العامل الإسرائيلي في الأزمة العراقية

د. عماد جاد **

الإسرائيليون يتلقون الأقنعة الوقائية

حددت الولايات المتحدة مصالحها الإستراتيجية في الشرق الأوسط في اعتبارين، تأمين إمدادات النفط بأسعار معقولة، وحماية أمن إسرائيل، وبنت إستراتيجيتها تجاه المنطقة على أساس أن تعرض أي منهما- إمدادات النفط وأمن إسرائيل- لأزمة ما أو تهديد سيكون كفيلا بدخول الولايات المتحدة الحرب دفاعا عن أي منهما.

والأزمة مع العراق بالنسبة للولايات المتحدة تخص عنصري إستراتيجيتها في المنطقة، ففي أزمة العراق يتواجد النفط، وأمن إسرائيل أيضا. فالولايات المتحدة ترى أن النظام العراقي يمثل خطرا على تدفق إمدادات النفط بأسعار معقولة إلى الأسواق العالمية، كما أنها ترى أن النظام العراقي وما يمتلكه من أسلحة دمار شامل، بات يمثل تهديدا حقيقيا لأمن إسرائيل، لا سيما أن العراق سبق أن قصف إسرائيل بالصواريخ إبان حرب الخليج الثانية، وقبلها بفترة محدودة أطلق صدام حسن تهديدا بحرق نصف إسرائيل بالأسلحة الكيماوية.

وفي هذا السياق تتجمع أطراف خيوط الأزمة العراقية الراهنة والتي بسببها حشدت الولايات المتحدة، القوات واستعدت ليس فقط لضرب العراق، بل لتغيير النظام والتواجد المباشر على أراضيه وتنصيب نظام "عميل"، وجعله بمثابة النموذج لباقي دول المنطقة.

فالأزمة العراقية تشهد تكثيفا للعوامل التي يقود كل واحد منها بالولايات المتحدة إلى اتخاذ قرار الحرب، فهناك أولا النفط، وثانيا أمن إسرائيل، وثالثا الرغبة في تغيير نظم الحكم في المنطقة وتغيير الجغرافيا السياسية وأيضا الثقافية ردا على سؤال لماذا أنتجت النظم العربية من قاموا باعتداءات الحادي عشر من سبتمبر. وقد يضيف البعض إلى هذه العوامل اعتبارات أخرى تتعلق بطبيعة الإدارة الجمهورية الحالية ورغبتها في إعادة تشكيل خريطة المنطقة كجزء من عملية تغيير الخريطة الكونية لإتاحة الفرصة أمام الولايات المتحدة لممارسة دور "الإمبراطورية المهيمنة" على النظام الدولي، وهو ما يستشف من الجدل الحاد مع الحلفاء وشركاء المعسكر- فرنسا وألمانيا- على خلفية تباين الرؤى بشأن سبل تسوية الأزمة. وجوهر الخلاف يعود إلى أن الدول الأخرى وتحديدا فرنسا وألمانيا ومعهما روسيا من القوى الكبرى تتعامل مع الأزمة وفق بعدها الرسمي المعلن، أي أسلحة الدمار الشامل العراقية، بينما تتعامل واشنطن وفق رؤيتها النابعة من أجندتها الخاصة والتي تضم إضافة إلى ما هو معلن عن أسلحة الدمار الشامل، تأمين إمدادات النفط، أمن إسرائيل، تغيير النظام العراقي، بدء موجة تغيير للجغرافيا السياسية والثقافية في العالم العربي.

هذا من ناحية الولايات المتحدة والقوى الدولية الكبرى، أما من ناحية إسرائيل، فالقضية مختلفة، وفي هذا السياق تعد إسرائيل الطرف الإقليمي الأول الذي يرى في ضرب العراق مصلحة إستراتيجية له، ولا تتوقف النظر الإسرائيلية عند حدود إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية أو تغيير النظام العراقي، بل تتجاوز ذلك كثيرا وتدخل في نطاق الرؤية الإستراتيجية لما بعد التغيير ووضع تصورات تقول بأن النظام الجديد في العراق، سوف يدخل منظومة التسوية السياسية كفاعل رئيسي، حيث سيوافق على صيغة التسوية السياسية القائمة، ويدخل أيضا طرف في تنفيذها عبر تحول العراق إلى أحد أبرز ساحات التوطين كجزء من تسوية البعد الأصعب في معادلة التسوية السياسية وهو قضية اللاجئين.

