السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا
مسئولٌ عن مقهى إنترنت في مدرسةٍ
خاصَّة، ولا أسمح للتلاميذ أن
يتصفَّحوا المواقع المشبوهة، ولكن
كثيراً من الطلبة يتصفَّحون مواقع
الدردشة والمراسلة (penpal) ويصرُّون على
محادثة ومراسلة الجنس الآخر، أو
يتصفَّحون المواقع التي تعرض صوراً
لفتياتٍ شبه عاريات (بملابس البحر،
والملابس القصيرة…)، والمشكلة أنَّ
هذا اللبس أصبح مألوفاً للناس في
مجتمعي.
أشعر بمسئوليَّة النصح تجاه هؤلاء
التلاميذ لكي يتجنَّبوا هذه المواقع،
ولكن لا أعرف كيف.
والأكثر من ذلك أنَّني عندما أحاول أن
أخبر أحداً بأنَّ هذه المواقع
سيِّئة، يتساءل: "لماذا؟"،
والإجابة بالنسبة لي واضحةٌ تماماً
لدرجة أنَّها تجعلني لا أدري ما أقول
لهم.
شكرا للمساعدة.
المستشار؛
الأستاذ
فتحي عبد الستار:
"الأخ
العزيز رضا،
مرحباً بك،
نشكرك على شعورك بالمسئوليَّة، وحرصك
على أن يتخلَّق طلبة مدرستك بالخلق
الحسن، والدين القويم.
ولا شكَّ أنَّ هذه العادة التي
يمارسها بعض الشباب تعبِّر عن
انحرافٍ خلقيٍّ ودينيٍّ تسرَّب إلى
نفوس هؤلاء الشباب، وهم لا يشعرون
بعظيم خطره على حاضرهم ومستقبلهم
ودنياهم وآخرتهم.
وأنت بالفعل راعٍ في هذا المكان،
ومسئولٌ عن رعيِّتك أمام الله عزَّ
وجلّ، كما أخبر النبيُّ صلى الله عليه
وسلم، وما يحدث في محل عملك هو منكرٌ
بلا شكّ، ينبغي عليك إنكاره وتغييره
ما استطعت إلى ذلك سبيلا، فإن أهملت
وفرَّطت تحمَّلت إثمك وإثم هؤلاء
الطلاَّب، لأنَّك ساعدتَّهم على
ارتكاب الإثم وأنت قادرٌ على منعه،
ولكن كيف تغيِّر؟ وكيف تنكر؟! هذا هو
السؤال.
الحقيقة يا أخي أن إدمان مشاهدة الصور
العارية له في النفس تأثيرٌ عميق،
وليس اقتلاعه سهلا، ولذلك فهو يحتاج
إلى تعاملٍ أكثر عمقاً من مجرَّد
موعظةٍ عابرة، أو تذكيرٍ بالحكم
الشرعيِّ الذي يعرفه كل أحد.
ربَّما يحلُّ لك البعض هذه المشكلة
ببساطةٍ شديدة، ويريحك من هذا العناء
بجملةٍ واحدةٍ تتلخَّص في أن تستخدم
على أجهزة المدرسة برنامجاً يمنع
تصفُّح هذه المواقع، ما أكثر هذه
البرامج وما أسهل هذا الحلّ!!، ولكن
تذكَّر -أخي رضا- أنك لست السبيل
الوحيد ليدخل منه طلبتك على هذه
المواقع، فلو كان تصرُّفك معهم
مجرَّد المنع فسينصرفوا عنك إلى
كثيرٍ من الأماكن التي تتيح ذلك، لذا
فالمطلوب منك أعمق وأشقّ من ذلك، إن
كنت حريصاً عليهم، وترغب في ثواب الله
عزَّ وجلَّ في الأخذ بأيديهم
وهدايتهم، مع إمكانيَّة استخدام هذه
البرامج بالطبع.
