بريدك الإلكتروني

الصفحة الرئيسة 

ابحث بحث متقدم


أخر تحديث 19 يناير 2006 - تم الإطلاق 19 يناير 2006

RightBar

 

ردود فقهية على الشبهات العقدية

حامد العطار

في رسالتك تساؤلات كثيرة، وشبهات عديدة، فقد أطلقت لقلمك العنان أن يكتب كل ما يختلج بنفسك من شكوك وحيرة واضطراب. وأنا ممن يرفض منهج السكوت على استحياء؛ لأن من سكت استحياء بينما لا تزال الشبهة تترد في نفسه فإنك لا تأمن أن يغدو عدوا على ما سكت بعد حين.

ولذلك أكد القرآن على ضرورة التحصن بالعلم الشرعي في مواجهة الشبهات.
فإن للشيطان مدخلين في إغواء الناس: الشهوات، والشبهات، فمن جاهد نفسه، وتغلب على شهواته فإن الشيطان سيأتيه من جانب الشبهات.

ومن تعلم ليغلق على الشيطان باب الشبهات، كما أغلق على الشيطان باب الشهوات؛ كان كمن قال الله عز وجل فيهم: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.

فالصبر إشارة إلى مغالبة الشهوة، واليقين إشارة إلى العلم الجازم الذي يخنس معه الشيطان، ولا تصمد أمامه الشبهات. فليس في ديننا عورات يجب أن نغض الطرف عنها لتقبله عقولنا.

ويربي فينا ديننا العقلية العلمية التي تطلب البرهان اليقيني في العقليات، وصدق التجربة في الحسيات، وصحة النقل في المرويات: {ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (سورة الأحقاف: 4).

وقد بدا لي من تأمل رسالتك أن الشبهات التي ذكرت؛ إنما سببها خلل في ثلاثة أصول، أحسب أنها لو استقرت عندك؛ فإنك ستبدد ما ذكرت من شبهات وتساؤلات، وأقسم الرد على شبهاتك إلى المحاور التالية:

أولا: هل القرآن غامض؟

لماذا لم ينزل الله نصوص القرآن واضحة جلية بحيث يفهمها العالم والجاهل على نحو واحد؟ وكذلك لماذا لم تأتِ نصوص السنة هكذا؟ لماذا هذا الإجمال الذي يسمح بفهم النص على عدة أوجه حسب أفهام الناس؟ ألا ترون أن هذا الغموض أحوج علماء المسلمين إلى الدفاع عن هذه النصوص بدلا من أن تكون هذه النصوص نفسها حصنا منيعا؟

يجيب عن هذه الشبهة الشيخ الإمام محمد عبده -رحمه الله- فيقول:

1- إن الله أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به، فإنه لو كان كل ما ورد في القرآن معقولا واضحا لا شبهة فيه عند أحد من الأذكياء ولا من البلداء لما كان في الإيمان شيء من معنى الخضوع لأمر الله تعالى، والتسليم لرسله.

2- جعل الله المتشابه في القرآن حافزا لعقل المؤمن إلى النظر كيلا يضعف عقله فيموت. فإن السهل الجلي جدا لا عمل فيه للعقل، والدين أعز شيء على الإنسان. فإذا لم يجد فيه مجالا للبحث يموت فيه، وإذا مات فيه لا يكون حيا بغيره. فالعقل شيء واحد إذا قوي في شيء قوي في كل شيء، وإذا ضعف ضعف في كل شيء.

ولذلك قال: "والراسخون في العلم" ولم يقل: والراسخون في الدين؛ لأن العلم أعم وأشمل، فمن رحمته تعالى أن جعل في الدين مجالا لبحث العقل بما أودع فيه من المتشابه، فهو يبحث أولا في تمييز المتشابه من غيره، وذلك يستلزم البحث في الأدلة الكونية والبراهين العقلية وطرق الخطاب، ووجوه الدلالة ليصل إلى فهمه ويهتدي إلى تأويله، وهذا الوجه لا يأتي إلا على قول من عطف "والراسخون" على لفظ الجلالة، وليكن كذلك.

3- إن الأنبياء بعثوا إلى جميع الأصناف من عامة الناس وخاصتهم، سواء كانت بعثتهم لأقوامهم خاصة كالأنبياء السالفين عليهم السلام أو لجميع البشر كنبينا صلى الله عليه وسلم. فإذا كانت الدعوة إلى الدين موجهة إلى العالم والجاهل، والذكي والبليد والمرأة والخادم، وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه كل مخاطب عاميا كان أو خاصا، ألا يكون في ذلك من المعاني العالية والحكم الدقيقة ما يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة بتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى، والوقوف عند حد المحكم، فيكون لكل نصيب على قدر استعداده.

مثال ذلك: إطلاق لفظ كلمة الله وروح من الله على عيسى عليه السلام، فالخاصة يفهمون من هذا ما لا يفهمه العامة؛ ولذلك فتن النصارى بمثل هذا التعبير؛ إذ لم يقفوا عند حد المحكم وهو التنزيه واستحالة أن يكون لله جنس أو أم أو ولد، والمحكم عندنا في هذا قوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم}.

ومن المتشابه ما يحتمل معاني متعددة وينطبق على حالات مختلفة لو أخذ منها أي معنى وحمل على أية حالة لصح، ويوجد هذا النوع في كلام جميع الأنبياء وهو على حد قوله تعالى: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}، ومنه إبهام القرآن لمواقيت الصلاة لحكمة.

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في بلاد العرب المعتدلة بالأوقات الخمسة للصلوات الخمس، وما كانت العرب تعلم أن في الدنيا بلادًا لا يمكن تحديد هذه المواقيت فيها، كالبلاد التي تشرق فيها الشمس نحو ساعتين لا يزيد نهار أهلها على ذلك، أشار القرآن إلى مواقيت الصلاة بقوله: "فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ . وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ"، وسبب هذا الإبهام أن القرآن دين عام لا خاص ببلاد العرب ونحوها، فوجب أن يسهل الاهتداء به حيثما بلغ، ومثل هذا الإجمال والإبهام في مواقيت الصلاة يجعل لعقول الراسخين في العلم وسيلة للمراوحة فيه، واستخراج الأحكام منه في كل مكان بحسبه، فأينما ظهرت الحقيقة وجدت لها حكمًا من القرآن، وهذا النوع من المتشابه من أجلّ نِعم الله تعالى، ولا سبيل إلى الاعتراض على اشتمال الكتاب عليه. انتهى نقلا عن تفسير المنار.

 ثانيا: هل يحتاج موقف علماء المسلمين من الطعن في الدين إلى مراجعة؟

لماذا حدد علماء المسلمين موقفهم من الطعون مسبقا، بحيث استقرت عقائدهم على أنهم لن يقبلوا أي طعن في القرآن والسنة مهما كانت قوة هذه الطعون، وسيذهبون إلى تأويلها بما لا يخدش من قدسية هذه النصوص؟ لماذا هذا الموقف المبدئي والمسبق والعام؟ أفلا يتصور أن يبزغ أمامهم طعن قوي يستحق أن يراجعوا فيه معتقداتهم؟ ثم كيف تريدون مني أن أثق بالقرآن إذا صادمته حقيقة علمية مؤكدة؟ ألا يكفي لإبطاله اصطدامه بحقيقة علمية واحدة؟

إن الكون خلقه الله والقرآن كلام الله وما دام القائل هو الخالق فلا تصادم: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}. هذا إذا كانت الشبهة، وأما ما عساه يكون من تعارض بين ظواهر النصوص؛ فإننا قد قررنا كذلك أنه لا يمكن للنصوص أن تتعارض في الحقيقة؛ لأن النصوص كلها وحي من عند الله تعالى، فمرجعها جميعًا إلى الله، فكيف تتناقض أقوال الله الواحد؟.