ورغم أن كافة الحسابات الإسرائيلية تصب في اتجاه التأكيد على أن ضرب العراق وتغيير النظام، سوف يصب في مصلحة إسرائيل بالكامل، فإن هناك مؤشرات تفيد أن إسرائيل تتخوف من بعض عواقب التدخل العسكري في العراق، حيث ستصبح قضية أسلحة الدمار الشامل مطروحة على البساط، وتتعرض إسرائيل لضغوط حقيقية من أجل إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل لأن استمرار إسرائيل باعتبارها الدولة النووية الوحيدة في المنطقة والتي تحوز كافة أنواع أسلحة الدمار الشامل، سوف يسبب حرجا شديدا للسياسة الأمريكية، والأهم، أنه سيكون حافزا لقوى إقليمية عديدة كي تسعى لمعادلة أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية.

وحتى تتضح لنا أبعاد تداعيات ضرب العراق على إسرائيل، وحدود المكاسب الإسرائيلية من جراء ذلك، سوف نتناول أولا الرؤية الإسرائيلية للعراق ولتغيير النظام، ونتناول بعد ذلك التأثيرات المتوقعة لضرب العراق على إسرائيل من زاوية منظور حسابات المكسب والخسارة.

الرؤية الإسرائيلية للعراق

بدا واضحا من متابعة التناول الإسرائيلي لملف الأزمة العراقية أن قضية ضرب العراق وإن كانت تمثل مصلحة أمريكية، فإنها مثّلت أيضا مطلبا إسرائيليا مستمرا لاعتبارات تتعلق برؤية كل منهما لمصالحهما في المنطقة. وبدا واضحا أيضا أن هناك مساحة كبيرة من التلاقي بين الرؤيتين الأمريكية والإسرائيلية. في نفس الوقت هناك مساحة خارج منطقة التلاقي وتمثل مصالح ذاتية لكل منهما تضيف أسبابا خاصة لدى كل منهما لتوجيه ضربات عسكرية للعراق وإسقاط النظام.

ويجد الموقف الإسرائيلي من العراق أساسه في التقدير الإسرائيلي الذي يرى أن النظام العراقي يحمل رؤية راديكالية تجاه الصراع والتسوية السياسية في الشرق الأوسط، فالعراق شكل قلب "جبهة الصمود والتصدي" التي رفضت مبادرة السادات بزيارة القدس وتصدت لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لعام 1979، كما أن العراق قاد عملية عزل مصر عن النظام العربي، والعزل هنا كان "عقابا" على الصلح والتسوية المنفردة.

وارتباطا بذلك نظرت إسرائيل باستمرار إلى النظام العراقي على أنه يقع ضمن معسكر الدول العربية التي ترى الصراع مع إسرائيل "صراع وجود"، ومن ثم فالحل يكون عبر السلاح وليس على مائدة المفاوضات.

واستغلت إسرائيل حالة التمزق التي مر بها العالم العربي، فقامت في يونيو 1981 بتدمير المفاعل النووي العراقي، وأعقبت ذلك بغزو لبنان، إذ إن أجواء الانقسام العربي قد شجعت تل أبيب على القيام بأعمال عسكرية في أنحاء مختلفة معتمدة على عدم تصور بلورة رد فعل عربي متماسك على غرار ما جرى بعد 1967 أو ضمن الاستعداد لحرب أكتوبر.

وبطبيعة الحال فإن إسرائيل شعرت بدرجة أعلى من التهديد من ناحية الشرق بعد قيام الثورة الخومينية في إيران، فبموجب هذه الثورة تحولت إيران من حليف إستراتيجي إلى عدو إيديولوجي، إذ إن الثورة استولت على مقر السفارة الإسرائيلية في طهران وسلمته لمنظمة التحرير الفلسطينية لتستخدمه كسفارة لدولة فلسطين.

من هنا كانت إسرائيل صاحبة المصلحة الرئيسية في اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، فالحرب كانت في المحصلة النهائية بين عدوين لإسرائيل وإنهاكهما معا يمثل مصلحة إسرائيلية عليا. ولذلك لم يكن مستغربا أن تلجأ إسرائيل إلى إمداد إيران بالسلاح عبر وسطاء في مرحلة كانت ترمي من ورائها إلى إطالة أمد الصراع وزيادة معدلات التدمير المتبادل، وهو ما تجسد فيما عرف بفضيحة "إيران جيت".

