منذ
أيام قليلة انطلقت بمختلف الدول
العربية والإسلامية الحصص الدراسية،
وعاد الجميع من فسحة كان لا بد منها،
وهذه العودة تختلف من أستاذ لآخر، كما
تختلف من طالب لآخر، لكن مهما كان
الاختلاف فإن أصحاب الرسالة هدفهم
واحد وإن تعددت لغاتهم وتميزت
أساليبهم..
حول
هذه الرسالة النبيلة كان لنا هذا
الحوار من المغرب مع الأستاذة
الداعية البتول بيشا – التي أحبت ألا
يشار إليها بلفظ الداعية احتراما
وتواضعا لمعناه الجليل-.
*
قبل أن نبدأ هذا الحوار نريد أن نعرف
من هي الأستاذة البتول بيشا؟
-
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله
وسلم على الحبيب المصطفى وعلى آله
وصحبه وإخوانه وحزبه.
اسمي
البتول بيشا، من مواليد 1968 بمدينة
كلميم جنوب المغرب، حصلت على الإجازة
في اللغة الفرنسية وآدابها بجامعة
الحسن الثاني بالدار البيضاء سنة 1991،
ثم حصلت على دبلوم الأهلية
التربوية للتعليم الثانوي بمدينة
الدار البيضاء لمادة اللغة الفرنسية..
وأنا أم لطفلين والحمد لله.
الجانب الإنساني لا ينفك عن الجانب
الدعوي والتربوي في حياتي، فأنا عضو
في القطاع النسائي لجماعة العدل
والإحسان، وعضو جمعية "إنصاف"
للمرأة والطفل، وهي جمعية وطنية
تأسست عام 1999 بمدينة سلا المغربية
تهتم بتحرير إرادة النساء من وطأة
ثالوث الفقر والجهل والعنف، والتعبئة
لتفعيل دورهن في إعادة بناء المجتمع؛
شاركت في تأطير وتنظيم عدة محاضرات
وورش عمل للمراهقات، وتأهيل الفتيات
للزواج..
*
ماذا يعني لك التعليم؟
-
التعليم هو رسالة ومسئولية تتعلق
بتكوين أجيال، والله تعالى يقول في
محكم كتابه: (إِنَّا عَرَضْنَا
الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا
الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ
ظَلُوماً جَهُولاً)، فالمعلم أو
الأستاذ مسئول عن أمانة هذه الأمة،
كيف لا وهو يشرف على فلذات أكباد
الناس الذين جعلوه محل ثقة وقدوة
ليرعى ثمرة غراسهم؟؟
ولذلك
يجب استحضار رقابة الله تعالى أولا
وقبل كل شيء في هذه الرسالة، ولكن
للأسف الشديد ما زال هناك ممن يعمل في
هذا القطاع من يهين هذه الأمانة
الشريفة حين ينظر إليها من زاوية
يتيمة ويعتبرها حرفة ووسيلة للكسب
والثراء فقط!! ففقد بذلك التعليم
رسالته النبيلة.. التي زاد من ضياعها
أكثر سوء الظروف الاقتصادية
والاجتماعية للناس بصفة عامة.
*
في نظر الأستاذة البتول ما هي مواصفات
الأستاذ الداعية التي ترين أنه من
الواجب توفرها فيه لإنقاذ ما يمكن
إنقاذه؟
-
أعتقد أن أول صفة يجب توفرها هي
الإخلاص لله تعالى، فهو لا يعمل ذلك
لكي يشار إليه لسمعة أو مغنم..
ثم
لا بد من الجدية، فلن تجدي المواعظ
والخطب إذا كان التلاميذ يشعرون أن
أستاذهم يتهاون في واجباته تجاههم،
سواء ما يتعلق بإعداد الدرس وإتقان
الشرح أو من حيث تمكنه من تخصصه
والمهارة في مهنته، فلا بد من المهارة
والصدق في نفس الوقت، فالدعوة سلوك
وحال قبل أن تكون كلمة أو مقال، بمعنى
أدق يجب أن يكون الأستاذ أول من يعمل
بما يقول فهو قدوة وأسوة.
إضافة
إلى ذلك أن يلمس فيه طلابه وجه الأب
وقلبه قبل أن يكون معلمًا، فيلين لهم
الجانب ويرحمهم ولا يغلظ أو يقسو
عليهم، وأن يكون مربيا قبل أن يكون
معلما؛ فمما ابتلينا به أن مهنة
التعليم التي هي من أنبل المهن -لأنها
تتعلق ببناء الإنسان وبالتالي الأمة-
أصبحت مجرد وظيفة يتقاضى عنها المعلم
أجرا شهريا!! ففقدت بذلك روحها ولم تعد
تؤدي رسالتها.