ثم إننا نؤمن بأنه لا تناقض بين العقل والعلم، نقصد بين القطعي منهما؛ لأنه إذا تعارض دليلان سواء كانا سمعيين أو عقليين أو أحدهما سمعيا والآخر عقليا، فالقسمة العقلية تقول: لا يخلو إما أن يكون الدليلان قطعيين، أو يكونا ظنيين، وإما أن يكونا أحدهما قطعيا ولآخر ظنيا.

فأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما: سواء كانا عقليين أو سمعيين أو أحدهما عقليا والآخر سمعيا، وهذا متفق عليه بين العقلاء؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله: ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة.

وحينئذ فلو تعارض دليلان قطعيان وأحدهما يناقض مدلول الآخر للزم الجمع بين النقيضين وهو محال؛ بل كل ما يعتقد تعارضه من الدلائل التي يعتقد أنها قطعية فلا بد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي أو أن يكون مدلولاهما متناقضين. فأما مع تناقض المدلولين المعلومين فيمتنع تعارض الدليلين.

وإن كان أحد الدليلين المتعارضين قطعيا دون الآخر؛ فإنه يجب تقديمه باتفاق العقلاء سواء كان هو السمعي أو العقلي فإن الظن لا يرفع اليقين. وأما إن كانا جميعا ظنيين: فإنه يصار إلى ترجيح أحدهما؛ فأيهما ترجح كان هو المقدم سواء كان سمعيا أو عقليا.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: "لا مجال في الإسلام لدعوى التعارض أو العداوة بين الدين والعلم، فالدين في الإسلام علم والعلم فيه دين. كما تشهد بذلك أصول الإسلام وتاريخه جميعا. فالدين في الإسلام علم؛ لأنه لا يعتمد على الوجدان وحده، بل يقوم على النظر والتفكير ورفض التقليد الأعمى، والاعتماد على البرهان اليقيني لا على الظن واتباع الهوى.

والعلم في الإسلام دين؛ لأن طلبه فريضة على كل مسلم ومسلمة، وهو فريضة عينية أو كفائية، تبعا لحاجة الفرد أو حاجة المجتمع، والاشتغال بالعلم النافع - دينيا كان أم دنيويا- عبادة وجهاد في سبيل الله.

وهذه حقيقة شهدها وشهد بها كثير من الباحثين والمؤرخين الغربيين. ولا بأس أن نذكر هنا بعض هذه الشهادات تأكيدا وتثبيتا لمن تُهِمُّهم أقوال الغربيين.

يقول العلامة "هورتن": "في الإسلام وحده تَجِد اتحاد الدين والعلم. فهو الدين الوحيد الذي يوحد بينهما. فنجد فيه الدين ماثلا متمكنا في دائرة العلم. وترى وجهة الفلسفة ووجهة العلم متعانقتين، فهما واحدة لا اثنتان".

ويقول "إتيان دينيه": "إن العقيدة الإسلامية لا تقف عقبة في سبيل الفكر، فقد يكون المرء صحيح الإسلام، وفي الوقت نفسه حر الفكر، ولا تقتضي حرية الفكر أن يكون المرء منكرا لله. لقد رفع "محمد" قَدْرَ العلم إلى أعظم الدرجات، وجعله من أول واجبات المسلم. وإذا كان هذا موقف الإسلام من العلم، فمن أين نشأت مشكلة التعارض بين العلم والدين؟

الحقيقة كما يقول الإمام الأكبر الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود (من بحث عن "شخصية المسلم" ألقاه في المؤتمر الرابع لـ"مجمع البحوث الإسلامية"): "إن مشكلة التعارض بين الدين والعلم، إنما نشأت في أوربا بعيدة عن الجو الإسلامي. إنها تُصَوِّر نِزَاعًا في بيئة بعيدة كل البعد عن الروح الإسلامية التي حَثَّت الإنسانية على التعليم والتعلم والتي نشأ المنهج العلمي -الذي يعتبرونه حديثا- بين رُبُوعِهَا، قديمًا بِقِدَمِهَا والتي أنشأت على أساس من هذا المنهج حضارة ضخمة، لا تزال تكشف كل يوم الكثير من أنحائها العميقة.

وما من شك في أن الحضارة الإسلامية هي -كما يقول الأستاذ "بريفولت"- التي قَدَّمَت إلى الحضارة الغربية الحديثة المنهج العلمي وأصول العلم نفسه، أي الحقائق المكتشفة في المجالات المختلفة.

"والأمر العام الذي نريد أن نُنَبِّه عليه، هو: أن مسألة التعارض بين الدين والعلم، إنما هي مسألة وهمية إذا نظرنا إلى حقيقة الأمر. ذلك أن العلم وممثليه الحقيقيين: يعترفون في صراحة لا لَبْسَ فيها، وفي وضوح لا خفاء فيه: بأن دائرة أبحاثهم، إنما هي المادة، وإنما هي المُحَسُّ، وأنهم يعتمدون في ذلك على التجربة، وعلى الملاحظة، إنهم يعتمدون على الاستقراء على وجْه العموم، وليس الاستقراء إلا تتبع جزئيات مُحَسَّة، تتبعها بالملاحظة، أو بإجراء التجارب عليها. والمنهج العلمي إذن: إنما هو منهج لمعرفة كيفيات المادة، وإذا ما خرج الأمر عن دائرة المادة، فقد خرج عن دائرة العلم.

وعلى هذا الأساس: فليس للعلم مطلقًا دخل في أمور الدين - إثباتًا وإقرارًا أو نفيًا وإنكارًا. وإذا ما قال قائل: إن العلم يثبت كذا من الأمور الروحية، فإنه يكفينا منه هذه الكلمة، لنسحب ثقتنا به كعالم، وإذا ما قال: إن العلم ينكر كذا من الأمور الروحية، فإن هذه الكلمة تكفي أيضًا لسحب ثقتنا به كعالم؛ إذ إن العلم في المجال الروحي، لا يثبت ولا ينفي، وهذا واضح مما سبق أن ذكرناه.

ومع ذلك فقد يُتِيحُ العلم بأبحاثه في ارتباط الكون وتنسيقه وإبداعه، والتناغم الذي يسوده، والدقائق الباهرة التي يبينها "علم التشريح" -مثلاً- في التركيب الحيواني، قد يتيح العلم من كل ذلك لعلماء الدين مواد يَبنون عليها تذكيرهم وعظاتهم، وبيانهم: أن العالم يكون نتيجة الصدفة العمياء أو الاتفاق الأصم، يبنون من نتائج العلم أن الآيات في مجال المادة نفسها تشهد أنها من صنع الله الذي أتقن كل شيء: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت: 53).

ويزيد أستاذنا المرحوم الدكتور محمد عبد الله دِرَاز هذه الأمر إيضاحًا حين يَتَحَدَّث عن مراتب العلوم من حيث مقومات موضوعاتها. فيبين ألا اشتراك بين الدين والعلم في موضوع ما. ولهذا لا يعقل التعارض بينهما، وإنما بِتَصَوُّر التفاهم وحسن الجوار على الأقل، إنْ لمْ يَكُن التعاون والتضامن.