ومرة ثانية جاءت الفرصة لإسرائيل للتخلص من القدرات العسكرية العراقية وذلك عندما أقدم العراق على غزو الكويت في الثاني من أغسطس 1990، فقد كانت إسرائيل صاحبة مصلحة في عدم تسوية الأزمة سلميا وبعيدا عن الإطار العربي، وقد ساعدها النظام العراقي على تحقيق ما تريد عندما رفض التجاوب مع الجهود التي بذلت لتسوية الأزمة سلميا. أيضا فإن إقدام العراق على الربط بين قضيتي الكويت وفلسطين قد سبب نوعا من الارتباك للسياسة الأمريكية التي كانت تهدف إلى بناء تحالف دولي لحسم الموقف عسكريا.

يضاف إلى ذلك قيام العراق بعد بدء هجوم قوات التحالف بإطلاق مجموعة من الصواريخ من "طراز سكود" على المدن الإسرائيلية، فرغم أن الأثر التدميري لهذه الصواريخ كان محدودا للغاية، فإن الأثر النفسي على الجانبين العربي والإسرائيلي - وتحديدا المجتمعي- كان عاليا للغاية، فللمرة الأولى منذ انتهاء حرب 1948 تتعرض مدن إسرائيلية للقصف ويقضي إسرائيليون ساعات طويلة في المخابئ خشية التعرض لهجوم من الخارج.

من هنا بدا واضحا أنه رغم محدودية التأثيرات العملية للقصف العراقي لإسرائيل، فإن تداعياته السياسية والنفسية كانت كبيرة للغاية لا سيما أن إسرائيل مُنعت من الرد بضغوط أمريكية حتى لا يتسبب الرد في تفكيك الائتلاف الدولي الذي يخوض الحرب ضد العراق، وهكذا اضطرت إسرائيل إلى عدم الرد وركزت فقط على جني أكبر قدر ممكن من المكاسب نظير عدم الاشتراك المباشر في العمل العسكري ضد العراق، وفي نفس الوقت كانت على قناعة تامة بأن القوات الأمريكية سوف تتولى تحقيق أقصى ما يمكن أن تطمح إليه إسرائيل من تدمير القدرات العراقية ونزع قدرات العراق العسكرية لا سيما فيما يخص أسلحة الدمار الشامل ووسائل توصيلها.

وجاء الرفض العراقي لمؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط والذي عُقد في 30 أكتوبر 1991، ليضع العراق على قائمة القوى الموصوفة أمريكيا بالعداء لعملية السلام. أيضا فإن مواصلة العراق رفض إفرازات هذه العملية ممثلة في اتفاق أوسلو، جعل الولايات المتحدة تتعامل مع العراق باعتباره أحد أبرز القوى المعارضة لعملية السلام في الشرق الأوسط، وهو الموقع الذي تشترك فيه إيران أيضا والذي تجلى بوضوح في ضم الولايات المتحدة العراق وإيران إلى ما أسمته محور الشر في العالم، وهو المسمى الذي يجمعهما مع كوريا الشمالية فقط، أي إن واشنطن تقصر محور الشر على ثلاث دول فقط.

وطوال مرحلة التفاوض العربي الإٍسرائيلي، حرص العراق على تأكيد موقفه المعارض لهذه العملية، وبدأ نوع من الانفتاح على سوريا لا سيما بعد تأزم المفاوضات السورية الإسرائيلية. وتجلى الموقف العراقي من عملية التسوية السياسية التي تنفرد واشنطن برعايتها وهندستها، في الدعم السياسي والمالي الذي تقدمه بغداد للشعب الفلسطيني على خلفية دعم صموده بعد اندلاع انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000. فقد كان العراق في طليعة الدول العربية التي بادرت بالتبرع لدعم الانتفاضة، بل وبادرت بالتبرع المالي لدعم أسر "الشهداء"، وهو ما اعتبرته واشنطن وتل أبيب دعما "للإرهاب".

تداعيات الحادي عشر من سبتمبر

مثَلت اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر2001 فرصة نموذجية للولايات المتحدة الأمريكية من أجل تصفية الحسابات مع نظم حكم عربية رأت أنها لم تكن متعاونة على النحو الذي تطلبه وترضاه. ومنذ الوهلة الأولى لوقوع اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، حرصت إسرائيل على الزج باسم العراق محاولة الربط بين العراق وهذه الاعتداءات بأي طريقة. وفي هذا السياق، حدث نوع من التلاقي الأمريكي الإسرائيلي، فالولايات المتحدة الأمريكية سعت عبر التأييد الذي حصلت عليه بعد هذه الاعتداءات إلى استغلال الموقف للانتقال من الرد على الاعتداءات إلى تنفيذ الأجندة الخاصة بالسياسة الخارجية الأمريكية في مناطق شتى من العالم.