*
ما هي الأمور التي ينبغي للأستاذ
الداعية تحقيقها في طلابه؟
-
أعتقد أن أول شيء يمكن أن يقوم به هو
أن يخلق فيهم الإيجابية، ويزرع في
أنفسهم الثقة، ويربط ذلك بدورهم
كشباب في بناء المجتمع وتنميته، التي
لا يمكن أن تتم إلا بهم ولا تتم إلا
بالتسلح بالعلم كذلك.
وكأستاذ
داعية لا بد أن يزرع في قلوبهم همّ
الآخرة وبذرة الإيمان؛ لأنهم في
الغالب لا يجدون من يشجعهم ويأخذ
بأيديهم ليسمعوا تلك الكلمة الطيبة
وسط هذا الكم الزاخر من الهرج والمرج..
أن
يشعرهم بقيمتهم كأفراد ينتمون لأمة
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أيضا
فإن غالب الطلبة يحملون معهم أنانيات
وسلوكيات مختلفة، والأستاذ النبيه
والحكيم هو من يسعى إلى جعلهم فريقًا
متعاونًا متضامنًا بعيدًا عن الشحناء
والبغضاء، وتحويل ذلك العنف الذي هو
لصيق بسنهم إلى قوة إيجابية تستعمل في
طلب العلم أو موهبة معينة، وليبدأ
بالأمور السهلة لديهم، والأهم
فالمهم، كما علمنا ذلك الحبيب
المصطفى صلى الله عليه وسلم.
*
غالبا ما نجد السائد في العلاقة بين
الأستاذ وتلميذه تلك العلاقة الجوفاء..
كيف يتكسر ذلك الجليد ليحل محله
التعارف والمحبة والاحترام؟
-
هنا تأتي أهمية الحصة الأولى التي
تبني هذه العلاقة، بطبيعة الحال
العلاقة بين التلميذ وأستاذه، يجب
ألا تكون العلاقة أستاذية سلطوية؛
فهذا النوع من العلاقة يجعل من
الأستاذ المالك الوحيد للمعرفة،
والتلميذ مجرد متلقٍّ ومستهلك!! كما
يجب عدم فصل التلاميذ عن إنسانيتهم
وعواطفهم وظروفهم الاجتماعية، فتحس
بهم على أنهم مراهقون، وتفهم ظروفهم
الاجتماعية وخاصة العلاقات الأسرية،
التي تلقي في الغالب بظلالها على
تفكير وإرادة الطالب، فعندما يحس
التلاميذ أن هناك علاقة إنسانية
بينهم وبين أستاذهم، تكون المحبة
والمودة، فالاحترام لا يتحقق
بالسلطة؛ لأن التلميذ -الذي يعيش فترة
المراهقة- من طبيعته العناد،
والتعامل من موقع السلطة يؤدي إلى
مزيد من العناد.
*
مسألة التناصح من الأمور المهمة.. فهل
تقبلين نصيحة من تلميذ؟ وكيف تسدين
نصيحة إلى مخطئ داخل قسمك؟
-
"الدين النصيحة" كما قال صلى
الله عليه وسلم، والنصيحة هي الميثاق
الذي يربط المجتمعات، ولا فرق في
أدائها أو سماعها بين حاكم أو محكوم،
لكن يجب الاعتراف أن كثيرًا من الطلاب
لا يحبون سماع النصائح المباشرة
وأمام الملأ، وأتذكر أنه في إحدى
المرات كنت في اجتماع مع طلابي، فقال
لي أحدهم بأني تحدثت أكثر منهم،
فاعترفت بحقهم وكررت أسفي، ويكون وقع
هذا التفهم لنصائح التلاميذ وقع جيد،
ليس من باب النفاق وإنما هذا هو الأصل
"لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا
خير فينا إن لم نسمعها" كما قال عمر
رضي الله عنه.. ومن الأفضل تجاوز
الإكثار والإطناب في النصح للتلاميذ
نظرًا لسنهم وطابع العناد لديهم،
وإلا فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى إهمالهم
النصيحة، بل واعتيادهم على ما هم
واقعون فيه، وهذا أمر خطير... وأيضا
النصيحة أمام الملأ فضيحة تؤدي إلى
جرح وإهانة عميقة بخلاف ما إذا وجهت
إلى المعنى بالأمر على انفراد وبشكل
غير مباشر ولطيف، كأن تضرب له مثلاً
يشبه حالته، أو يكون الأمر في شكل
مشورة ونقاش حول الأمر المقصود النصح
فيه.