يقول -رحمه الله- في كتابه القَيِّم "الدين": "ولو أننا أخذنا في تصنيف موضوعات العلم، لا باعتبار شرَف غايتها المباشرة، بل بحسب مقوماتها النوعية، وتكامل عناصرها بالازدياد التدريجي، لَحَصَلْنَا بينها على هذا الترتيب التصاعدي نفسه، إذ نرى كل واحد منها يحتوي ما قبله ويزيد عليه عنصرًا جديدًا: فالحياة النباتية تستلزم وجود الجسم بأجزائه، وجزئياته، وعناصره، وذراته، وطاقاته، وتزيد عليه وظائف أخرى. والحياة الحيوانية تحتوي الحياة النباتية بجميع وظائفها، وتزيد عليها. والحياة الإنسانية فيها كل الحياة الحيوانية، وتزيد وظائف أعلى. وهذه الوظائف نفسها طبقات بعضها فوق بعض، وأعلاها الوظيفة الروحية التي تتطلع إلى الحقيقة الكبرى.

هذا البيان يُرِينا على أي وجْه يُمْكِن أن نَفْهَم الصلة بين العلم الإلهي (علم الدين) وسائر العلوم (طبيعية، أو رياضية، أو فلكية، أو نفسية، أو اقتصادية، أو منطقية، أو اجتماعية، أو تاريخية، أو لغوية، أو غيرها) وأنها ليست صلة وحدة في الموضوع، ولا اشتراك في الأهداف، إذ مهما تعالج هذه العلوم من مشاكل، فليس واحد منها يَتَصَدَّى لعلاج المشكلة الكبرى التي انْتَهَضَ الدين لحلها.

إنها كلها تبحث عن الكائنات، وليس شيء منها يبحث عن مبدئها الأول وغايتها القصوى. غير أنها كلها تستطيع أن تُزْجِي لهذا المَطْلَب خدمة ما. من قريب أو بعيد، ولن يَسْتَغني الدين عن العلوم إلا لو استغنت المقاصد عن وسائلها ومقدماتها، أو الدعاوى عن حججها وبيناتها، فكما أن المجهول لا يتوصل إليه إلا عن طريق المعلوم، والغائب لا يدرك إلى على ضَرْب من القياس على الشاهد، كذلك الحقائق العليا لا يَسْهُل الصعود إليها إلا على سُلَّم من حقائق الدنيا.

فإن بَعُدَت صلة بعض العلوم بالدين، وعجزت عن أن تقَدِّم له مددًا إيجابيًّا ملموسًا- فإنها- بما تُبَدِّد من ظلمات الأوهام. وبما تبعث من النور في جوانب النفس -تقوم بوظيفة تطهير وتنقية، لا بد منها لتهيئة جو عقلي صالح لاعتناق العقائد السليمة حتى إذا ركن القلب إلى شيء كان ركونه إليه على بصيرة وبَيِّنَة، لا مدفوعًا بِحَمِيَّة الجهل، ولا منقادًا بِسَذَاجة المحاكاة: {هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (الزمر: 9).

ومهما يكن من أمر: فالمعقول أنه إن لم يكن بين العلم والدين تعاون من قريب ولا بعيد، كان بينهما على الأقل من التفاهم وحسن التجاور ما بين فروع الصناعات المختلفة، إذ ليس يُعْقَل أن يكون هناك تعارض وتناقض بين أمرين لا اشتراك بينهما في موضوع واحد.

وهنا يحق لنا السؤال عن تفسير تِلْك المصادمات العنيفة، التي ظهرت في التاريخ غير مَرَّة، بيْن العلوم والأديان. لا نعني بذلك الصراع الصوري الذي يُستغل فيه اسم العلم والدين أحيانا، ليكون ستارًا للمقاصد الخفية، والمطامح المختلفة، من الثروة، والنفوذ، والجاه، وسائر المصالح العاجلة، كما لا نعني الصراع الحقيقي الدائم بين النزعات الروحية السامية التي تدفع إلى التضحية وضبط النفس والاعتدال، وبين النزعات المادية المضادة التي تهدف إلى الفوضى والإباحة والاستئثار. وإنما نطلب تفسير تلك المعارضة الفكرية التي تَقَعُ بحُسْن نيَّة بيْن المعسكرين العلمي والديني، فيقف كل واحد منهما موقف التكذيب والإنكار لِمَا عند الآخر.

"والجواب أن هذه المعارضة تحدث فيما نعلم على إحدى صورتين:

الصورة الأولى: أن يقف أحد الطريفين موقف المعارضة لِمَا عند الآخر جملة، لا بِنَاءً على حجة تَدْحَضُه، أو شبهة تُضْعِفه، بل عَفْوًا واعْتِبَاطًا، أو لمجرد جهله به، ظنًّا منه أن كل ما لم يدخل في دائرة عِلْمه في الحال فليست له حقيقة.

وهذا لَعَمْري من قِصَر النظر، بل من الجهل والغرور، فإن التكذيب بما لم يُحِطْ الإنسان بعلمه ولم يَأْتِهِ تأويله، خطأ لا يرتكبه الراسخون في العلم والدين، وإنما يقع فيه المغرورون من العامة أو "أنصاف المتعلمين" وهؤلاء أشد خطرًا من الجهلاء؛ لأن علمهم في الحقيقة جهل مُركَّب، وإنما الإنصاف أن يكون كل امرئ عارفًا بقدر نفسه، واقفًا عند حَدِّه، بَنَّاءً غير هَدَّام. والسبيل القاصد في ذلك أن يثبت كل فريق ما وصل إليه، ولا ينكر ما لم يصل إليه.

"وقد رأينا العلماء المتخصصين في فرع من العلوم الطبيعية أو العقلية يعتمدون النتائج التي وصل إليها المتخصصون في رفع آخر منها -كل في نطاق تخصصه- ولا ينتظرون أن يُعِيدُوا كلهم ما جَرَّبَه أو برهنه بعضهم، وهذا هو الوضع السليم الذي تَتَقَدَّم به المَعَارف الإنسانية، إذ لو وَجَبَ أن يُعِيد كل عالم بَحْث كل مسألة بنفسه، لَمَا تَقَدَّمَت العلوم خطوة واحدة.

وكذلك ينبغي أن يكون الشأن بيْن حَمَلَة العلوم وحملة الأديان.. "ألم يُجمع العلماء الآن على إمكان تحطيم النواة الذرية، واستخدام طاقتها الجبارة في نصع الأعاجيب، مع أنه لم يُباشر هذه التجربة منهم إلا نَفَر قليل؟.

فماذا يمنعنا أن نؤمن بالتجارب الروحية المتكررة التي شَهِدَها الأنبياء وأرباب البصائر النَّيِّرَة في مختلف العصور، وإن لم يشهد الناس منها إلا نتائجها الخارقة؟.

"إنه إذا كان من واجب الأديان أن تُهَادن العلوم ولا تنابذها، وكان من الخير لها أن تستثمر كافة المعارف البشرية وتتسلح بنتائجها، فإن من الخير للعلوم كذلك أن تَدَع الأديان تكمل ما فيها من نقْص، وتملأ ما تتركه في النفوس من فراغ، بما يملؤها من الحقائق الروحية، فإن لم تفعل فلا أقل من أن تلتزم شُقَّةَ حِيَادٍ، فلا تُعادي الأديان ولا تنكرها جملة، فإن إنكار الدين جملة إنكار ضمني لأمور واقعية، تحتويها الأديان كلها، ولا يحتويها علم من العلوم، أَلا وهي عناصر الإيمان بالحقيقة العليا وتقديسها وعبادتها.. معانٍ هي من مادة الحياة التي قد يُفَسِّرها العلم، ولكنه لا يَخْلقها، وقد يُنَقِّب عن أطوارها ويَتَفَهم نشأتها، ولكنه لا يستطيع أن يتجاهل وجودها، أو يَدَّعِي لنفسه أن يَحِلَّ محلها".