وبخصوص الشرق الأوسط وفي ضوء تحديد أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في بعدي "النفط وأمن إسرائيل"، فقد سعت واشنطن إلى استغلال اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر من أجل القيام بعمل عسكري ضخم يقود إلى تغيير النظام في العراق وتسليم السلطة لنظام جديد موال للغرب وللولايات المتحدة تحديدا، ودفع النظام الجديد إلى الاعتراف بإسرائيل وربما تبادل العلاقات الدبلوماسية معها، وهو أمر يحقق البعدين الرئيسيين للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وهما ضمان تدفق إمدادات النفط بأسعار "معقولة أمريكيا"، وضمان أمن إسرائيل.

إسرائيل من جهتها عملت على الاستفادة من مساحة المشترك مع السياسة الأمريكية، فما يهمها البعد الثاني المتعلق بأمنها وإقامة علاقات دبلوماسية مع النظام الجديد في العراق، فتحقق هذا الأمر يعني لإسرائيل تحقق الشق الأكبر من هدفها الرامي إلى "التطبيع" مع القوى الرئيسية في العالم العربي دون الارتباط بقضية الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وبالتالي فخروج العراق من معادلة الصراع يمثل هدفها رئيسيا لإسرائيل.

ولكن الأهداف الإسرائيلية من وراء التحريض على ضرب العراق وتغيير النظام لا تتوقف عند هذه الحدود، فإسرائيل لديها مساحة خاصة بها غير متطابقة مع الأجندة الأمريكية بالضرورة، ويمكن أن نلاحظ بصفة عامة بشأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية والشرق الأوسط، أن السياسة الأمريكية أو الأجندة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط تتحدد بالأساس وفق الرؤية الإسرائيلية بشكل عام، بمعنى أن هناك حالات قد تشهد الخلاف أو الاختلاف، ولكن إجمالا فإن السياسة الأمريكية تتحدد تجاه الشرق الأوسط انطلاقا من أخذ المصالح الإسرائيلية بعين الاعتبار، وأنه في الكثير من الحالات عادة ما تتحمل الولايات المتحدة وزر "تبني الرؤية الإسرائيلية" وأيضا مساوئ وكوارث السياسة الإسرائيلية تجاه المنطقة. ويبدو واضحا أيضا أن شقا رئيسيا إن لم يكن الشق الرئيسي في حالة العداء العربي العام للولايات المتحدة يأتي بسبب التبني الأمريكي للرؤية الإسرائيلية، بل إن كافة الاتهامات التي توجه للسياسة الأمريكية باتباع معايير مزدوجة تأتي من مقارنة التصريحات والمواقف الأمريكية عامة بتلك التي تعلنها وتتخذها الولايات المتحدة تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.

من هنا فأهداف إسرائيل من وراء ضرب العراق تتجاوز الأهداف الأمريكية، وهنا ندخل في سياق الرؤية الإسرائيلية تجاه المنطقة ككل والتي تنطلق بالأساس من الرغبة الإسرائيلية القديمة بتفتيت الكيانات الكبيرة في المنطقة. فإسرائيل عملت في مناسبات عديدة، وسوف تعمل في المستقبل أيضا على تفتيت الكيانات الكبيرة في الشرق الأوسط وتحديدا العالم العربي بهدف ضمان ممارسة دور الهيمنة والسيطرة الإقليمية ودفع المنطقة إلى حالة من عدم الاستقرار. ويبدأ هذا التصور في التحقق عبر تفتيت الكيانات الكبيرة في المنطقة. وعند النظر إلى قضية تفتيت الكيانات الكبيرة، وهي فكرة محورية في رؤية وتصور آباء الحركة الصهيونية وفكر قادة الدولة العبرية، نجد الحديث عن الظروف والمناسبات التي ينشط فيها العمل التفتيتي. ويمكن القول إن أوضاع ما بعد الحادي عشر من سبتمبر باتت تمثل أجواء مناسبة لعمل إسرائيلي ونشاط مكثف لتفتيت العراق، وشطر السودان، والمثالين غير بعيدين عن حالات أخرى تحتل مواقعها في التصور الإسرائيلي.