أخي رضا،
غالباً ما تكون النصيحة الآمرة
المباشرة الموجِّهة، والتي يستشعر
مستقبلها أنَّها آتيةٌ من موقع
السلطة والتحكُّم، غالباً ما تكون
ثقيلةً على النفس غير مقبولة،
ولكنَّها عندما تأتي من موقع الحبِّ
تجد قبولاً وترحيباً كبيرين في نفسه.
لذا، فإنَّ أوَّل خطوةٍ على طريق نصح
هؤلاء الطلبة وجعلهم يقلعون عن
مشاهدة هذه الموادّ، أن تصل إلى
قلوبهم، وتحتلَّ عندهم مكانةً عالية،
فيحبُّونك ويحترمونك، ويقتنعون بك،
ويقبلونك أبا، أو أخاً أكبر، أو
صديقاً ناصحاً ومخلصا، لا مجرَّد
مشرفٍ على المكان.
وطرق الوصول إلى ذلك تتعدَّد فنونها
وتتنوَّع أساليبها، ما بين إظهار
الحبِّ لهم، والعطف عليهم، والتواضع
لهم، ومشاركتهم أوجه النشاط
المختلفة، وإعطائهم الهدايا
النافعة، كلُّ ذلك بما لا يخلُّ
باحترامهم لك، وأنت أدرى بنفسيَّات
طلبتك وطرق الوصول إلى قلوبهم.
ثمَّ بعد أن تجد لك باباً إلى قلوبهم
تستطيع الدخول منه إليهم والتأثير
فيهم، ابذل ما في وسعك لتجعلهم
يقتنعون أوَّلاً بقبح هذه الممارسات،
وبأنَّها تمثِّل انحرافاً خلقيًّا
ودينيّا، لا شيئاً مألوفاً عاديّا،
وأنَّ في المداومة عليها أضراراً
شديدةً تحيق بهم في الدنيا وفي
الآخرة، وحاول أن تحشد لهم من
الأدلَّة والمقنِعَات النقليَّة
والعقليَّة والعمليَّة والواقعيَّة
ما يؤيِّد هذا ويدعمه، فإنَّ
الاقتناع بالفكرة أوَّل سبيل العمل
بها، وممَّا يمكن استخدامه في هذا
الصدد:
1- أنَّ ميل الرجال إلى النساء،
واشتهاء النظر إلى أجسادهنَّ فطرةٌ
بشريَّةٌ وضعها الله عزَّ وجلَّ في
نفوس الناس جميعا، المؤمن والكافر،
الصالح والفاجر، يقول عزَّ وجلّ: "زُيِّن
للناس حبُّ الشهوات من النساء..."،
وهذه الفطرة غير مستنكرةٍ ولا
مستقذرة، بل هي ضروريَّةٌ لإعمار
الأرض وبقاء الخليقة، والإسلام لا
ينكر هذه الشهوة ولا يجرِّمها ولا
يكبتها، ولكنَّه ينظِّمها ويوجِّهها
توجيهاً عفيفاً طاهرا، يحفظ طهارة
القلوب والأرواح والأجساد والأنساب،
فوضع عدَّة قواعد تضبطها وتوجِّهها
كغضِّ البصر، وحثَّ على الزواج، ومن
لم يستطع فعليه بالصيام، واعتبر
النظر المحرَّم ضرباً من ضروب الزنا،
وما ذلك كلَّه إلا تزكيةً للنفس
وسموًّا في الأخلاق، قال تعالى: "قل
للمؤمنين يغضُّوا من أبصارهم ويحفظوا
فروجهم ذلك أزكى لهم إنَّ الله خبيرٌ
بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من
أبصارهنَّ ويحفظن فروجهنَّ ولا يبدين
زينتهنَّ إلا ما ظهر منها وليضربن
بخمرهنَّ على جيوبهنّ"، وقال صلى
الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من
استطاع منكم الباءة فليتزوَّج، فمن
لم يستطع فعليه بالصوم، فإنَّه له
وِجاء –أي وقاية–"متَّفقٌ عليه،
وقال عليه الصلاة والسلام: "العينان
تزنيان، وزناهما النظر"رواه مسلم.