الصورة الثانية: أن تكون هناك مسألة أو مسائل مُعينة تَنطِق فيها العلوم والأديان بحكمين متناقضين. وإنما يَحدُث ذلك حينما تتناول الأديان إلى جانب عنصرها الروحي شيئا من موضوعات العلوم وحقائق المشاهدات، وتذهب في ذلك مذهبًا معينا. تفرضه على المتدينين بها فرضًا.

فهذا الجانب وإن كان عرضيًّا في الأديان، وكان سبيله في الغالب سبيل الوسائل لا المقاصد، إلا أنه يُعَدُّ معيارًا لمقدار ما في كل دين من صحة أو فساد، على قَدْر اتفاقه مع مقررات العلم الصحيح وقضايا العقل السليم، أو اختلافه معها، فإنه إذا كان الدين حَقًّا والعلم حَقًّا وجب أن يَتَصادقا ويتناصَرَا، أما إذا تكاذَبَا وتخاذَلَا فإن أحدهما لا محالة يكون باطلًا وضلالًا" ("الدين" للدكتور محمد عبد الله دراز ص 74 ـ 78).

ومِصداق ذلك أن الكنيسة الغربية في العصور الوسطى عندهم تَبَنَّت نظريات وآراء مُعينة في الفلك والفيزياء والجغرافيا وغيرها من العلوم، وأضفت على هذه الآراء لونًا من القداسة الدينية، وأصبحت جزءًا من معتقداتها، التي يَشُبُّ عليها الصغير ويَهْرَم عليها الكبير.

فلَمَّا بَزَغَ فجر النهضة العلمية في أوربا، على أيدي جماعة من علمائهم ومفكريهم الأحرار الذين تأثروا بالمنهج العملي الذي كان معروفًا في العالم الإسلامي -اصطدمت أفكارهم ومكتشفاتهم اصطدامًا مباشرًا بتلك النظريات المقدسة. وكان النزاع المرير المعروف في الغرب بين العلم والدين (انظر في ذلك كتاب "الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية" للأستاذ الإمام محمد عبده) انتهى.

الفرق بين الحقيقة والنظرية العلمية

ولكن علينا أن نفرق بين الحقيقة العلمية والنظرية العلمية؛ فالنظرية العلمية هي الرأي الراجح عند القائلين به في تفسير ظاهرة طبيعية أو تحليل قضية اجتماعية، وهي احتمالية لا تصل إلى حد اليقين الجازم.

أما الحقيقة العلمية فإنها لا تتحقق إلا بأمرين:

أولا: إقامة دليل دامغ على صحتها.

ثانيًا: إقامة الدليل على استحالة تغييرها فتصبح بذلك قطعية لا تحتمل تغييرا ولا تبديلا. فتكون من سنن الله حينئذ ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا. ذلك أن الكون قائم على الناموس الواحد الذي يربط بين أجزائه جميعا، وينسق بين أجزائه جميعا، وبين حركات هذه الجزاء وحركة المجموع المنظم. هذا الناموس من صنع إرادة واحدة لإله واحد. فلو تعددت الذوات -تعالى الله عن ذلك علوا كبير-؛ لتعددت الإرادات ولتعددت النواميس تبعا لها. فالإرادة مظهر الذات المريدة والناموس مظهر الإرادة النافذة.

ومن هنا يتضح الفرق بين النظرية والحقيقة العلمية؛ فالحقيقة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل في سنة من سنن الله -كما قلنا- على عكس النظرية. فإن النظرية التي تقوم اليوم يمكن أن تقوم بعدها أخرى تناقضها.

فيجب ألا نحمل النص المتيقن على نظرية غير مستيقنة تقبل اليوم، وترفض غدا فلا يصح محاولة توفيق النصوص القرآنية القطعية مع النظريات العلمية المتغيرة. فالحقيقة العلمية كتمدد المعادن بالحرارة، وتحول الماء إلى بخار أو تجمده بالبرودة وغير ذلك من الحقائق العلمية الثابتة شيء آخر غير النظريات العلمية التي تحتمل الصواب والخطأ.

فالخطأ إذن أن نعتقد في شيء أنه حقيقة علمية وهو ليس كذلك. ولكنه ظن أو احتمال وشك لم يصل إلى مرتبة الحقيقة العلمية أو أن يكون هناك سوء فهم لحقيقة قرآنية. فكم من أشياء حسب الناس أنها حقيقة علمية ثم تبين بعد ذلك كذبها. وهناك مئات مما قال عنه العلماء حقيقة علمية ثبت أنه غير صحيح. وما زال تحت البحث والدراسة والتحليل ولم يصلوا إلى نتيجة قاطعة له.

لا تصادم بين الدين والعلم: الإسلام لا يتصادم أبدا مع العلم، والذين يقولون بذلك إنما هم أصحاب العقائد الفاسدة التي تتصادم مع الفطرة بل مع الكون والإنسان والحياة. ذلك لأن الكتب السماوية قبل القرآن حرفت بشريا؛ فأوجدت تصادما بين العلم والدين، أما القرآن فالله حافظه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. وما زال القرآن يقول: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} وستستمر "سنريهم" إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وأعطيك مثالا لهذا اللبس: قالوا إن القرآن يقول: {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} ومعنى المد هو البسط، ففسرت بأن الأرض مبسوطة. وقالوا إن هناك تصادما بين الدين والعلم، فالعلم يقول إن الأرض كروية.

والحقيقة أن القرآن لم يأت بالدلائل التي تؤكد أن الأرض كروية في آية واحدة بل جاء بها في آيات متعددة مثل قوله سبحانه تعالى: {لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}.

فهذه الآية تردد على اعتقاد خاطئ غير صحيح، كان موجودا عند العرب وقت نزول القرآن، وهو أن الليل يأتي أولا ثم بعد ذلك يأتي النهار أي أن النهار لا يسبق الليل.

ويجيء الحق ليصحح هذا الاعتقاد الخاطئ فيقول: {وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} أي أن الليل أيضًا لا يسبق النهار، ومعنى ذلك أنهما موجودان معا على سطح الكرة الأرضية. ولا يمكن أن يوجد الليل والنهار معا في وقت واحد على سطح الكرة الأرضية إلا إذا كانت الأرض كروية فيكون نصف الكرة مضيئا والنصف الآخر مظلما.

بل إن الآية نفسها: {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} تدل على كروية الأرض؛ لأن الشكل الوحيد الذي يمكن أن تكون فيه الأرض ممدودة في كل بقعة تصل إليها هي أن تكون الأرض كروية، وليس هنا مجال التفصيل– ونكتفي بهذا القدر.

وأخيرا فلا بأس من الإئتناس بالحقائق العلمية المكتشفة، التي يأذن الله للإنسان بعلمها أو المبثوثة في الكون بسنن يصل إليها، والتي تطابقت مع النصوص القرآنية. فهي في هذه الحالة تكون شاهدا على ما ذكره القرآن من آيات الله، فيعلم الناس أنه الحق من ربهم، فتخبت له قلوبهم ويزدادوا إيمانا مع إيمانهم.