في هذا السياق أيضا نجد ملامح لحملة إسرائيلية تروج لمقولة إن الولايات المتحدة لن تتوقف عند حدود العراق، بل إن العراق سيكون فقط البداية وإن الحملة الأمريكية ستطال مصر والسعودية بعد ذلك، ويستندون في هذا القول إلى أصوات أمريكية سبق لها أن تحدثت بوضوح عن احتمال دعم نشاط مكثف بهدف فصل الأجزاء الشرقية من المملكة العربية السعودية- المناطق النفطية- وإعلانها جمهورية بحماية أمريكية.

أيضا هناك تسويق إسرائيلي لما يسمى أفكار أمريكية حول تغيير نظم الحكم في الدول "التي تقع في خانة محور الشر" وتحديدا إيران والعراق، ثم الدول غير المتعاونة والمعادية لإسرائيل - مثل سوريا- والدول التي كانت موصوفة بالاعتدال وتعتبر في معسكر الأصدقاء مثل السعودية ومصر، والحجة في ذلك حسب ما تقول مصادر إسرائيلية في الولايات المتحدة- أليكس فيشمان مراسل صحيفة يديعوت أحرونوت في واشنطن- "أن تنظيم القاعدة نشأ وترعرع على كراهية الغرب بفعل النظم الاجتماعية والثقافية والتعليمية القائمة في هذه البلدان". وأضاف "فيشمان" نقلا عن بروفيسور إسرائيلي قدمه باعتباره خبيرا في شئون مكافحة الإرهاب، وبعد جولة لهذا الخبير في الولايات المتحدة ومجموعة من الحوارات في وزارة الدفاع الأمريكية -:"... من الممكن تلخيص موقفهم بعبارة واحدة.. إنهم يعتقدون أن العالم العربي هو عالم يضم متخلفين لا يفهمون سوى لغة القوة".

من هنا فضرب العراق بالنسبة لإسرائيل لا يمثل نهاية المطاف ، بل بداية لعمل واسع النطاق يضمن استهداف الكيانات الكبيرة في العالم العربي، ولذلك تعمل إسرائيل على نحو حثيث من أجل عدم تفويت الفرصة، وتجتهد من أجل أن تصل الأزمة الراهنة حول العراق إلى عمل عسكري أمريكي. لذلك أبدت قيادات إسرائيلية عديدة رفضها لفكرة قبول العراق العودة غير المشروطة للمفتشين الدوليين، ورأت أن القضية باتت تتطلب جهدا أمريكيا للقضاء على النظام العراقي وضمان نزع أسلحة التدمير الشامل الموجودة لديه. لذلك بادر بنيامين نتنياهو قبل دخوله حكومة شارون، إلى التأكيد على أهمية استمرار الولايات المتحدة في خطتها الهادفة إلى ضرب العراق وتغيير النظام لأنه لا شيء آخر يضمن تدمير أسلحة العراق المحظورة، ولهذا السبب أيضا بدأ بصفته وزيرا للخارجية الإسرائيلية جولة أوروبية في السابع عشر من ديسمبر 2002، شملت إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وروسيا.

ومن أجل وضع الولايات المتحدة في أجواء المواجهة، واصلت الحكومة الإسرائيلية استعداداتها الشكلية لمواجهة تداعيات العمل العسكري الأمريكي على العراق، فواصلت عمليات تطعيم المواطنين وتوزيع الأقنعة الواقية…

من هنا يبدو واضحا أنه في الوقت الذي تعمل فيه الولايات المتحدة على استغلال أي مشكلة في علاقة العراق بالمفتشين الدوليين من أجل توجيه ضربة عسكرية للعراق وتغيير النظام السياسي وتنصيب نظام حليف يتواءم والمصالح الأمريكية في المنطقة، ومن بينها أمن إسرائيل، فإن للأخيرة حساباتها التي ليست بالضرورة في تناقض مع الحسابات الأمريكية، ولكنها تتعدى هذا الهدف المباشر وتصل إلى رؤية ترمي إلى تغيير خريطة المنطقة ككل بحيث تخلو من الكيانات الكبيرة، ويبدو واضحا أن شقا رئيسيا من هذه الرؤية الإسرائيلية يتحقق عبر إشعار العرب بهزيمة الانتفاضة وتغيير القيادة الفلسطينية، على أساس أن ذلك يمثل هزيمة لتيار المقاومة ومقدمة لإقرار مبدأ تغيير الحكومات والنظم العربية التي يمكن أن تقول لا أو أن تقف في وجه تحقيق الرؤية الأمريكية الإسرائيلية مع التسليم بوجود فوارق بين الرؤيتين، إلا أنهما ينطلقان من أرضية واحدة، كما أن الأهداف المنشودة لا تتصادم.