*
هل هناك أسرار بينك وبين طلابك؟ وكيف
تتعاملين مع خصوصيات كل واحد؟
-
مراعاة الخصوصيات أمر وارد، وليس كل
الطلبة أشباه، فلكل واحد ظروفه
وقدراته، وينبغي التعامل على هذا
الأساس، وبالنسبة للأسرار فإن
التلميذ إذا لم يثق فيك وفي كفاءتك
ونبل رسالتك فإنه لن يحكي لك ما يؤرقه
وما يعترض دراسته، لذلك يجب التنبه
لهذه المسألة وإبقاء تلك الأسرار
الشخصية مخفية عن الزملاء؛ لأنها قد
تدمر طموح ورغبة الطالب في التغير
والانطلاق.
*
ما هي مواصفات الحصة الدراسية
الناجحة؟ هل تلك التي تعتمد على
الحوار أم على سرد المعلومات فقط؟ أم
ماذا؟
-
بطبيعة الحال قد ولى زمن السرد و"بضاعتنا
ردت إلينا"، وأبدت تلك الطرق عدم
نجاعتها، والأفضل أن تعتمد في الحصة
الدراسية على التفاعل والديناميكية
والأخذ والرد، وهو ما يعرف في علم
التواصل بالشكل الدائري، وليس
العمودي الذي يكرس معنى التلقي فقط.
*
ما هي العقبات التي يمكن أن تواجه
أستاذًا داعية في حصته الأولى؟
-
في الحصص الأولى أحاول وضع ضوابط
العلاقة التي ستحكمنا خلال السنة،
ويشارك في وضعها الطلبة أيضا، فهي
ليست علاقة أستاذية تقليدية، ولكن في
نفس الوقت ليست علاقة تسيب.
أيضا
الطالب يعيش مرحلة المراهقة، ولذلك
غالب ما تتبع تصرفاته الخاطئة
والمتسرعة لحظات الندم، لذلك أفضل أن
نشرح لهم ظروفهم والمرحلة التي
يعيشونها، وكذا الظروف الاجتماعية
العامة التي يعيشها المجتمع.. لا بد من
إعطاء الثقة والإحساس بالأمان؛ لأنهم
يأتون بفكرة أن الأستاذ يريد ممارسة
السلطة عليهم.
إضافة
إلى ذلك فإن هناك مشكلة الاكتظاظ،
فوجود أزيد من 50 طالبًا في قاعة واحدة
أمر صعب جدا، أضف إليه طول المقررات
الدراسية، وعدم مناسبتها في كثير من
الأحيان لحاجيات التلاميذ، والأصعب
عدم مناسبة تلك البرامج لسوق الشغل،
مما يساهم في تشكيل نفسية مهتزة
مستسلمة وسلبية..
*
الطالب الكسول كيف يمكن تحويله إلى
إنسان آخر متفوق؟ وهل هناك تجارب
عملية؟
-
غالب الطلاب محبطون ويائسون، حتى
أضحت المدرسة آخر الأبواب التي
يلجئون إليها، ليست لهم آفاق أو
تطلعات، وبالتالي فهم يستغلون معظم
أوقات الدراسة في الشغب، وخاصة إذا
صادف ذلك ضعفٌ دراسيٌّ، لذلك نحاول
توعيتهم بالواقع وإعطاءهم بصيص
الأمل، فمثلا اللغة الفرنسية مشكلة
عامة للطلبة بالمغرب، نحاول أن
نحببها لهم من خلال وضع أبجديات
يستطيع الجميع اكتسابها وتعلمها،
بمعنى آخر نحاول أن ننمي الجوانب
الإيجابية والرغبة فيهم.. نحاول أن
نشجعهم على تجاوز عقبة البداية
وتحليتهم بالصبر، غالبهم يتحفز
ويبادر، وهناك تجارب ناجحة لكنها
قليلة، والمنتشر هو الاستسلام للأسف..
ولكن كما قلت بعضهم يتغير ويحس في
نفسه هذا التغير.
*
بارك الله لكم ووفقكم الله لكل خير.
-
وأنتم من أهل الفضل والخير.