ثالثا: كيف نثبت أن الرسول صادق؟

لماذا هذه الحملة من القرآن على كل من يطلب دليلا حسيا ماديا على صدق رسولنا صلى الله عليه وسلم؟ لماذا الإصرار على الأدلة العقلية التي ربما لا تكون قطعية – لتفاوت العقول- مع أن الحل سهل جدا، وهو الإجابة إلى مطلب المدعوين: إنزال دليل حسي مادي تشهده العيون، وتحسه الأبدان فتخر له ساجدة؟

وجواب هذا التساؤل، يتلخص في الآتي:

أولا: أن الدليل الكوني دليل وقتي لا يكون معجزا إلا في حق من يراه، وأما من لم يره ممن غاب عنه وقتها، أو جاء بعده فإن طريق معرفته به هو النقل، والذي يطلب المعجزة من السهل عليه أن يشكك في النقل.

ثانيا: أن التاريخ نفسه يخبرنا أن المعاند لن يؤمن؛ حتى لو رأى المعجزة رأي العين، يقول الله تعالى في شأن قوم طلبوا معجزة حسية: {الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمران: 183). هذه شهادة التاريخ سجلها القرآن أن من جاءتهم البينات لم يؤمنوا بها.

ثالثا: أن المعاندين لن يسلموا بالمعجزات الحسية ، وسيوردون شبها يتملصون بها من الإذعان، قال الله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} (الحجر: 14- 15).

رابعا: إذا كان القرآن قد قص علينا قوما غابرين تماروا في المعجزات الواضحة فإن الله ربنا أخبرنا كذلك أن الباقين ممن لم يأتوا بعد لن يسلموا بالمعجزات الحسية كذلك، يقول الله تعالى : " وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (الأنعام: 109) ومعنى الآية أن هؤلاء الذين يطلبون الآيات لن يؤمنوا بها إذا جاءت، ولكن ما يشعركم أنتم بهذا، فالنفي موجه إلى إيمانهم.

خامسا: أراك تقول: هذا عن المعاندين، ولكني أسألك عن جاهل يتعلم، أو حائر يتثبت، والجواب أن الآية الحسية منعت عنه حتى لا يهلك هو أو يهلك غيره من غير المكذبين، يجلي هذا المعنى الشيخ رشيد رضا؛ فيقول في تفسيره العظيم:

جعل الله تعالى آيته على صدق رسالة خاتم النبيين عقلية علمية دائمة لا تنقطع؛ لتكون حجة قائمة على العقلاء ببقاء أمة الدعوة وأمة الإجابة أي إلى يوم القيامة؛ فإن الآيات الكونية لا بقاء لها، ويحصل المراء في نقلها وفي دلالتها.

ومنه أنه مضت سنة الله تعالى بأن الأمة التي تقترح على رسولها آية، ثم تكفر به بعد تأييد الله إياه بها؛ فإن الله تعالى يُنزل بها عذاب الاستئصال العام عاجلاً لا عذاب المكذبين وحدهم.

ولما كان خاتم النبيين قد أُرسل رحمة للعالمين كان تعذيب قومه بعذاب الاستئصال منافيًا لهذه الرحمة ومستأصلاً لجميع البشر أو لقومه في الجنسية النسبية وهم العرب عامة، لا من رآها منهم وكذَّبها خاصة، ولو استأصل العرب، لما آمن بالقرآن شعوب العجم:{ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ}( الشعراء: 198-199).

{وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} ( الإسراء 59: ) أي نبعث بالآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك ؛ فإنه سهل علينا ، يسير لدينا، إلا أنه كذَّب بها الأولون بعدما سألوها، وقد جرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذَّبوا بها بعد نزولها ... إلخ .

رابعا: لماذا يسلب القرآن عقولنا، ويؤكد على أنه يخاطبها؟

لماذا يريد منا القرآن أن نعرف صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقولنا، ويعطي عقلنا هذه القيمة الكبيرة مع أنه يسلب منا العقول في أحايين أخرى، فيحدثنا بأمور فوق العقل، فإذا ذهبنا نستنكر أو حتى نستفهم، قلتم لنا: هذه أمور فوق العقل؟!

والجواب على ذلك أنه متى قلنا ذلك؟ إن المساحة الوحيدة التي يحظر استعمال العقل فيها، هي ذات الله وصفاته، والملكوت الأعلى، وما غيبه الله عنا مما استأثر بعلمه من الروح، وأما أمور الآخرة فإنها لا تقاس بالعقل؛ لأنها تكون حيث تبدل الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات، ويبدل الإنسان نفسه.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: "والقرآن ينشئ "العقلية العلمية"، التي تعتبر التفكر عبادة، والعلم فريضة، وترى الإنسان والتاريخ والكون كله، مسرحا للنظر والتأمل:

  • {وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون} (سورة الذاريات:20-21).

  • {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء} (سورة الأعراف:185).

  • {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} (سورة العنكبوت :20).

  • {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} (سورة الروم:9).

  • {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} (سورة الحج:46).

فهذه الدعوى لا يمكن قبولها بغير برهان يثبت صحتها، وإلا فدعواه مردودة عليه، كائنا ما كان { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} (سورة البقرة:111).

فمن ادعى النبوة، طولب بالبينة: {فائت بها إن كنت من الصادقين}. ومن دعا الناس إلى عقيدة، قيل له: {هل عندكم من سلطان بهذا أم تقولون على الله ما لا تعلمون} (سورة يونس:68).

ومن ادعى في الدين شيئا، ينسبه إلى الله تعالى، قيل له ولمن وافقه: {هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} (سورة الأنعام:148) {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} (سورة الأنعام:143).

إنها "العقلية العلمية" التي تطلب البرهان اليقيني في العقليات، وصدق التجربة فيملكما الحسيات، وصحة النقل في المرويات: {ائتوني بكتاب من قبل هذا أو إثارة من علم إن كنتم صادقين} (سورة الأحقاف:4).

العقلية، التي ترفض الظن في مقام اليقين: {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا} (سورة يونس:36). وترفض أن تتبع الهوى بدل إتباع الحق، هوى النفس، أو أهواء الغير: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} (سورة القصص:50).

وترفض مبدأ تقليد الآباء، ولو كانوا في ضلال مبين: {أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} (سورة المائدة:104). وترفض إتباع الآخرين بغير حجة، ولو كانوا سادة القوم وكبراءهم: {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} (سورة الأحزاب:67).

وحسبنا أن القرآن نوه بالعلم، وأشاد بآثاره في عدد من قصص الأنبياء الكرام. فهو في قصة آدم، المرشح الأول لخلافة الإنسان في الأرض، وبه أثبت آدم تفوقه على الملائكة المقربين.

وهو في قصة يوسف الذي أنقذ الله به مصر وما حولها من المجاعة الماحقة، نتيجة التخطيط الاقتصادي الزراعي المحكم -إنتاجا وادخارا واستهلاكا- لمدة خمسة عشر عاما، وهو في قصة سليمان، الذي استطاع به صاحبه "الذي عنده علم من الكتاب" أن يحضر به عرش ملكة سبأ من اليمن إلى الشام، قبل أن يرتد إليه طرفه، وهو ما لم يستطعه "عفريت من الجن"، فدل على أن قوة الإنسان بالعلم تفوق قوة الجن، على ما لهم من قدرات وإمكانات.

وفي السنة نرى النبي صلى الله عليه وسلم يحمل على الأوهام والخرافات، التي يعتمد عليها الكهنة والعرافون في الجو الوثني. كما أنكر - بشدة - الاعتماد على التمائم والأحجبة ونحوها، دون أن يبحث عن الدواء المناسب له، معلنا: أن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، جهله من جهله.