ما بعد ضرب العراق: مخاوف إسرائيلية

ترى إسرائيل أن ضرب العراق وإزالة أسلحة الدمار الشامل منه، وتغيير النظام، تمثل مصلحة إسرائيلية عليا على أساس أن ذلك سوف يحقق الآتي:

1- إضعاف جبهة قوى "التشدد" في العالم العربي والتي تحمل رؤية قومية وتعارض عملية التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي.

2- إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية وتغيير النظام سيوصلان رسائل واضحة للدول العربية الأخرى بأن أي محاولة لامتلاك أسلحة دمار شامل ستواجه أمريكيا ويمكن أن يتكرر نموذج العراق.

3- وجود نظام جديد في العراق يكون مواليا للولايات المتحدة الأمريكية يزيد من فرصة تجاوب هذا النظام مع الضغوط الأمريكية الرامية إلى انتزاع اعترافه بإسرائيل وإقامة علاقات دبلوماسية معها.

4- حدوث هذه التغيرات سوف يمهد الطريق أمام دخول العراق عملية التسوية من أوسع أبوابها، أي دخوله مشاركا فاعلا عبر المساهمة في تمرير وتنفيذ صفقات من هذه التسوية وتحديدا ما روجت له كتابات إسرائيلية لفترة طويلة من أن العراق يمكن أن يساهم في تسوية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وعلى النحو الذي يمثل مصلحة له أيضا. فقد ذكرت كتابات إسرائيلية عديدة أن وجود نظام حكم "معتدل" في العراق يمكن أن يعقد صفقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل يقبل بموجبها توطين مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين على أراضيه وتحديدا في الشمال - الكردي- والجنوب -الشيعي- وأن ذلك سوف يحقق مصلحة جوهرية للنظام العراقي، فغالبية اللاجئين الذين يمكن توطينهم في العراق هم من المسلمين السنة، وبالتالي يساعدون في حل مشكلة التفوق العددي الشيعي عامة وفي الجنوب خاصة، ويوجدون أغلبية عربية سنية في المناطق الشمالية على النحو الذي يمثل مصلحة للنظام الجديد في العراق.

وعلى الرغم من أن إسرائيل ترى في ضرب العراق وتغيير النظام مصلحة جوهرية، فإن أصوات إسرائيلية عديدة بدأت تحذر من المخاطر التي يمكن أن يحملها هذا العمل، وتحديدا ما يمكن أن يترب على ضرب العراق من سياسات أمريكية جديدة تسعى إلى إعادة نسج الروابط مع العالم العربي وتقديم "ترضية ما" للشعوب والحكومات العربية، وهناك اتفاق على أن هذه الترضية ستكون على حساب إسرائيل وبالتحديد في قضيتين هما عملية التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي وتحديدا على المسار الفلسطيني وأسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية.

وفيما يخص القضية الأولى، أي عملية التسوية السياسية، يبدو واضحا أن هناك مخاوف إسرائيلية من تبلور ضغوط أمريكية على إسرائيل بعد الحرب على العراق من أجل إعادة استئناف المفاوضات، وتحديدا على المسار الفلسطيني ووفق خطة محددة تتماشى والرؤية التي عبر عنها الرئيس الأمريكي جورج بوش بإقامة دولة فلسطينية مستقلة عام 2005. أي إنهم يخشون ممارسة الولايات المتحدة بعد الحرب على العراق لضغوط على إسرائيل للتجاوب مع الخطة المعروفة بـ"خريطة الطريق".

وتستند المخاوف الإسرائيلية هنا على دراسة تجربة ما بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، حيث أدى ربط صدام حسين للانسحاب من الكويت، بانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية، إلى قرار أمريكي بضرورة التحرك بعد الحرب من أجل تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وقدم الرئيس الأمريكي -آنذاك جورج بوش الأب- تعهدات واضحة للدول العربية بالتحرك بعد انتهاء الحرب.

