطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 687 الخاص بشروط وقف النار في المنطقة، وفي ظل جهود مبادرات الحد من التسلح في المنطقة وعلى رأسها مبادرة بوش في مايو 1991.

3- هناك تزامن نسبي بين اعتبار مبدأ التصدي لانتشار أسلحة الدمار الشامل في العالم كإحدى الأولويات التي عبرت عنها الرؤية الرسمية الأمريكية عن عالم ما بعد الحرب الباردة، وبين اعتبار مبدأ الرقابة على التسلح في المنطقة العربية، كإحدى الأولويات التي عبرت عنها هذه الرؤية أيضا عن المنطقة بعد حرب الخليج. ولقد انطلقت الرؤيتان من اعتبار أسلحة الدمار الشامل وحيازة القوى الإقليمية لها من مصادر تهديد الاستقرار العالمي الأكثر خطورة على المصالح الغربية، التي تقتضي دوراً تدخلياً نشطاً من الولايات المتحدة الأمريكية. فلقد كان التصدي لانتشار هذه الأسلحة يأتي بين أولويات المبررات الرسمية –ومبررات بعض الاتجاهات التحليلية- لاستمرار الحاجة إلى دور أمريكي عالمي في عالم ما بعد الحرب الباردة وسقوط الشيوعية. ولقد بدأت الولايات المتحدة– في إطار الأمم المتحدة وخارجها- تنفيذ متطلبات تحقيق تلك الأولويات. وجاء هذا التنفيذ على مستويين: مستوى إتمام تدمير أسلحة الدمار الشامل وقدرات إنتاجها لدى العراق، ومستوى ضبط صادرات السلاح والتكنولوجيا المتقدمة إلى بقية دول المنطقة ودول إسلامية أخرى، وخاصة إيران وباكستان. وكان منطلق التنفيذ في المستوى الأول هو القرار الشهير الذي أصدره مجلس الأمن في 3 إبريل 1991 وما زال تنفيذه جارياً حتى الآن، أما المستوى الثاني فلقد انطلق من مبادرة بوش (الأب) في مايو 1991.

ولا ينفصل المستويان من حيث مدلولاتهما وخبرتهما بالنسبة للقيود والضغوط التي أضحى يفرضها "النظام الدولي الجديد" على تسليح الدول العربية، وعلى وضع إحدى هذه الدول في ظل هزيمة عسكرية قاسية. وهو الوضع الذي يجسد حالة لا سابق لها من اختلال توازن القوى العربية الإسرائيلية.

ماذا عن المشهد الراهن؟

نحن اليوم نشهد صورة قصوى لما وصلت إليه حالة قيود النظام الدولي لمنع الانتشار وآلية إدارتها. ففي ظل تراجع دور الأمم المتحدة، وبروز الدور المنفرد للولايات المتحدة في التأثير على هذه الشرعية الدولية، أو بالتحرك المنفرد، نلحظ بعداً آخر لهذا المشهد، ألا وهو التداخل الشديد بين توظيف القوة العسكرية وبين توظيف الدعوة إلى قيم القوة العظمى السائدة.

ومن هنا تفرد هذه اللحظة الراهنة، حيث يتم توظيف كل من قيمة القوة العسكرية من ناحية وقوة منظومة قيم الدولة العظمى المهيمنة من ناحية أخرى، ليس من أجل نزع أسلحة الدمار الشامل أو فرض منظومة قيم فقط، ولكن من أجل إعادة رسم الخرائط الإقليمية في غمار عملية يتحدد من خلالها نمط هيكل النظام الدولي في نصف القرن القادم. ومن ثم فإن إعادة رسم خريطة المنطقة العربية لصيق بهذه الأبعاد جميعًا.

الولايات المتحدة حركت -وما زالت تحرك- بصورة منفردة قوتها العسكرية، وتوظف التهديد بالاستخدام المباشر لهذه القوة بطريقة حاسمة ومتصاعدة وبلا تراجع. لماذا؟ تارة باسم نزع أسلحة الدمار الشامل لدى العراق، وتارة باسم تغيير النظام الاستبدادي التسلطي في العراق، وإعادة بناء العراق على النمط الديموقراطي، وتارة كجزء من الحرب الدولية ضد الإرهاب، ولكن الحقيقة أكبر من ذلك كما سبقت الإشارة.

ومن ثم يتضح مغزى وطبيعة نظام منع الانتشار الحالي في بداية القرن. فلقد أضحى في صميم عملية اختبار الهيكل الأحادي للنظام الدولي الشامل، ومستقبل خريطة المنطقة كما كان أيضًا من قبل -عقب الحرب العالمية الثانية- في صميم عملية أخرى لاختبار أثر هيكل النظام الثنائي القطبية ومستقبل خريطة المنطقة العربية بعد إنشاء إسرائيل.

بعبارة أخرى: إذا كانت التغيرات في النظام الدولي الشامل خلال نصف القرن الماضي دائمة الانعكاس على تفاعلات وتوازنات النظام الإقليمي العربي، فلقد كانت قضية أسلحة الدمار الشامل حاضرة دائماً بدلالاتها بالنسبة لأثر توازن القوى العالمي -إضافة إلى الوجود الإسرائيلي- على خريطة المنطقة، ومن قبل على حرمانها تدريجياً، وبصورة متصاعدة من حيازة أسلحة الدمار الشامل.