ونرى الرسول الكريم ينزل عن رأيه الخاص، إلى رأي الخبراء، كما في موقعة بدر، ونزوله على رأي الحباب بن المنذر. ونراه عليه الصلاة والسلام بعد الهجرة إلى المدينة، يبادر بعمل "إحصاء" للمؤمنين به، ليعرف منه مدى "القوة الضاربة" لديه، فقال: "أحصوا لي عدد من يلفظ بالإسلام" فأحصوا له، فكانوا ألفا وخمسمائة رجل، كما رواه البخاري.

ونراه صلى الله عليه وسلم يعتمد نتائج التجربة في الشئون الفنية المتعلقة بشئون الدنيا، من كيفيات الزراعة والصناعة والتسليح والطب ونحوها، وفي هذا جاء الحديث الصحيح: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".

لم تكن هذه التعاليم القرآنية والنبوية حبرا على ورق، فقد آتت أكلها، وقامت في ظلها حضارة شامخة البنيان، وطيدة الأركان، آخت بين الإيمان والعلم، بين العقيدة والفكر، بين الشريعة والحكمة، ولم يصطدم فيها معقول صريح، بمنقول صحيح، بل قرر علماؤها أن العقل أساس النقل، فلو ألغينا العقل ما ثبت لنا نقل ولا وحي، فإن الحقائق الكبرى في الدين، إنما ثبتت بالعقل أولا، قبل أن يثبت الوحي.

فبالعقل استدللنا على وجود الله تعالى، وبالعقل استدللنا على صحة النبوة العامة، وبالعقل استدللنا على صدق نبوة محمد بخاصة، وعلى أن القرآن الذي جاء به من عند الله.

والعقيدة عندنا - نحن المسلمين - تقوم على أساس البينة والبرهان، لا على أساس التقليد للآباء، أو الطاعة للكبراء، والدعوة في الإسلام يجب أن تكون على بصيرة، وليس في الإسلام ما عرف في أديان أخرى من مثل قولهم: اعتقد، وأنت أعمى! أو أغمض عينيك ثم اتبعني!

ولهذا شحن القرآن بالأدلة على توحيد الله تعالى، وعلى صدق رسوله، وعلى إمكان البعث، وحكمة الجزاء في الآخرة وغيرها. والشريعة في الإسلام قائمة على رعاية مصالح العباد، في المعاش والمعاد، كما يعبر فقهاؤها، وكما يدل على ذلك استقراء أحكامها في العبادات والمعاملات، وكما يؤكد ذلك تعليلات الأحكام في القرآن والحديث.

فهي شريعة "منطقية" لا تفرق بين متماثلين، ولا تسوي بين مختلفين، ولهذا كان "القياس" أصلا من أصولها المعتبرة لدى جمهرة الفقهاء المسلمين ولهذا قال أحد من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم "ما أمر بشيء، فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء، فقال العقل: ليته أمر به".

والاتجاه "العلمي" أو "العقلانية" في الإسلام، أمر واضح ثابت، اعترف به كل منصف، ممن اطلع على شيء من تعاليم الإسلام الأصيلة، في مصادرها النقية، ولو من غير المسلمين، بل من بعض من اتخذوا موقفا ضد الإسلام.

فهذا الكاتب الماركسي "مسكيم رودنسون" يقول في حديثه عن "العقيدة القرآنية": "القرآن كتاب مقدس، تحتل فيه العقلانية مكانا جد كبير، فالله لا ينفك فيه يناقش ويقيم البراهين، بل إن أكثر ما يلفت النظر هو أن الوحي نفسه - هذه الظاهرة الأقل اتساما بالعقلانية في أي دين، الوحي الذي أنزله الله على مختلف الرسل عبر العصور، وعلى خاتمهم محمد - يعتبره القرآن هو نفسه أداة للبرهان، فهو في مناسبات عديدة يكرر لنا أن الرسل قد جاءوا "بالبينات" وهو لا يألو يتحدى معارضيه، أن يأتوا بمثله.

والقرآن ما ينفك يقدم البراهين العقلانية على القدرة الإلهية، ففي خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتوالد الحيوان، ودوران الكواكب والأفلاك، وتنوع الخيرات الحياة الحيوانية والنباتية، تنوعا رائع التطابق مع حاجات البشر، آيات لأولي الألباب (سورة آل عمران:180).

وفعل "عقل" "بمعنى ربط الأفكار بعضها ببعض .. حاكم البرهان العقلي" يتكرر في القرآن حوالي خمسين مرة، ويتكرر ثلاث عشرة مرة هذا السؤال الاستنكاري، وكأنه لازمة {أفلا تعقلون} (سورة البقرة:44).

"والكفار أولئك الذين يرفضون الاستماع إلى دعوة محمد، يوصفون بأنهم "قوم لا يعقلون"، لأنهم قاصرون عن أي جهد عقلي، يهز تقاليدهم الموروثة، وهم بهذا كالجمادات والأنعام، بل أكثر عجمة، ولذلك يكره الله هؤلاء الناس، الذين لا يريدون أن يعيدوا النظر في أسس تفكيرهم".

"ولئن كان "يعني الله سبحانه" يرسل الآيات "الدالة" على وجوده وإرادته، وأهمها الآيات المنزلة على نبيه محمد، فلكي يفهمها الناس، ويجعلوا منها أساسا لتفكيرهم، ونرى الله يقيم البينة الفاصلة، ثم يختتم البرهان بقوله: {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون}(سورة الروم:28).

ويستمر الكاتب في بيان عقلانية الإسلام، مقارنا هذه بما جاء في العهدين القديم والجديد، لليهود والمسيحيين، إلى أن يقول "في مقابلة هذا، تبدو العقلانية القرآنية صلبة، كأنها الصخر".انتهى.

خامسا: هل يأمر الإسلام بالتضييق على "الآخر"؟

موقفكم من الآخر موقف المسئصل ، فأنت لا تقبلون إلا أنفسكم، وإلا فلماذا فتحتم البلاد وحاربتم العباد؟ ولماذا يأمركم نبيكم بالتضييق على الآخر، وأن تكونوا رحماء بينكم أشداء على غيركم؟

أولا: سبب فتح البلاد:

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: وإذا لم يكن الإسلام يفرض على أمته قتال الكفار، لينقذهم من ضلال الكفر، ويقودهم إلى الجنة بالسلاسل، فما تفسير هذه الحروب التي قام بها الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، في حرب فارس والروم، وفي فتح الهند والصين.

وفي فتح الأندلس في أوربة، والتي عرفت في التاريخ باسم (الفتوح الإسلامية) والفت فيها كتب مثل (فتوح البلدان) و(فتوح الشام) و(العراق) و(مصر) وتحدثت عنها باستفاضة: كتب التاريخ العام؟

1ـ إزالة الحواجز من طريق الإسلام:
والذي أراه ويراه المحققون المتدبرون للتاريخ، الذي يقرأونه قراءة صحيحة غير سطحية ولا معتسفة: أن هذه الفتوح كان لها أهداف عدة:

أولها: أنها أرادت كسر شوكة السلطات الطاغية والمتجبرة، التي كانت تحكم تلك البلاد، وتحول بين شعوبها وبين الاستماع إلى كلمة الإسلام، دعوة القرآن، التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام، وتريد أن يبقى الناس على دينها ومذهبها، ولا يفكر أحد في اعتناق دين آخر، ما لم يأذن له كسرى أو قيصر، أو الملك أو الأمير.

وهو ما عبر عنه القرآن على لسان فرعون قديما حينما أسلم سحرته، وأمنوا برب موسى وهارون: { قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى}(طه: 71).