وتذهب كتابات إسرائيلية إلى عقد نوع من المشابهة بين الأوضاع عام 1991، والأوضاع التي تحيط بالموقف الراهن ، فمن ناحية هناك إدارة أمريكية جمهورية مرتبطة بدوائر النفط وتسعى في نهاية المطاف إلى علاقات قوية بالعالم العربي، وأن هذه الإدارة تدرك أن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي والانحياز الأمريكي لإسرائيل، بات أحد أبرز أسباب كراهية الولايات المتحدة في العالم العربي. أيضا قطعت الإدارة الجمهورية الحالية بقيادة جورج بوش الابن خطوات متقدمة على طريق تسوية القضية الفلسطينية عبر حديث الرئيس الأمريكي عن ضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جوار إسرائيل، وتحقيق ذلك في عام 2005.

ويرون أيضا أن الوضع الآن بالنسبة لإسرائيل يعد مشابها لما كان قائما عام 1991، ففي الحالتين كانت هناك حكومة ليكودية- عام 1991 بقيادة شامير- والآن بقيادة شارون، وأن الحكومة في الحالتين طلبت ضمانات قروض أمريكية كبيرة - عشرة مليارات عام 1991- والآن أربعة عشر مليارا - وأن الحكومة في الحالتين لها رؤية مختلفة مع الإدارة الأمريكية حول أسس ومتطلبات الحل، ففي عام 1991، رفض شامير في البداية المشاركة في مؤتمر مدريد، وعندما شارك أعلن أنه سيفاوض العرب عشر سنوات دون أن يقدم لهم شبرا واحدا من الأرض، وكانت المحصلة أن أدركت الإدارة الأمريكية الجمهورية بقيادة بوش الأب أن شامير عقبة في وجه التسوية فرفضت منحه ضمانات القروض وعملت على إسقاط حكومته في انتخابات يونيو 1992، وجاءت بحكومة حزب العمل بزعامة رابين، وهي الحكومة التي وقعت اتفاق أوسلو.

ويخلصون من عرض هذه التجربة إلى القول بأن السيناريو يمكن أن يتكرر مع شارون في غضون عام بعد انتهاء الحرب على العراق، وفي هذه الحالة ستجبر إسرائيل على التوقيع على اتفاق للتسوية وفق الخطوط العريضة للمفاوضات التي جرت في كامب ديفيد في يوليو 2000.

وعلى الرغم من أن هناك العديد من أوجه الاختلاف بين عام 1991 و2003، فإن هذه الاختلافات لا تنفي إمكانية تحقق هذه الرؤية إذ إن الإدارة الأمريكية وبعد أن قطعت شوطا كبيرا في التسليم - اللفظي- بحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، باتت في أمس الحاجة لطمأنة العالم العربي بأنها لا تستهدفه ولا تعاديه، ومن ثم يمكن أن تتحرك على طريق تنفيذ هذه الرؤية شريطة تبلور مواقف عربية واضحة تطالب واشنطن بتنفيذ وعودها بشأن التسوية على المسار الفلسطيني أولا، وتطبيق هذه الرؤية على المسارات الأخرى، أي السوري واللبناني. وقد بدأت مؤشرات ذلك بإعلان الرئيس الأمريكي في 14 مارس 2003، التزامه طرح خطة "خريطة الطريق" بعد تثبت رئيس الوزراء الفلسطيني بصلاحيات واسعة.

أما فيما يخص القضية الثانية والتي تتعلق بأسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية، فيبدو واضحا من متابعة الجدل الدائر في إسرائيل، أن هناك درجة من الاعتقاد بأن الولايات المتحدة وبعد أن تنزع أسلحة العراق، وتسوي ملف كوريا الشمالية سوف تتحرك لاتخاذ خطوة مشابهة تجاه الملف النووي الإسرائيلي.

ويبدو واضحا من الكتابات الإسرائيلية في هذا المجال، أن الولايات المتحدة ربما تكون قد أبلغت إسرائيل بنيتها هذه، ومن ثم فالقضية لم تعد تحرك الولايات المتحدة من عدمه، بقدر ما باتت تتمثل في كيفية إبرام صفقة تتم في إطارها تسوية شاملة مع العرب قبل البدء في مناقشة البرنامج النووي الإسرائيلي.

وفي هذا السياق كتب "ران أدليست" مقالا بعنوان "العلاقة النووية" في صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ الخامس من يناير 2003، يقول: "لا يعلم أحد كيف سينتهي الوضع في العراق ولا في كوريا الشمالية، ولكن واضح أن أحد النتائج ستكون زيادة الضغط على إسرائيل في مسألة السياسة النووية، يوجد اتفاق حاليا بين الولايات المتحدة وإسرائيل يقضي روح هذا الاتفاق بأن يظل ما لدى إسرائيل من أسلحة دمار شامل على ما هو عليه، إلا أن أي تقدم في العراق وكوريا الشمالية يقتضي إجراء مماثلا تجاه إسرائيل". (انظر مختارات إسرائيلية، عدد 98، فبراير 2003، ص ص 102-103).

