|
"كلنا
طلاب شهادة، فأنا وإخواني نسعى
للشهادة، وحياتنا أرخص من حياة أي
طفل فلسطيني" إمضاء الشيخ أحمد
ياسين
كان
الشيخ يعيش القهر والألم وهو مبتسم
ولم يتأفف يوما، كما كان شامخا
دائما معتزا بدينه يخاطب الأعداء
بعزة وكبرياء حتى لو كانوا من قادة
مخابرات وجيش الاحتلال.
كلمات
مؤثرة وبسيطة قالها أحد مرافقيه في
سجن كفار يونا تختصر سيرته التي
اختزلت معادلة "حياة المغالبة"
في ثالوث قلّما تَمثَّله الرجال في
حياتهم.. إيمان وأمل وإرادة".
كان
قعيداً في صورة الجسد؛ لكنه في حركة
الحياة تعبير إنساني فوق العادة
لنموذج تعالت فيه الهمة على وهن
البدن، وتمردت الإرادة في عروقه
المتيبسة على فضاءات الانكسار؛
فصنع المقاومة في أمل وإرادة.
رائد
مدرستي الدعوة والمقاومة
يعتبر
الشيخ الشهيد أحمد ياسين بحق
رائدًا لمدرستي الدعوة والمقاومة
في الأرض المباركة، إذ وضع غراس
الأولى في غزة حينما كان الناس
يسبحون في فضاءات القومية
واليسارية، وأشعل فتائل الثانية
بوقود الإسلام بعدما أتخمت غابة
البنادق الفلسطينية بمناخات
العلمنة. رغم مواصفات الجسد التي
تنقل رسالة الوهن والعجز فإن قلبه
كان يحتضن بطارية كافية لشحن شعبٍ
بأكمله. في عينيه الباسلتين ووجهه
المضيء بريق أملٍ سحري أحس به كل من
رافقه أو حتى من رآه لمرة واحدة فقط.
حباه
المولى سبحانه "كاريزما"
مشعة، إذ كان بوهجها ينضج الرجال
ويجندهم في قافلة الدعوة والمقاومة.
وجمع في شخصيته الفريدة بين
الإعاقة البدنية والمهابة
والوقار، إذ كان بعض ضباط
المخابرات الصهاينة يقبلون يديه،
وبعضهم بكى أمامه. وقرن بين الاتزان
وخفة الروح، بين الصلابة في الموقف
والقدرة على الموازنة بين الأمور،
إذ كان صلباً لكنه كان معتدلاً وعلى
وجه الخصوص في مواقفه السياسية.
وتمتع بقدرة على التجميع وتهيئة
الألفة بين الناس، وكثيراً ما حكم
بين الناس في قضايا عجز عنها أكبر
القضاة في المحاكم الرسمية، وكان
نموذجاً في سلوكه ومواقفه للوحدة
الوطنية، لذلك حظي باحترام كافة
الأطياف السياسية على اختلافها.
ومن
أقواله المجسدة لهذه الحقيقة "أنا
لن أسمح، ولا أريد أن أسمح لأي خلاف
في الشارع الفلسطيني، وسأعمل مدى
حياتي على أن أقف في وجه أي فتنة،
لأننا بعنا أنفسنا لله، وسنقاتل في
سبيل الله، حتى تحرير فلسطين أو
الشهادة إن شاء الله تعالى، هذا هو
طريقنا، وسيبقى سلاحنا موجها لصدر
العدو المحتل.."، "دخلنا في
السجون بشرف، وخرجنا بشرف، ولسنا
مستعدين أن ندخل السجون ونحن
قاتلين لأبنائنا".
صنع
الحياة في جوف الليل
ذلك
القعيد في ذلك الشريط الساحلي
المحاصر بين الأسلاك الشائكة على
شاطئ المتوسط المسمى قطاع غزة، صنع
تجربة فريدة وأثبت أن الإرادة يمكن
أن تصنع الفجر حتى في أحلك عتمات
الليل، ولم يرحل ذلك الشيخ المقدسي
القعيد حتى أثبت التجربة في مختبر
الحياة، وكان بإعاقته والحصار الذي
لفه حجة على الأمة، وفي الوقت ذاته
مدرسة عظيمة المنهج والفصول.
ولد
"أبو محمد" الشهيد الشيخ أحمد
إسماعيل الياسين عام 1938م في قرية
الجورة، قضاء المجدل بفلسطين التي
أحبها واحتضنت جسده الذي تمزق
عشقاً لها، ومن قبل حباً لموطنه
الأول في جنة السماء.
مات
أبوه وعمره لم يتجاوز ثلاث سنوات،
وكان يطلق عليه أسم "أحمد سعدة"
نسبة لأمه الفاضلة "سعدة عبد
الله الهابيل" لتمييزه عن أقرانه
"الأحامد" في عائلته.
هجر
من فلسطين، وترك "بيارات" (حدائق
باللهجة الفلسطينية) والده في
الجورة عام 1948م، حينما كان في الصف
الخامس الابتدائي. وبسبب الهجرة
والفقر ترك الدراسة ليساعد أخاه في
إعالة الأسرة، لكنه عاد للدراسة
بعد توقف لمدة سنة تقريبا، وأنهى
دراسته الثانوية في قطاع غزة عام 1958م.