هذا كان حكم الأكاسرة والقياصرة والملوك في ذلك الزمن: حاجزا حصينا دون وصول الدعوة العالمية إليهم. ولهذا حينما بعث رسول الإسلام برسائله إلى هؤلاء الأباطرة والملوك، يدعوهم إلى الإسلام: حملهم – إذا لم يستجيبوا للدعوة- إثم رعيتهم معهم.

فقال لكسرى: "فإن لم تسلم فعليك إثم المجوس" وقال لقيصر: "فعليك إثم الإريسيين" وقال للمقوقس في مصر "فعليك إثم القبط". وهذا يؤكد المثل السائر في تلك الأزمان: الناس على دين ملوكهم. فأراد الإسلام أن يرد الأمور إلى نصابها، ويعيد للشعوب اعتبارها واختيارها، فلا يختارون هم بأنفسهم لأنفسهم. ولا سيما في هذه القضية الأساسية المصيرية، التي هي أعظم قضايا الوجود على الإطلاق: قضية دين الإنسان، الذي يحدد هويته، ويحدد غايته، ويحدد مصيره.

ومن هنا كانت الحرب الموجهة إلى هؤلاء الملوك والأباطرة، لهدف واضح، هو (إزالة الحواجز) أمام الدعوة الجديدة؛ حتى تصل إلى الشعوب وصولا مباشرة، وتتعامل معها بحرية واختيار، لمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، وليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيا عن بينة. دون خوف من جبار يقتلهم أو يصلبهم في جذوع النخل.

2ـ حرب وقائية لحماية الدولة الإسلامية:
وهناك هدف آخر، مكمل لهذا الهدف، وهو: أن هذه الدولة الوليدة الفتية التي أقامها الإسلام في المدينة، هي دولة عقيدة وفكرة، دولة شريعة ورسالة، وليست مجرد سلطة حاكمة، فهي بتعبير العصر (دولة أيديولوجية) تحمل دعوة عالمية، للبشر جميعا، وهي مأمورة بتبليغ هذه الدعوة، التي تمثل رحمة الله للعالمين، ومن شأن هذه الدولة: أن تقاوم وتحارب من قبل القوى المتسلطة في الأرض، التي نرى في رسالة هذه الدولة ومبادئها خطر عليها. فإذا لم نحاربها اليوم، فلا بد أن نحاربها غدا، كما علمتنا تجارب التاريخ، وكما تقتضيه سنن الله تعالى في الكون والمجتمع.

ولهذا كانت هذه الحروب: نوعا مما يسمى الآن (الحرب الوقائية) حماية للدولة من المخاوف والأطماع المتوقعة من جيران يخالفونها في الأيديولوجية ويناقضونها في المصالح، ويعتبرونها مصدر قلق لهم، بل خطر عليهم.
3ـ حروب تحرير للشعوب المستضعفة:
وإلى جوار هذين الهدفين الواضحين: يتبين لنا أن هناك هدفا آخر لهذه الحروب أو الفتوح، ولا يخفى على دارس يعرف ما كان عليه العالم قبل الإسلام.

هذا الهدف هو: تحرير شعوب المنطقة من ظلم الحكام الذين سلطوا عليها فترة من الزمن، فقد كان العالم في الجاهلية تتنازعه دولتان عظيمتان: دولة الفرس في الشرق ودولة الروم في الغرب، أشبه بما عرفناه وعايشناه في عصرنا من دولة الروس، ودولة الأمريكان، أيام الحرب الباردة بين الطرفين.

وقد سيطرت كل منهما على بعض البلاد، واتسعت رقعة تلك الدولة حينا على حساب الآخر، وانحسرت حينا آخر، كما نص القرآن علينا ذلك في أوائل: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} (الروم: 2-3).

وكانت دولة الفرس تملك بعض ديار العرب في العراق، وكانت الروم تملك بلادا أخرى في الشام، كما تملك مصر وغيرها في شمال أفريقيا. وكان هذا لونا من ألوان الاستعمار المتسلط المستكبر في الأرض بغير الحق، وكان على الإسلام مهمة - باعتباره رسالة تحرير للعالم من عبودية البشر للبشر- أن يقوم بدور في إنقاذ هذه الشعوب.

وقد رأينا رسالة نبي الإسلام إلى قيصر والمقوقس وغيرها تختم بهذه الآية الكريمة من سورة آل عمران: {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} فهذه الدعوة عامة إلى التحرير.

وكان لا بد من مساعدة هذه الشعوب على التحرر من هذا المستعمر الغريب عنها، وهذا ما جعل هرقل يقول بعد دخول جيوش المسلمين إلى الشام: سلام عليك يا سوريا، سلام لا لقاء بعده.

وقد كان الروم يعتبرون مصر بقرة حلوبا لهم، يحلبون ضرعها، وإن لم ترضع أولادها، ولهذا رحب الشعب المصري بالفاتحين الجدد، وفتح لهم صدره، وذراعية، واستطاع المسلمون بثمانية آلاف جندي فقط أن يفتحوا مصر، ويحرروها من سلطان الروم إلى الأبد.

السيف لا يفتح قلبا

ونقول لأصحاب دعوى انتشار الإسلام بالسيف: إن السيف يمكنه أن يفتح أرضا، ويحتل بلدا، ولكن لا يمكنه أن يفتح قلبا. ففتح القلوب وإزالة أقفالها: تحتاج إلى عمل آخر، من إقناع العقل، واستمالة العواطف، والتأثير النفسي في الإنسان.

بل أستطيع أن أقول: أن السيف المسلط على رقبة الإنسان، كثيرا ما يكون عقبة تحول بينه وبين قبول دعوة صاحب السيف. فالإنسان مجبول على النفور ممن يقهره ويذله.

ومن ينظر بعمق في تاريخ الإسلام ودعوته وانتشاره: يجد أن البلاد التي فتحها المسلمون، لم ينتشر فيها الإسلام إلا بعد مدة من الزمن، حين زالت الحواجز بين الناس وبين الدعوة، واستمعوا إلى المسلمين في جو هادئ مسالم، بعيدا عن صليل السيوف، وقعقة الرماح، ورأوا من أخلاق المسلمين في تعاملهم مع ربهم، وتعاملهم مع أنفسهم، وتعاملهم مع غيرهم: ما يحبب الناس إليهم، ويقربهم من دينهم، الذي رباهم على هذه المكارم والفضائل.

وانظر إلى بلد كمصر، وقد فتحت في عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب، ولكن ظل الناس على دينهم النصراني عشرات السنين، لا يدخل فيه إلا الواحد بعد الواحد. حتى أن الرجل القبطي الذي أنصفه عمر، واقتص لابنه من ابن والي مصر: عمرو بن العاص، لم يدخل في الإسلام، رغم ما شاهد من عدالة ما يبهر الأبصار. انتهى.

ثانيا: الأمر بالتضييق على أهل الكتاب:

الأمر بالتضييق على أهل الكتاب رواه الإمام مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه". وهذا الحديث يظهر لي فيه احتمالان مقبولان:

1- أن يكون الحديث في سياق حرب بني قريظة، فنهي المسلمون من مسالمتهم؛ لأن السلام والملاطفة إشعار بالأمان بل تصريح به، فملاطفتهم في هذه الحال ربما غررتهم وخدعتهم بأن القوم جاءوا بالسلام مع أنهم جاءوا للحرب، فكان ترك ملاطفتهم خيرا لهم، ولكن تخصيص الحديث بهذه الواقعة يحتاج إلى جمع الروايات، وتتبع طرقها ومخارجها، ليعلم هل مخرجها واحد أم لا.