2- إنَّ الأمر لا يقف عند حدِّ الآثار
النفسيَّة، بل يتعدَّى إلى أضرارٍ
جسميَّةٍ صحيَّة، فعندما يشاهد الشاب
هذه الصور المثيرة، تشتعل شهوته
وتتوتَّر أعصابه، ويتهيَّأ الجسد
للممارسة الجنسيَّة، فإذا لم تحدث
هذه الممارسة تظلُّ الأعصاب مشدودة،
وأعضاؤه محتقنة لفترةٍ ليست
بالقصيرة، وغالباً ما تلجئ المرء
لممارسة العادة السريَّة، ولهذا
كلُّه أثره البشع على الجهازين
العصبيِّ والتناسليّ، وبمرور الوقت
تتدرَّب النفس، ويتعوَّد الإنسان على
التلذُّذ بهذه المشاهدة، واعتبارها
بديلاً للممارسة الشرعيَّة الصحيحة،
بل والأخطر من ذلك أنَّها تصبح طريقة
المتعة الوحيدة، ولا يعود للممارسة
الجنسيَّة الصحيحة أيُّ إحساسٍ
باللذَّة.
وهذه القضيَّة تمَّ نقاشها كثيراً في
باب "مشاكل وحلول" بموقعنا،
يمكنك الرجوع إليه وكتابة كلمة "استمناء"
أو "العادة السريَّة" في خانة
البحث في العنوان وستجد الكثير حول
الأمر، وعنوان الباب هو:
خدمة
البحث في باب "مشاكل وحلول"
وأنصح تحديداً بقراءة المشكلتين
التاليتين:
- بعض
عواقب الاستمناء
- المواقع
الساخنة.. الاستمناء .. وداعاً للإدمان
3- وجد عددٌ من الباحثين أن إدمان
مشاهدة هذه الصور يورث جرائم
الاغتصاب، وعدم المبالاة لهذه
الجرائم وتحقيرها، وفي دراسةٍ اعترف
86% من المغتصبين بأنَّهم يكثرون من
مشاهدة الصور الإباحيَّة، وقال أحدهم
قبل ساعات من إعدامه بعدما اقترف مئات
الحوادث: "لقد عشت الآن فترةً
طويلةً في السجون، وصاحبت رجالاً
كثيرين قد اعتادوا نفس السلوك، وبدون
استثناء، فإنَّ كلَّهم كان شديد
الانغماس في الصور الإباحيَّة، وشديد
التأثُّر بتلك الموادِّ ومدمناً لها".
وخلاصة الأمر فيها، أنَّها خسارةٌ من
كلِّ الجوانب، فلا حزت الراحة التي
طلبتها، ولا منعت أضرار ذلك عنك،
ويصدق فيها قول الشاعر:
رأيتَ الذي لا كلَّه أنت قادرٌ.......
عليه، ولا عن بعضه أنت صابرُ
وأوَّلاً وأخيرا، إنَّ هذا الفعل وما
يترتَّب عليه، يغضب الله عزَّ وجلّ،
ويعرِّض فاعله لسخطه سبحانه وتعالى
وعقابه.
وبعد أن يوافقوك الرأي ويقتنعوا بضرر
ما يفعلون، اعمل على أن تولِّد في
نفوسهم الرغبة الأكيدة والإرادة
الصادقة للتخلُّص من هذه العادة
المنحرفة، فالإرادة شرطٌ أساسيٌّ
لنجاح أيَّة محاولةٍ لتعديل السلوك،
وأخبرهم أنَّك تعرف أنَّ الإقلاع عن
هذه العادة وأيَّة عادةٍ اعتادها
الإنسان فترةً من الزمن ليس سهلا؛
لأنَّ في مقاومة هوى النفس مشقَّةً
وجهدا، وأنَّ الله عزَّ وجلَّ
يُقَدِّر ذلك في الإنسان، ويثيبه
عليه ثواباً كبيراً إن استطاع أن يكبح
جماح نفسه، ويردَّها عن الغيِّ إلى
الصواب: "وأمَّا من خاف مقام ربِّه
ونهى النفس عن الهوى، فإنَّ الجنَّة
هي المأوى"، بل ويعينه سبحانه
وتعالى ويأخذ بيديه، يقول عزَّ وجلّ:
"والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم
سبلنا".
وأثناء ذلك يجب عليك أن تُعمِل
التفكير في وسائل تنسِّيهم هذه
العادة وتعوِّضهم عنها، كأن تعدَّ
لهم قائمةً بعناوين عِدَّة مواقع
مفيدةٍ جذَّابة، تجمع بين العلم
والترفيه المباح، وتوجِّههم إلى
أنشطةٍ أخرى يشغلون بها أوقاتهم،
واطرح عليهم مشروعاتٍ جديدةً لقضاء
الوقت واستثمار الطاقة، مثل مختلف
أوجه النشاط المدرسيِّ المفيد:
الرياضيّ، أو الثقافيّ، أو
الاجتماعيّ.
وحاول في ثنايا ذلك أن تأخذ بأيديهم
وتحثَّهم على المحافظة على الصلاة في
وقتها فالصلاة -كما قال عزَّ وجلّ–
"تنهى عن الفحشاء والمنكر"،
وتطلب منهم أن يدعوا الله سبحانه
وتعالى أن يعينهم على الالتزام
بطاعته وترك معصيته.
اعمل على تحفيزهم دائماً كلَّما
رأيتهم يتصفَّحون مواقع مفيدة،
وينخرطون في أنشطةٍ نافعة، وشجِّعهم
وهنِّئهم، وإذا وجدتَّهم ضعفوا أمام
رغبتهم فلا تعنِّفهم، ولكن اغفر
تقصيرهم واصبر عليهم، وأعد الكَرَّة
ثانية، واعلم أنَّ الإنسان من الصعب
أن يتغيَّر في يومٍ وليلة، ولذلك
فعليك بسياسة النفَس الطويل.
احذر أن تشعرهم أنَّك أنت الرقيب
عليهم، بل انزع من صدورهم ذلك، وأكِّد
لهم أنَّك الحبيب لهم، وأشعرهم أنَّك
تثق فيهم، وقوِّ عندهم الشعور
بمراقبة الله عزَّ وجلَّ لهم،
ومراقبتهم هم أنفسهم لأنفسهم.
لِمَ لا تحاول إشراك غيرك من
المعلِّمين الملتزمين الواعين
ليساعدوك في توجيه ورعاية هؤلاء
الطلاَّب وتغيير سلوكهم، بشرط ألا
تكشف سرَّ الطلاَّب أو تفضحهم،
وإنَّما اطلب من هؤلاء المعلِّمين أن
يتحدَّثوا عن ضرورة وجود الإرادة
والإيجابيَّة في نفس الشابّ، وأنَّ
الشباب هم الأمل، وهم صانعو الأمجاد،
فعليهم أن يربئوا بأنفسهم من أن
يرعَوا مع الهمل، كما قال الشاعر:
قد هيئوك لأمرٍ لو فطنت له....... فاربأ
بنفسك أن ترعى مع الهَمَلِ
ولماذا -أيضا- لا تتَّصل بآباء هؤلاء
الطلاب -إن أمكن– وتتَّفق معهم على
التعاون فيما بينكم على توصيل
المفاهيم الإيجابيَّة العامَّة
لأولادهم، بنفس المنطق السابق، دون
أن تكشف سِتر طلاَّبك، لأنَّك إن
فعلتَ خسرت كلَّ شيء، فلن يعوُد
لكلامك معهم جدوى، وجعلتهم أكثر
إصراراً على المعصية، فكنت كمن بنى
بنياناً شاهقاً ثمَّ قام بهدمه فترك
كلَّ شيءٍ بعده خرابا.
أخي رضا،
إنَّ الأمر سيأخذ جهداً ووقتا،
ويحتاج منك إلى صبرٍ وعزيمةٍ وصِدْق
اللجوء إلى الله عزَّ وجلّ.
وفَّقك الله، وتقبَّل منك سعيك وجهدك.
أرجو أن نكون قد ساعدناك، وأدِم
الاتِّصال بنا".