بريدك الإلكتروني

الصفحة الرئيسة 

ابحث بحث متقدم


أخر تحديث 19 يناير 2006 - تم الإطلاق 19 يناير 2006

RightBar

 

في منهج الرد على الشبهات

مسعود صبري

سعدت برسالتك التي حوت أكثر من أربعين نقطة تحتاج إلى مناقشة متأنية، وهي تنم عن عقل جيد، وفهم لا بأس به في عدد من الأمور المذكورة وإن خالفتك في بعضها، لا لتفكيرك، ولكن لعدم اطلاعك بثقافة واسعة على ما ذكرت، وربما أجد لك بعض العذر في أمور ذكرتها، وأرى أنني في حاجة إلى وضع بعض النقاط العامة لتوضيحها، وفي ظني أنها هي:

الإسلام والعقل

الإسلام كدين هو دين العقل، ولهذا جعل الله تعالى العقل مناط التكليف، حتى العبادات التي يرى البعض أنه لا يعمل العقل فيها، فالمقصود منها ألا يكون فيها اجتهاد؛ لأنها عبادة، ولله أن يتعبدنا بما يشاء.

لكن هي معقولة المعنى، يعني نجتهد في إدراك مقاصدها ومراميها. وأحسب أن الحديث عن المعادلة بين الإسلام والعقل لا تحتاج إلى كلام، ولكن الأمور عندنا تضبط بالشرع. وكل ما جاء به الشرع لا ينافي العقل السليم. ولكن لا يعني هذا عدم اعتراض البعض على هذه المعادلة.

ولو كان كل اعتراض على شيء يؤدي إلى نفيه؛ فإن الله تعالى الذي خلق الناس جميعا، ما آمن به كلهم، وما اعترف به كلهم. ولو كان كل اعتراض على شيء يؤدي لنفيه؛ لنفينا أنفسنا التي نشعر بها، ونفينا كل العلوم التي تعلمناها، ونفينا كثيرا من معارفنا.

فالاعتراض على الشيء لا يعني أن به نقصا. ولهذا، يجب علينا أن نغلب عقل الفطرة. وكما قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}. فطبيعة العقل البشري هي الاختلاف؛ حتى على الثوابت كما هو موجود في الحضارة الغربية في كثير من مسائلها.

وليس من الحكمة تحويل الثوابت إلى متغيرات، ولا المتغيرات إلى ثوابت. كما أن من طبيعة العقل البشري أنه قاصر؛ لأن من طبيعة البشر الخطأ، فكيف نجعل ما من شأنه النقصان والخطأ هو الحاكم على الكمال، والكمال يأتي ممن له الكمال وحده. فالإنسان يخطئ ويصيب.

ولكن الله تعالى لا يخطئ أبدا، وكل ما جاء عن الإنسان قد يكون صوابا، وقد يكون خطأ. ولكن كل ما جاء عن الله فهو حق وصدق؛ بشرط التأكد أنه من الله تعالى، وأن نفهمه الفهم الصحي، وهذا يجرنا إلى النقطة الثانية، وهي:

قضية الفهم

كثير من مشكلاتنا هو الفهم للإسلام، وعدم التفرقة بين النص وبين فهم النص. فالقرآن الكريم هو كلام الله تعالى نصا، لا خلاف في هذا، ولا خلاف في أن كل ما قاله الله تعالى حق وصدق.

ولكن ليس كل تفسير للقرآن صحيحا. فالتفسير جزء منه يعبر عن أفهام علماء. وهذا الجزء من التفسير يرتبط بعقلية المفسر وثقافته وبيئته ومعارفه وغير ذلك من العوامل.

ولهذا فالقرآن نص مقدس. ولكن التفسير ليس نصا مقدسا، بل هو نص بشري، فيه ما هو صواب بالطبع، وفيه ما هو خطأ. ويأخذ التفسير أنواعا بناء على هذا القول: فبعض آيات يفسرها القرآن، وبعضها يفسرها النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها يفهمه كل أحد، وبعضها يفهم عن طريق اللغة العربية، وبعضها لا يعرفها إلا المتخصصون.

وجهد المتخصصين مختلف فيه؛ لأنه جهد بشري محض لا يؤيده وحي. فمن هذا التفسير ما يكون صوابا وقد يكون خطأ. ولكن الخطأ الأكبر أن نجعل كلام العلماء الكبار منزها عن الخطأ، وأن نجعل كل كلامهم الذي يدخل في بعضه سياق الزمان والمكان صالحا لكل زمان ومكان.

وإن كان لا بد أن نؤكد على قدر هؤلاء العلماء الأجلاء. ولكن لا يكون عندنا تطرف في الحكم عليهم. فكل يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم. وإن كانوا اجتهدوا هم لزمانهم، فلنجتهد نحن لزماننا بضوابط الاجتهاد؛ سواء أكان في الجانب الشرعي، أو الدعوي، أو الحياة العامة، أو في بناء الحضارات، مع قبول النقد الذاتي والتحليل؛ مع اعتبار الواقع، وعدم الابتعاد عنه، وأن نقترب من النبع الصافي للإسلام في أولى أيامه.

اختبار المعلومات

ومن الجيد ونحن ننقد أن نختبر معلوماتنا؛ وساعتها نجد أنفسنا محقين في بعضها، ومخطئين في البعض الآخر. ومن الخطأ المعيب أن نعتبر أفهامنا وأذهاننا كلها على أنها صواب، والعمل بهذه القاعدة يجعل المرء متجددا في حياته، لا أن يكون كالماء الراكد الذي لا حراك فيه.