ثقة
في الله تتوجها عبق العقيدة
في
السادسة عشرة من عمره تعرض الشيخ
لحادثة كُسر على أثرها فقرات من
عنقه نتيجة مصارعة مع أحد أقرانه
وهو "عبد الله الخطيب"، لكنه
لم يخبر أحداً عن سبب الضربة حرصاً
منه على سلامة العلاقات العائلية،
ولم يفش هذا السر إلا عام 1985م في
السجن، وقد أفشاه للشهيد عبد
العزيز الرنتيسي.
بعد
تخرجه في الثانوية أثناء الإدارة
المصرية لقطاع غزّة، اتجه مترنحاً
بسبب الإعاقة -إذ لم تكن إعاقته في
البدء بما كانت عليه حالته الأخيرة-
إلى لجنة القبول، فلقيه أحد أصحابه
ليقول له مشفقاً: "هل تتصوّر أن
اللجنة ستوافق عليك، وأنت تعرف
سمعتها..!، يا أخي الكريم أرى أن
توفّر على نفسك شقاء الرحلة". فرد
عليه الشيخ قائلاً: "يا أخي وهل
تتصوّر أنني ذاهب للّجنة كي
أستعطفها؟ لا والله، فأنا مسلم
وأثق أن الله إذا أراد لي التعيين
فلن يتمكّن بشرٌ من قطع رزقي.. ألم
تقرأ قوله تعالى: {وفي السماء رزقكم
وما توعدون فوربّ السماء والأرض
إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون}" (الذاريات
22). وبالفعل وافق الحاكم الإداري
العام، الفريق أحمد سالم، على
تعيينه رغم إشارة لجنة الامتحانات
إلى عرجه، فقد كان للحاكم ابنٌ أعرج
ممّا دفع به إلى القول: "وإيه
أعرج؟ يعني ما يشتغلش؟!".
اعتقل
في الفترة الناصرية بسبب نشاطه
الدعوي عام 1965م، وبعد هزيمة عام 1967م
كان رائد الدعوة الأول في قطاع غزة.
لم يتوقف عند حدودها بل شارك بنقل
إشعاع الدعوة إلى أراضي فلسطين
التي احتلت عام 1948م.
وفي
قفزة دعوية واسعة تنم عن قدرة بارعة
في التخطيط الإستراتيجي، أنشأ
المجمع الإسلامي بأموال الزكاة
التي جمعها من الناس، ومع الزمن كان
هذا المجمع مصدر الإشعاع الإسلامي
في قطاع غزة وفي كل فضاء فلسطين.
انتقل
إلى حقل المقاومة، وأسس مع إخوانه
"تنظيم المجاهدون الفلسطينيون"،
لكنه اعتقل وحكم عليه عام 1983م
بالسجن 13 عاما. وما لبث أن خرج من
السجن في صفقة تبادل للأسرى عقدها
أحمد جبريل مع الصهاينة، وذلك عام
1985م.
المحطة
الأبرز في حياة هذا الشيخ المقدسي
المعطاء كانت عام 1987م؛ إذ أسس هو
وثلة من إخوانه حركة المقاومة
الإسلامية؛ التي طرحت نفسها كمشروع
وطني إسلامي موازٍ للمشروع الوطني
العلماني.
أعيد
للمعتقل مرة أخرى عام 1991م، إذ أصدرت
محكمة صهيونية حكما عليه بالسجن
مدى الحياة.
وفي
محطة جديدة من حياة هذا الرائد
الإسلامي؛ خرج من السجن عام 1997م على
إثر صفقة بين الملك حسين ونتنياهو،
وذلك عقب المحاولة الفاشلة لاغتيال
المجاهد خالد مشعل.
من
أسلمة المجتمع إلى أسلمة الصراع
نظراً
لأهمية المكون الديني في الصراع
العربي الصهيوني عملت أطراف عديدة
على تحييد هذا الشاحن الجماهيري،
وباستقراء المرحلة التي تلت ثورة
عام 1936م يلحظ أن البعد الوطني بلونه
العلماني هو الذي تسيّد الساحة
الفلسطينية خلال عدة عقود، وبطبيعة
الحال امتلأ هذا الفضاء الوطني
الفلسطيني باللونين القومي
واليساري اللذين طغيا على أفق
المنطقة آنذاك.
كان
الشيخ ياسين رجل المرحلة الذي
استطاع أن يؤسس لعمل دعوي بنفس طويل
ليقفز فيما بعد بخطى مدروسة لعتبة
المقاومة، خالطاً العجينة الوطنية
بتوابل إسلامية أصيلة، هي لوازم
الهوية والمستلزمات السلفية
الضرورية للانتصار.
الانفجار
الوطني الإسلامي الكبير، جسدته
حماس بإدارة مؤسسها مع ثلة من
إخوانه الممتدين عبر الجغرافيا
العربية، تجمعهم وحدة الفكرة
وصلابة الإيمان.