فقد روى الإمام أحمد بسنده عن أبي بصرة رضي الله عنه قال: " قال رسول الله إنا غادون على يهود فلا تبدأوهم بالسلام: " كما روى أحمد أيضا بسنده عن عقبى بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله: "إني راكب غدا إلى يهود فلا تبدأوهم بالسلام" فهل مساق حديث أبي هريرة هو نفس مساق حديث أبي بصرة وعقبى بن عامر؟ هذا أمر يحتاج إلى تحقيق، ونحن نريد التحقيق لنصل إلى الحقيقة، ولسنا من أنصار تجميل ديننا على حساب قواعده ومقرراته،فليس في ديننا شيء نحتاج إلى إخفائه أو مداراته، ونحن حينما نحدد موقفنا من الآخر فإننا نحدد ذلك من نصوص ديننا،ولن نتردد إذا وضح لنا الأمر أن نعلنه ونصدح به رضي من رضي ، وسخط من سخط.

وأضع بين يدي هذا التحقيق نقل العلامة ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أنه جنح إلى أن النهي عن بدء أهل الكتاب بالسلام محمول على غزوة بني قريظة، فقال في أحكام أهل الذمة: "أمر ألا يبدؤوا بالسلام لأنه أمان وهو قد ذهب لحربهم سمعت شيخنا يقول ذلك: "ويبدو أن ابن القيم لم يعجبه هذا من شيخه، فاستشكل عليه قائلا: " ولكن في الحديث الصحيح لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام .....".

2- أنه إذا لم يصح قصر الحديث على واقعة بني قريظة فيكون المقصود حينئذ إذا كان الطريق مزدحما بأهل الذمة وبالمسلمين معا أن لا يؤثر المسلم الذمي على أخيه المسلم بصدر الطريق، ولكن يمشي هو فيه، ويؤثر به أخاه المسلم؛ لأن حق أخيه المسلم أوجب من حق الذمي مهما قيل من تعظيم في حق الذمي.

وترتيب الأولويات والحقوق أمر مقرر في أذهان العقلاء، وأتت به شريعتنا الإسلامية، فالأخوة الإسلامية أعظم عرى الإسلام، ومع ذلك فحقوق الأقارب أعظم حقا من غيرهم، وبعض الأقارب أعظم حقا من بعض، وحاجة الفرد نفسه أولى بالاستجابة من حاجات الغير مهما كان قريبا: " ابدأ بنفسك ثم من تعول".

فغاية ما في الحديث إذن هو إيثار المسلم أخاه المسلم بالطريق عند ازدحامه، وعدم تقديم الذمي عليه؛ لأن حق المسلم على المسلم أوجب من حق غيره، فأي شيء في هذا؟ ومما قاله الفقهاء أن اضطرارهم إلى أضيق الطرق ليس معناه إلجاءهم إلى الحائط، أو إسقاطهم في حفرة مثلا فهذا من الإيذاء المحرم.
وأما إذا كان الطريق واسعا فلا يجوز اضطرارهم إلى أضيق الطرق؛ لأن الإيذاء في ذاته غير مقصود قطعا، ولكن المقصود إيثار المسلم أخاه على غير المسلمين.
ومما ينبغي التنبيه إليه أن هذا الحكم هو أثناء المعايشة اليومية مع قوم سبق دعوتهم إلى الإسلام فأبوه، وارتضوا الكفر، فهم في حكم الميئوس من إسلامهم، ومما ذكره الفقهاء أن هذه المعاملة ربما كرهتهم في دينهم والتشوف إلى دين العزة.

أما أثناء الدعوة والتبيين فالأمر مختلف حيث ينبغي أن يعاملوا بالحسنى، ويتلطف لهم في القول حتى يرغبوا في الإسلام.
قال القرطبي في قوله: {وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه} معناه لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكراما لهم واحتراما، وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى. وليس المعنى إذا لقيتموهم في طريق واسع فألجئوهم إلى حرفه حتى يضيق عليهم لأن ذلك أذى لهم وقد نهينا عن أذاهم بغير سبب.انتهى

ومما يجب التنبيه إليه كذلك أن القرآن أمرنا أن نعامل الكفار بالقسط في غير آية من آياته ، من ذلك قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8).

ثم عاد القرآن فأباح لنا أن نعامل المسالمين من الكفار بالقسط والبر فقال : (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة : 8 ) وهنا لطيفة مهمة لم أر من نبه إليه من المعاصرين ، وهي أن القسط في الآية ألأخيرة غيره في الآية الأولى وأمثالها، فالمراد به في الأولى العدل، وذلك أن العدل مأمور به مع المسالم والمحارب، مع الموافق والمخالف، وأما المراد به في الآية الأخيرة " الصلة بالمال" يقول القرطبي : " { وتقسطوا إليهم } أي تعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة وليس يريد به من العدل فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل قاله ابن العربي" انتهى.

ثالثا: الشدة على الكفار: هذا في ساحات الحروب، فهل يطلب منا عاقل أن يكون المقاتل رحيما في وجه من يشهر السيف في وجهه، يشهر عدوه في وجهه السيف فيرد عليه بابتسامة مشرقة، أو بيد ضارعة ، أو برحمة حانية؟

جاء في تفسير التحرير والتنوير للعلامة ابن عاشور رحمه الله: "أشداء": جمع شديد وهو الموصوف بالشدة المعنوية وهي صلابة المعاملة وقساوتها. قال تعالى في وصف النار: {عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ}.

والشدة على الكفار: هي الشدة في قتالهم وإظهار العداوة لهم، وهذا وصف مدح لأن المؤمنين الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا هم فئة الحق ونشر الإسلام.

فلا يليق بهم إلا إظهار الغضب لله والحب في الله والبغض في الله من الإيمان وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أقوى المؤمنين إيمانا من أجل إشراق أنوار النبوة على قلوبهم، فلا جرم أن يكونوا أشد على الكفار. انتهى.

سادسا: لماذا يتناقض القرآن مع السنة؟

قرآنكم يناقض سنتكم ، ففي القرآن: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وفي السنة: " إنما جئتكم بالذبح"!

والجواب عن ذلك: أنه في بعض سياقات هذا الحديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويده في يد أبي بكر، وفي الحجر عقبة بن أبي معيط وأبو جهل وأمية بن خلف فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسمعوه بعض ما يكره ثلاث مرات، فلما كان في الشوط الرابع ناهضوه، وأراد أبو جهل أن يأخذ بمجامع ثوبه فدفعته، ودفع أبو بكر أمية بن خلف، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة".
وعلى ذلك فيكون من ووجه بهذا الحديث عقبة بن أبي معيط وأبو جهل وأمية بن خلف. وهؤلاء كلهم قد قتلوا كفارا، فعلى هذا يكون معنى كلامه صلى الله عليه وسلم : " قد جئتكم بالذبح" موجها إلى المقتولين على الكفر فعلا، فهو تهديد بأمر واقع فعلا.

ومما يدل على ذلك أنه في بعض الروايات قال لهم صلى الله عليه وسلم: "أما والله لا تنتهون حتى يحل بكم العقاب عاجلا، فأخذتهم الرعدة" وطبعا لم يأت عقاب لكل من كان في قريش، ولكن لمن قتل فعلا بعد ذلك على الكفر.

وعلى هذا فتلتقي هذه الكلمة بقوله تعالى: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (الرعد: 40) فقد نقل القرطبي أن بعض المفسرين قال فيها: "الوعد المقصود هو أسر من أسر، وقتل من قتل".

Bottom