فقبول الآخر والانفتاح على العقول الأخرى، مع الحفاظ على الثوابت يجعل المرء على قاعدة صلبة. فهو دائما يختبر معلوماته؛ ولكنه ليس شيئا هشا تنقله الريح حيث تشاء، فهو ثابت، ولكنه منفتح، يدرك أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.

التفرقة بين القانون والتطبيق

ومن القواعد المهمة التي يجب عليها أن نفهم كثيرا من أمور الإسلام أن الإسلام في ذاته معصوم؛ لأنه من الله، وكل ما في الإسلام صائب لا شك فيه. ولكن التطبيق النابع من فهم النصوص الشرعية هو المختلف.

فالتطبيق عملي بشري، وكل عملي بشري قد يكون صوابا، وقد يكون خطأ. ولهذا، فحين نريد أن نعرف الإسلام نفرق بين تطبيق المسلمين وقواعد الإسلام، وفي القواعد نفرق بين القواعد المتفق عليها والقواعد المختلف فيها، وبين ما هو ثابت النص وما هو ناتج من الفكر. وفرق بين أن نحاكم الإسلام كدين وعقيدة، وأن نحاكم المسلمين كبشر لهم سلوكهم وفهمهم، وإن كانت مرجعيته تلك العقيدة وهذا الدين.

فلا شك أن المسلمين كان لهم أخطاء في التاريخ. ومن يحسب أن كل ما فعله المسلمون صوابا؛ فهو على خطأ. وخاصة؛ أن عددا من التصرفات فيما يخص المخالفين في العقيدة؛ جاءت وفق نزعات أو آراء غلبتها النزعة السياسية أحيانا.

وكان رد فعل لما يفعله غير المسلمين أحيانا. وكان للزمن فيها دور، ولطبيعة العلاقة بين الدول فيما يخص السياسة الدولية دور. لكن كل هذا يمثل وجهة نظر الخلفاء بما فهموه من الشرع.

ولا يمكن أن يكون هذا هو الشرع عن سبيل القطع، ولكنه عن سبيل الظن. ويجب علينا كمسلمين أن نتعرف بالأخطاء التي وقعنا فيها، وهذا شيء لا يعيبنا. ولكن لا نلصقه بالدين، ففرق بين المبادئ والأشخاص؛ وخاصة أن المبادئ جاءت من عند الله.

ربانية الدين

ومن أهم ما يجب أن ننتبه إليه كقاعدة في التفكير في الإسلام أن هذا دين رباني، هو من عند الله تعالى. وحين نتعرض نقيس المبادئ والأشخاص؛ يرى كثير من الناس أنه لا يجب الفصل بينهما. وهذا صحيح على وجه؛ إن كانت الأفكار والمبادئ من البشر.

أما حين تكون المبادئ من الله تعالى، فيجب احترام قدسيتها. على أن نفرق بين القواعد العامة التي لا اختلاف حولها؛ لأن الله تعالى الذي خلق الكون أوجد ما يصلحه، ولا تعارض بين كتاب الله تعالى المقروء، وهو القرآن الكريم، وكتاب الله المنظور؛ وهو الكون والحياة.

وعندما نتحدث عن العلم؛ يجب أن نفرق بشكل قاطع بين النظريات والأفكار. فكم عاش الناس على نظرية فرويد؛ فإذا هي بعد مئات السنين تعد من الجهل، وينكرها أهلها. ولهذا؛ فالأصل ألا تناقض، على أن نفهم كلام الله على الوجه الصحيح، وأن يكون ما في الكون والحياة من النظريات الثابتة بوجه قاطع، لا يحمل مجرد الترجيح؛ لأن الترجيح قد يحمل نسبة من الخطأ أيضا، ولا نحاكم كتاب الله تعالى على ترجيح عقل بشري خلقه الله تعالى؛ لأن هذا يعد نوعا من الخطأ في التفكير.

فقه الحديث

وكثير من الاعتراضات تأتي من الحديث النبوي، وذلك أن الحديث أولا قد لا يصح عنه، وأن العلماء يختلفون في تصحيح الحديث وتضعيفه. كما أن هناك ما يعرف بعلم "ورود الحديث" يعني معرفة المناسبة والملابسات التي أحاطت بقول النبي صلى الله عليه وسلم.

فإن كان من العلماء من فسر أو فهم الحديث على محمل؛ ربما لا يكون مناسبا لنا؛ وربما يكون خطأ. فلماذا نتمسك بالقول غير المناسب، ونترك القول المناسب، ومن الجيد أن نطلع على أقوال شراح الحديث، سنجد أقوالا معقولة، وأقوالا غير معقولة، فنأخذ المعقول.

ونقرأ بعين الاستفادة؛ وليس بعين النقد. نستخدم النقد لانتقاء الأفضل؛ ثم نترك ما لا يصلحنا، وأن نأخذ منهج الإصلاح سبيلا لنا؛ دون المعوقات التي تجعلنا ندور دائما في الفلك ولا ننتهي.

كانت هذه إجابة موجزة وعامة عن قواعد المشكلة الأساسية. أما عن أسئلتك التي فاقت الأربعين؛ فإنه لا يمكن لنا حسب سياسة النشر أن نرد عليها دفعة واحدة. فتواصل معنا دائما بأسئلتك، ونحن نسعد بك دائما.

Bottom