فبعد القيود الفنية والتجارية والسياسية، الفردية منها والجماعية التي تعاقبت على سياسات منع الانتشار في العالم الثالث (عبر نصف قرن من عمر هذا النظام) نجد أنفسنا أمام تصاعد توظيف القوة العسكرية في تزامن مع، أو تجاوز، لنظام التفتيش الدولي، علماً بأن هذا الأخير، قد تم إقراره وتنفيذه، ثم تجميده، ثم إعادة تنفيذه في ظل إطار من التهديدات بالقوة العسكرية. وهي التهديدات التي أحاطت بالضباب حقيقة أبعاد دور الشرعية الدولية، هذا الدور الذي تتسم باسمه كل ما يسمى بعمليات التفتيش ونزع أسلحة العراق منذ ما يزيد عن العقد من الزمان.

إن متابعة تفاصيل ودقائق التطورات عبر الأشهر الماضية، على ضوء هذه المقولات العامة السابقة، والمستمدة من دلالات خبرة نصف قرن، تؤدي بنا إلى تأكيد ثلاث نتائج هامة:

1- أن المنطقة العربية كانت وما زالت منطقة أساسية من مناطق اختبار حالة توازنات القوى الدولية في مراحل التغير الدولي الجذرية. ولكن في حين كان للنظم العربية في المنطقة القدرة في البداية على مقاومة انعكاسات هذه الاختيارات على مصير المنطقة، فلقد انعدمت اليوم هذه القدرة بصورة واضحة، كما لم تعد المخططات الإستراتيجية تجاه المنطقة أو حولها خافية أو مستترة، ولكن معلنة بصراحة ووضوح "وبدون حياء أو مواربة"، سواء فيما يتصل بالقدرات العسكرية للمنطقة، أو مستقبل نظمها السياسية والاجتماعية.

2- أن التدخل الخارجي باسم منع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة قد وصل إلى مرحلة يصعب معها المناورة للتغلب على قيود منع الانتشار. فلم يعد الأمر يتعلق بتجاوز القيود الفنية والتجارية والسياسية وتحمل ارتفاع التكلفة السياسية والاقتصادية الناجمة عن اتخاذ قرار حيازة أسلحة دمار شامل. حيث لم تعد التكلفة مقصورة على عقوبات اقتصادية أو ضغوط سياسية كما كان الأمر من قبل، ولكن امتد الأمر الآن إلى استخدام القوة العسكرية ابتداءً لفرض التفتيش الدولي، ووصولاً الآن إلى التوظيف المباشر لنزع الأسلحة، وهو الوضع الذي يدفعنا للتساؤل: وماذا بعد هذه القيود؟

3- تختلط الحملة ضد أسلحة الدمار الشامل بدرجة واضحة بالحملة الأمريكية ضد الإرهاب. ولذا- وحيث إن الحملة الأخيرة قد اقترنت بأبعاد ثقافية واضحة، حين دشن بوش حربه ضد محور الشر لحماية محور الخير- فلم يعد خافيًا أن حملة ضد أسلحة الدمار الشامل هي حملة ضد حيازة العرب والمسلمين أساساً. ومن ثم إذا كان التساؤل قد دار في العقدين الأخيرين من القرن العشرين حول ما إذا كانت قيود منع الانتشار المتزايدة إنما تستهدف ما يسمى "القنبلة الإسلامية"، فإن تداعيات الأشهر الأخيرة -المتداخلة الأبعاد السياسية والثقافية والعسكرية- لتقدم الإجابة صريحة واضحة عن هذه التساؤلات. وبناء عليه فإذا كان الحديث الراهن عن حوار الحضارات أو صراعها يفرز التساؤل عما إذا كانت الاختلافات الثقافية العقدية هي عوامل مفسرة أم مجرد أطر يتم توظيفها لخدمة أهداف سياسية وإستراتيجية، فإن الجدائل الراهنة بين البعد العسكري، والبعد السياسي، والبعد الثقافي للأزمة العراقية الراهنة لتقدم لنا إجابة واضحة، وقد تختلف من جديد التأويلات حولها. وأيا كانت هذه التأويلات، فإن هذه الإجابة –بالإيجاب- تعني أن تآكل القدرات العربية قد أفسح الطريق واسعًا أمام تهديدات ومخاطر خارجية جمة تتلاعب فيها الأدوار العسكرية والسياسية والثقافية معًا على نحو لم يعد يخفى معه كيف أن عوامل صراع الحضارات إنما تكمن لدى الطرف الأقوى وليس لدى الطرف الأضعف فقط. وإذا كانت هذه العوامل لدى الأطراف الأضعف قد قادت إلى سلوك التطرف من بعضهم، فإن هذا السلوك ليس محصلة عوامل ثقافية كامنة بقدر ما هو محصلة أوضاع وسياسات ظالمة. أما الطرف الأقوى فإن سلوكه التدخلي السافر والعاتي ليس إلا نتاج عوامل ثقافية تدعم الآن المصالح الإستراتيجية الكبرى.


**أستاذ العلاقات الدولية ومدير مركز البحوث والدراسات السياسية-جامعة القاهرة. 

 

بحث متقدم

الأخبار

صفحات خاصة 

فتاوى الاحتلال

العراق.. مستقبل أمة

ضد الهيمنة

الحرب.. تداعيات وآثار

صور الحرب

وثائق.. خرائط.. بيانات

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

اسألوا أهل الذكر

معًا نربي أبناءنا

دعوة ودعاة

ساحة الحوار

الإسلام وقضايا العصر

كاريكاتـير

استشارات صحية

 نادي المبدعين

مشاكل وحلول للشباب

استشارات دعوية

استشارات الزكاة

الحج والعمرة

  شريك الحياة

حوارات حية

حدث في العام الهجري

  بطاقات إلكترونية

المكتبة الإلكترونية

دليل المواقع

وثائق و بيانات

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع