|
واحدة قد تجعل كلَّ القِدر يغلي!
والساحة
العربية مهيأة لذلك الآن، وهو ما جرى
مؤخرًا في الأوساط الأدبية؛ فبمجرد أن
عرض الناقد المغربي "محمد برادة"
على بعض الأدباء في مصر ترجمة أعمالهم
إلى العبرية، انطلقت آراء متعارضة من
كافة الأنحاء، حتى نكاد نسمع لها (قعقعة)؛
فبعضهم ثائر.. صارم.. رافض لمجرد مناقشة
الأمر، وبعضهم يفنّد أسباب رفضه،
وبعضهم يوافق إذا كانت الترجمة عبر دار
نشر يملكها مناصرو السلام
والديمقراطية في إسرائيل، ولا تعني
تعاملاً مع كيانات إسرائيلية أو
تطبيعًا، وبعضهم يظن أنه يجب أن يصل
للآخر.. ببساطة.
مفاد
هذا أن أي شيء له علاقة بإسرائيل أصبح
مصدرًا لقلق كبير، وتزداد التوترات
إذا اتصل الأمر بالمثقفين، وهم الأقدر
على صناعة كمٍّ هائل من وجهات النظر
المتباينة، والمواقف المتناقضة، وإن
كان أغلبهم يرفضون بإصرار أية علاقة قد
تؤدى للتطبيع، كما تعارف الجميع على
تسميته.
والمسألة
ليست جديدة؛ فقد ثارت مرات عديدة قبل
الآن؛ فيُذكر مثلا أن الكاتب الراحل
"عبد الحكيم قاسم" كان قد تجاهل
رسالة وصلته من دار النشر الإسرائيلية
"هاريس"؛ تأكيدًا لموقف المثقفين
المصريين، ودعوتهم إلى مقاطعة
إسرائيل، على الرغم من اتفاقية السلام
الموقعة بين البلدين، وكذلك فعل
الروائي "محمد البساطي".
إلا
أن توجيه دعوة مماثلة، وصلت من قِبَل
دار النشر الإسرائيلية "الأندلس"
التي تملكها "ياعيل ليرر" مساعدة
عضو الكنيست العربي "عزمي بشارة"
السابقة، أثارت الحوار، خصوصا أنها -
كما يرى المعارضون - حققت خرقًا كبيرًا
في وسط المثقفين العرب، بتقديمها
الدعوة عبر الناقد والروائي المغربي
"محمد برادة"، صاحب المواقف
المشهورة في مساندة القضية العربية
فلسطين.
لقد
استند الناقد المغربي في تقديمه
الاقتراح الذي قدّمه لعدد من الكُتّاب
العرب إلى أن صاحبة الدار تتخذ موقفًا
ديمقراطيا مساندًا للعرب، وتعمل
مساعدة لعضو الكنيست العربي، إضافة
إلى تأكيد الرسالة التي حملها من صاحبة
الدار على أن "جميع المشاركين العرب
والإسرائيليين في هذا المشروع يُعلقون
أهمية استثنائية؛ للإشارة بأننا لا
نتحدث عن مشروع للتعاون المشترك، ولا
نقصد في شكل من الأشكال أية علاقة من
التطبيع أو التبادلية بقصد عدم توفير
فرصة للجهات الإسرائيلية لاستغلال
النشاطات الثقافية وتجنيدها في
العملية السلمية".
واستخلص
برادة من هذا التوجه، ومن علاقته بعزمي
بشارة، في حديث له مع الروائي المصري
"صنع الله إبراهيم"، "أن
الروايات المتميزة المقترح ترجمتها في
هذا المشروع قد تُسهم في تفتيح العقلية
الإسرائيلية على المنطقة العربية".
واستجاب
لهذا المنطق عدد من المثقفين العرب؛
منهم الروائي المغربي "محمد شكري"
الذي لم يرَ مانعا لترجمة أعماله إلى
العبرية، عن طريق دار الأندلس
الإسرائيلية التي قامت فعلا بترجمة
روايته "الخبز الحافي"، والتي حصل
المؤلف على 500 دولار أمريكي كدفعة أولى
من حقوقه كمؤلف.
وأعلن
ضمن السياق الروائي المصري "إبراهيم
عبد المجيد" أنه "خوّل مركز النشر
في الجامعة الأمريكية في القاهرة حق
توقيع عقود ترجمة أعماله التي قام
المركز بترجمتها إلى لغات أجنبية، وهي
الجهة صاحبة قرار بيع حقوق ترجمة
رواياته إلى العبرية".
ولكنه،
وبعد أن كشف مدير المركز عن موافقته
وتوقيعه على عقد ترجمة أعماله
للعبرية، تراجع عبد المجيد عن موقفه،
وسحب توقيعه؛ متعهدًا بدفع ما عليه من
التزامات مالية يقتضيها نقض التعاقد
مع الجامعة الأمريكية.
وبرّر
المحرر الثقافي لمجلة "الوسط"
الأسبوعية "بيار أبي صعوبة" هذه
المواقف بالدعوة إلى "غزو إسرائيل
أدبيا من خلال سماح الكُتّاب بترجمة
أعمالهم إلى العبرية، وتحويل حقوقهم
المالية إلى صندوق دعم الانتفاضة
الفلسطينية من خلال وسيط عربي".
وقام
الروائي اللبناني "إلياس خوري"،
المعروف بولائه لياسر عرفات، بشن هجوم
شرس على معارضي الترجمة؛ متهمًا إياهم
"بالقومجية" وضيق الأفق، وخاصة
على المثقفين المصريين الذين لم
يستطيعوا منع حكومتهم من التطبيع
الاقتصادي والسياسي مع العدو في تبرير
هجومه على رفض هؤلاء ترجمة أعمالهم عبر
الدار الإسرائيلية.
وعبّر
الكاتب اللبناني عن اقتناعه بضرورة
الترجمة والحوار مع الأفراد والنوعيات
التي تمثلها دار الأندلس، باعتباره
جزءًا من النضال من أجل الحق العربي في
فلسطين.
ولكنه
في الوقت نفسه لم يقم بالتوقيع على
ترجمة روايته "باب الشمس" التي
تدور أحداثها حول النكبة الفلسطينية،
احترامًا لقوانين بلاده، التي هاجمها
مداورة في سياق الهجوم الأول على مواقف
المثقفين "القومجية"، إضافة إلى
تفريقه في النضال المشترك بين
الديمقراطيين في العالم (ومن بينهم
طبعًا الديمقراطيون الإسرائيليون)،
وبين دولة تحتل أرض فلسطين وأجزاء من
أراضي بلاده وسوريا.
وتناقض
خوري ليس غريبًا؛ لأنه ينسجم مع
كتاباته الأخيرة، خصوصًا دعوته في
روايته "باب الشمس" إلى إقفال
منطقة التواصل بين فلسطيني الداخل
والخارج بإغلاقه مغارة في منطقة
الجليل، كان يلتقي فيه المناضل
الفلسطيني بطل الرواية الذي يعيش في
لبنان وزوجته التي بقيت على أرض فلسطين
بعد أن تُوفّي، ضمن إطار تبريره
للاتفاقيات التي وقّعها عرفات في
أوسلو، إضافة إلى الموقف الذي احتوته
الرواية تجاه الإسرائيليين واليهود.
يقابل
هذه المواقف المحدودة والقليلة مجموع
أكبر من الرافضين الذي يرتكزون في
رفضهم للتطبيع على الحق الفلسطيني
والعربي، وممارسات إسرائيل العنصرية
والقمعية المرعبة ضد الشعب العربي
الفلسطيني والشعوب العربية المحيطة
بها.
ومن
أبرزهم الروائي المصري صنع الله
إبراهيم الذي عبّر عن احترامه لرأي
الآخر، وأكد في الوقت نفسه "على رفض
هذه العلاقة من حيث المبدأ؛ حتى زوال
العدوان الإسرائيلي"، إضافة إلى أن
"اللغة العبرية لغة ميتة، لن تضيف لي
ككاتب شيئا إذا ما تُرجمت أعمالي إليها".
في
حين كان موقف الروائي المصري "يوسف
أبو رية" أكثر تشددًا برفضه الكلي
لأي تعامل مع إسرائيليين، "بغض
النظر عن تصنيفاتهم حركة السلام الآن
أو الديمقراطيين الإسرائيليين أو
راكاح أو غيرها".
ولم
يشذ عن هذه المواقف العديد من
الروائيين الذين تمّ الحديث معهم حول
الموضوع، وخصوصًا الروائي محمد
البساطي الذي قال: أعتبر هذا الموضوع
ليس مهما من حيث الأساس، فهم أرسلوا لي
العام الماضي رسالة تطالب بترجمة
أعمالي، ولكني تجاهلت الموضوع تماما؛
لأنه لا يهمني سوى الحفاظ على موقفي
المساند كلية للشعب الفلسطيني، ولن
يكون لي أية صلة مع إسرائيليين، طالما
بقيت فلسطين تحت الاحتلال، وبقيت
عذابات الشعب الفلسطيني قائمة".
واستغرب
البساطي "طرح هذا الموضوع الآن،
خصوصًا ونحن بحاجة إلى الالتفاف حول
الانتفاضة الفلسطينية في مواجهة عدو
فَقَد عقله، ويتجه إلى تصفية شعب بكل
ثقل قوته العسكرية".
واعتبر
الكاتب السوري "فيصل جلول" "أن
بيع حقوق المؤلف العربي لدار
إسرائيلية تساوي بيع أرض إلى العدو"،
واستكمل متسائلاً: "هل كان محمود
درويش سيبيع أرضه لحركة السلام الآن،
أستبعد ذلك، وهذا ما يلزم مواقفنا تجاه
الملكية الفكرية".
وأعرب
العديد منهم عن رفضهم لإقامة دعوى
قضائية ضد إسرائيل في حالة قرصنتها على
الأعمال الثقافية بمختلف فروعها؛ فهي
"تستطيع كما استولت على الأراضي
الفلسطينية أن تقوم بقرصنة الأعمال
الفكرية العربية، وكذلك الأغاني
والأفلام وغيرها".
اقرأ
أيضًا:
|