ظل
رجل المرحلة يعمل بدءًا من أسلمة
المجتمع مروراً بعتبات الإصلاح
والتغيير، حتى النقطة التي أرقت
إستراتيجيي الغرب والصهيونية؛
حينما وصل إلى أسلمة الصراع، وتمكن
مشروعه الفذ من صناعة نموذج سلفي
إحيائي لفريضة الجهاد، بمقاومة
متمردة على أفق الانكسار، ومن خلال
نماذج بشرية أحيت سيرة السلف
الصالح في حبها للشهادة والاستشهاد.
وبقي
الرجل يعمل بمثلث "الإيمان
والأمل والإرادة" حتى زرع كبده
في رمال غزة، وحتى نثرت فتافيت
دماغه على صدر الأرض التي ما زال
شعبها يغالب، وعلى خطى رائد الدعوة
والمقاومة.
من
كراماته
قال
مرافقوه عنه في السجن: كان الضباط
ينكسرون أمامه، ويقول أحدهم: في
إحدى المرات جاءه ضابط كبير وعندما
اقترب من الشيخ انحنى وقبّل يده.
ويروي
أحد مرافقيه في السجن -واسمه علاء
عايش بعضا منها ورآها بأم عينيه-
يقول: في إحدى الليالي بعدما
تناولنا طعام العشاء وبعضا من
الفاكهة وكانت أنواع كثيرة ممنوعة
من الدخول إلى السجن قلت له يا شيخ:
ما الشيء الذي تشتهيه الآن فقال لي:
"أشتهي المانجا ولم أذقها منذ
سبع سنوات"، وفي اليوم التالي
خرجنا إلى "الفورة" -الخروج
فسحة للتشمّس في فناء السجن- وإذا
بأحد السجناء الجنائيين اليهود
ينادي عليّ ويقول علاء.. علاء،
فذهبت إليه فمد يده وناولني شيئاً
ما لم أنظر إليه حينها وقال لي
بالعبرية: (كخ زه لياسينو) أي خذ هذا
لياسين، وعندما أخرجتها من جيبي
وجدتها حبة مانجو كان قد أحضرها معه
السجين من زيارة خارج السجن، وذكرت
حينها ما قاله الشيخ بالأمس بأنه
يشتهي المانجو.
ويقول
عايش والدموع تنهمر من عينيه: في
إحدى المرات بعدما صلى الشيخ قيام
الليل وغرقنا في النوم بعدها، وقد
كنت تعبا ولذلك غرقت في نوم عميق
وبعد ربع ساعة من نومنا أراد الشيخ
أن يقضي حاجته، وخجل أن يوقظني
وتردد في ذلك فأحسست كأنه حدثني؛
فاستيقظت من نومي وقمت بمساعدته في
التبول، ولكني لم أتكلم معه ورجعت
ونمت، وسألني الشيخ كيف عرفت أنني
كنت أريد قضاء الحاجة، وتأكدت فيما
بعد أن هذا الأمر حدث؛ فقد قمت من
نومي لمساعدة الشيخ وأنا لا أشعر.
ويروي
الشهيد عبد العزيز الرنتيسي أنه
كان مع الشيخ في زنزانة مليئة
بالقمل، ويقول بأنهم كانوا يهرشون
أجسادهم بشدة، بينما الشيخ في هدوء
بالغ، فقال له: يا شيخ لقد أنهكنا
القمل، بينما لا يتعرض لك. فقال له
الشيخ: وما حاجة القمل بشيخ مثلي؟!
فقال له الرنتيسي: بل صرفه الله عنك
لأنك لا تملك له دفعا. فضحك رحمه
الله.
كما
كانت له كرامات مع أصحابه وأحبائه،
فمن ذلك ما يرويه أحد مرافقيه أبو
مصعب إذ يقول: "ما أن أنتهي من
إطعام الشيخ بيدي -لأنه لا يستطيع
أن يأكل بيده- حتى أشعر أنني قد شبعت
تماماً، وجوفي ممتلئ ونفسي شبعانة".
شهادة
ابنته
تقول
ابنته مريم: "كان الشيخ يعيش في
بيت متواضع جداً، يتكون من 3 غرف،
وفي البيت شبابيك خربة، أبي كان لا
يحب الدنيا، بل كان يحب الآخرة، عرض
عليه كثيراً أن يكون له بيت مثل
بيوت الرؤساء. عرض عليه من -السلطة
الفلسطينية- بيت ضخم في أرقى أحياء
غزة، ولكنه رفض العرض لأنه يريد
الآخرة ولا يهتم بهذه الشكليات
الدنيوية"، وقالت تصف بيته بأن
"مساحته ضيقة، لا يوجد فيه بلاط،
المطبخ متهتك جداً، في الشتاء بارد
جداً، وفي الصيف حار جداً، لكنه لم
يفكر مطلقاً في تجديد البيت لأنه
كان مشغولاً في تجهيز بيته في
الآخرة وأحسبه أنه في منازل الآخرة
إن شاء الله.
**
كاتب
فلسطيني
|