وأن غاية ما يمكن لإسرائيل فعله -من موجهة نظر أدليست- هو أن تبدأ أولا بالدخول في عملية التسوية السياسية بحيث تصل إلى تصالح مع العالم العربي، وتدخل بعد ذلك في الملف النووي، ويحذر من البدء بالملف النووي قبل إتمام التسوية السياسية والتصالح مع العالم العربي.

من هنا يبدو واضحا أن ضرب العراق وتغيير النظام وإزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية، وإن كان يمثل مصلحة إستراتيجية لإسرائيل، فإنه يفرض في الوقت نفسه مجموعة من التحديات اقتداء بما جرى في أعقاب حرب الخليج الثانية من تحرك أمريكي فاعل لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي وضغوط أمريكية على الحكومة الإسرائيلية من أجل المشاركة في عملية التسوية السياسية التي انتهت بنشاط أمريكي قوي من أجل تغيير الحكمة الإسرائيلية التي كان يقودها شامير. أيضا فإن الشق الأبرز الذي تتحسب له إسرائيل بعد ضرب العراق، يتمثل في تحرك أمريكي على طريق احتواء البرنامج النووي الإسرائيلي، وربما خطوات أمريكية لنزعه حتى تحدث قدر من التهدئة في العالم العربي وتمهد الطريق أمام مواجهة أي محاولة من قبل دول المنطقة لحيازة أسلحة دمار شامل.

المؤكد أن أي عمل عسكري أمريكي ضد العراق هذه المرة سوف يستهدف تغيير النظام وتنصيب نظام موال للغرب، ولواشنطن تحديدا، وأن هناك احتمالات أخرى لأن تتحرك الولايات المتحدة على المسار الفلسطيني الإسرائيلي بطرح خريطة الطريق· ، وأيضا التحرك من أجل اتخاذ خطوات تجاه البرنامج النووي الإسرائيلي وأسلحة الدمار الشامل المختلفة ربما تمهيدا لإعلان منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل... كل ذلك يظل في دائرة التوقعات والاحتمالات. وتحوله إلى أرض الواقع وحدود الحركة باتجاهه يظل رهنا ببلورة رؤية عربية واضحة ومتماسكة لمواجهة تحديات قادمة تترتب على ضرب العراق، فالمؤشرات المتاحة حاليا تقول إن مرحلة ما بعد ضرب العراق سوف تشهد بروز سيناريوهات أمريكية تجاه العالم العربي وتحديدا بشأن إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والثقافية، هذا بينما تصطدم محاولات طرح وتنفيذ خطة "خريطة الطريق" بعقبة حكومة يمينية في إسرائيل سوف تعمل على استنفاد الوقت في نقاش حول تفاصيل كثيرة لا سيما أن حكومة شارون قد أدخلت أكثر من مائة تعديل على الخطة، ويمكنها أن تتفاوض حولها فترة طويلة، والانطباع العام هو مفاوضات حول تنفيذ الخريطة، بينما الواقع لا يعدو أن يكون استهلاكا للوقت إلى أن تدخل الإدارة الأمريكية مرحلة الاستعداد للانتخابات الجديدة بدءا من منتصف 2004.  

اقرأ أيضًا:


**رئيس تحرير مجلة "مختارات إسرائيلية" الأهرام- القاهرة.

بحث متقدم

الأخبار

صفحات خاصة 

فتاوى الاحتلال

العراق.. مستقبل أمة

ضد الهيمنة

الحرب.. تداعيات وآثار

صور الحرب

وثائق.. خرائط.. بيانات

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

اسألوا أهل الذكر

معًا نربي أبناءنا

دعوة ودعاة

ساحة الحوار

الإسلام وقضايا العصر

كاريكاتـير

استشارات صحية

 نادي المبدعين

مشاكل وحلول للشباب

استشارات دعوية

استشارات الزكاة

الحج والعمرة

  شريك الحياة

حوارات حية

حدث في العام الهجري

  بطاقات إلكترونية

المكتبة الإلكترونية

دليل المواقع

وثائق و بيانات

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع